اعتذار خصوم الأمس «للنهضة» قد يوفر مناخاً للمصالحة بين أقطاب المعارضة ويمهد لاستعادة المسار الديمقراطي المتعثر


تونس – «القدس العربي»: اعتبر سياسيون تونسيون أن اعتذار خصوم حركة «النهضة» وقيامهم بمراجعة سياسية لمواقفهم السابقة قد يوفر مناخا جيدا للمصالحة السياسية بين أقطاب المعارضة ويساهم في استعادة المسار الديموقراطي المتعثر في البلاد.
وقبل أيام، أثارت الباحثة والناشطة السياسية، رجاء بن سلامة، جدلا سياسيا واسعا بسبب تدوينة اعتبرها البعض «اعتذاراً غير مباشر» لحركة «النهضة»، حيث اعترفت بن سلامة فيها أنها قامت خلال السنوات السابقة بتصديق «أكاذيب كبرى» روج لها سياسيون وإعلاميون حول ««النهضة»»، من بينها اتهام الحركة بالتورط في اغتيال الزعيمين اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، فضلا عن صرف تعويضات مجزية للإسلاميين.
وتأتي تدوينة بن سلامة بعد أشهر من اعتذار شخصيات سياسية وإعلامية للرئيس السابق منصف المرزوقي، وبعد سنوات من اعتذار وسائل إعلام محلية ودولية وشخصيات سياسية وإعلامية لزعيم حركة «النهضة» الشيخ راشد الغنوشي. وأيضا في ظل الحديث عن تقارب سياسي بين أطياف المعارضة بعد البيان المشترك لأحد عشر معتقلا سياسيا.

مراجعة سياسية

وقال رياض الشعيبي، المستشار السياسي لزعيم حركة «النهضة» راشد الغنوشي: «أعتقد أن من الخطأ التعامل مع تدوينة الأستاذة رجاء بن سلامة باعتبارها مجرد موقف شخصي أو مراجعة معزولة، سواء كانت تقصد الاعتذار لحركة «النهضة» أم لم تكن تقصد ذلك. الأهم في تقديري أنها تعكس بداية مراجعة لسردية سياسية وإعلامية هيمنت على المجال العام في تونس طوال أكثر من عقد، وتحولت بفعل التكرار إلى ما يشبه الحقيقة المطلقة، بينما كانت في حقيقتها حملة ترذيل للمشهد السياسي منها إلى الوقائع التي تثبتها مؤسسات الدولة والقضاء».
وأضاف لـ«القدس العربي»: «لقد بُني جزء مهم من الاستقطاب السياسي بعد سنة 2011 على شيطنة صورة «الخصم المطلق»، وتوظيف ملفات كبرى في الصراع السياسي والإعلامي، حتى أصبحت كثير من الاتهامات تُقدَّم للرأي العام باعتبارها حقائق نهائية قبل أن يقول القضاء أو التاريخ كلمته. واليوم، وبعد مرور أكثر من خمسة عشر عاماً، بدأت تظهر مراجعات من شخصيات كانت في قلب ذلك الاستقطاب، وهو أمر ينبغي الترحيب به لأنه يفتح الباب أمام إعادة الاعتبار للحقيقة بعيداً عن منطق التعبئة السياسية».
واعتبر الشعيبي أن أهمية هذه المراجعات «لا تكمن فقط في إنصاف طرف سياسي بعينه، وإنما في إعادة بناء الوعي الجماعي بالتجربة التونسية. فحين يتبين أن كثيراً من الروايات التي حكمت النقاش العام كانت حملات تشويه وترذيل للحياة السياسية، يصبح من الضروري أيضاً إعادة النظر في طريقة توزيع المسؤوليات عن الأزمة التي انتهت إلى انهيار المسار الديمقراطي ووقوع انقلاب 25 جويلية/ تموز». وأضاف: «لقد كان من السهل، لسنوات طويلة، تعليق كل الإخفاقات على شماعة طرف سياسي واحد، لكن المراجعات الجارية اليوم تفرض قراءة أكثر عمقاً وإنصافاً. فما آلت إليه تونس لم يكن نتيجة أخطاء حزب واحد، بل حصيلة مسؤولية جماعية اشتركت فيها الأحزاب السياسية، والمنظمات الوطنية، وقطاعات واسعة من النخب الإعلامية والثقافية، ومؤسسات الدولة نفسها، كلٌّ بدرجات متفاوتة. لقد أخطأ الجميع، وإن اختلفت طبيعة الأخطاء وأوزانها، وأسهم الجميع بصورة أو بأخرى في خلق المناخ الذي انتهى إلى تقويض التجربة الديمقراطية».
وتابع الشعيبي: «وفي هذا السياق، يكتسب البيان المشترك الذي أصدره أحد عشر معتقلاً سياسياً أهمية خاصة، لأنه لا يمثل مجرد تقارب ظرفي بين معارضين، بل يعكس إدراكاً متنامياً بأن مستقبل تونس لا يمكن أن يُبنى على استمرار منطق الشيطنة والإقصاء وتبادل الاتهامات، وإنما على مراجعة وطنية شجاعة تعترف بالأخطاء، وتؤسس لثقافة سياسية جديدة قوامها التعددية والشراكة والمسؤولية المشتركة».
واعتبر أن تونس اليوم «ليست بحاجة إلى تبادل الاعتذارات بقدر حاجتها إلى مراجعة وطنية شاملة تعيد كتابة سردية المرحلة الانتقالية بقدر أكبر من النزاهة والإنصاف. فالحقيقة ليست ملكاً لطرف، كما أن مسؤولية إنقاذ البلاد لا يمكن أن تكون مسؤولية طرف واحد. وإذا كانت هذه المراجعات تمثل بداية للتصالح مع الحقيقة، فإن الخطوة التالية ينبغي أن تكون التصالح مع مقتضيات العمل الوطني المشترك من أجل استعادة الديمقراطية وبناء دولة القانون».
فيما علق الوزير السابق خالد شوكات، على تدوينة بن سلامة بالقول: «عموما، الاعتذار من شيم الكبار، وعلى التونسيين أن يشجعوا بعضهم على هذا السلوك الحضاري. والاعتذار شجاعة لا يقدر عليها الجميع، وهو في هذه الحالة رسالة إدانة لسلوك استمرأته بعض النخب التي تؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة، وهي نخب لا تفرّق بين العدو والخصم، ولهذا لا ترى مانعاً في استباحة أعراض الخصوم باعتبارهم أعداء أيديولوجيين يجوز تشويههم بكل الوسائل، بما في ذلك ترويج الأكاذيب وترديد الافتراءات».

أزمة مركبة

وأضاف لــ«القدس العربي»: «أعتقد أن هذا الأمر يكشف طبيعة الأزمة المركّبة التي أطاحت بالانتقال الديمقراطي، حيث هي أزمة أخلاقية أكثر مما هي سياسية، فقد جرى ترذيل الديمقراطية عبر استباحة أعراض الديمقراطيين، ولم يتردد «الإقصائيون» من استعمال جميع الأدوات للتخلّص ممن أعدائهم، وما كشفته الدكتورة بن سلامة في رأيي ليس سوى غيض من فيض كما يقال، وأظن أن القادم سيكشف الحجاب عن جرائم كثيرة من نفس النوع، وأخطر».
واعتبر أن المراجعات السياسية التي تقوم بها بعض أطراف المعارضة قد تساهم في تعزيز «مسار التقارب بين النخب السياسية التونسية، وقد يلعب هذا التقارب دورا في إنقاذ البلاد من انتكاسة مشروعها الديمقراطي، وتكون التجربة الديمقراطية القادمة، أكثر نضجا واستدامة، من خلال استثمار هذه الخطوات في التوقيع على ميثاق أخلاقي يضمن نزاهة العمل السياسي، ويرتقي بسلوك الفاعلين السياسيين إلى المستوى المطلوب الذي يحول دون الوقوع مجددا في مثل هذه الانحرافات المشينة التي استدعت اعتذار البعض عن مجرد تصديقها».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *