أطماع المستوطنين في «برك سليمان» ظهرت بعد أن تحولت إلى أحد أهم المعالم التاريخية في فلسطين



حوار: سعيد أبو معلا

بيت لحم – «القدس العربي»: حملت الأيام الأخيرة الكثير من الأخبار السيئة لمدينة بيت لحم عموماً، ولمنطقة «برك سليمان» جنوب المدينة على وجه التحديد. وكان الخبر الأكثر سوءاً اقتحام وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش للموقع الأثري، حيث تصاعدت المخاوف من مخططات استيطانية تستهدفه في ظل هجمة استيطانية منظمة تهدف إلى توسيع حدود مستوطنة «أفرات» المقامة على أراض فلسطينية جنوب المدينة.
وخلال الاقتحام، الذي شارك فيه وزراء ومسؤولون متطرفون وقادة المستوطنين في جنوب الضفة الغربية، عبروا عن رغبة عارمة في السيطرة على المكان، فيما أبدى مسؤولون دهشتهم من الكيفية التي دفعت دولة الاحتلال إلى تسليم المنطقة إلى السلطة الفلسطينية قبل نحو 20 عاماً، حيث تصنف بأنها ضمن مناطق «أ» التي تخضع للسيطرة الفلسطينية الأمنية والإدارية، وفي الوقت ذاته تفاخر المستوطنون بقدرتهم على محو الخط الفاصل بين المناطق السياسية في الضفة الغربية.
وتقع «برك سليمان»، أو كما يصفها البعض «ساقية القدس» المهددة بالاستيطان، على بعد خمسة كيلومترات إلى الجنوب من مدينة بيت لحم، وتحديداً في أراضي قرية أرطاس، قريبة من مخيم الدهيشة للاجئين. ولهذا الغرض حاورت «القدس العربي» المهندس جورج بسبوس، مدير عام شركة قصر المؤتمرات ونائب رئيس مجلس إدارة شركة «برك سليمان»، حول طرق مواجهة ما يتهدد البرك والمنطقة المحيطة، وفيما يلي نص الحوار:
□ حدثنا عن تاريخية منطقة «برك سليمان» وما يحيط بها من مناطق أثرية وتاريخية؟
■ تتألف «برك سليمان» من ثلاث برك رومانية، حفرت بعضها في الصخر، وبعضها الآخر مبني من أحجار ضخمة، تتدرج في الارتفاع والسعة، وتصب كل بركة في البركة التي تليها عبر قنوات مائية. إنها جزء من نظام مائي ضخم، أسس في الأعوام ما بين 37 قبل الميلاد و325 بعد الميلاد. وكان الهدف أن تجمع المياه القادمة من عيون الماء، ثم تنقل إلى القدس عبر قنوات وأنابيب فخارية. وقد صمم هذا النظام ليزود القدس الفقيرة بمصادر المياه وحجاجها بما يحتاجونه من الماء.
ويضم الموقع المستهدف ثلاثة خزانات مائية أثرية كانت تستخدم لتجميع المياه ونقلها إلى القدس عبر قنوات تاريخية، كما تشكل متنفساً طبيعياً ومقصداً للزوار من مختلف مناطق الضفة الغربية.
وأكدت الحفريات العلمية في المنطقة أن «برك سليمان» تعود إلى فترة 30 قبل الميلاد تقريباً، وبالتالي نحن نتكلم عن الفترة الرومانية التي تعتبر الأساس في الميراث العلمي لهذا المكان.
ويظهر في المكان، إلى جانب البرك، وجود فسيفساء وآبار وقنوات بيزنطية، إلى جانب القنوات الرومانية.
وسميت البرك بهذا الاسم نسبة إلى السلطان العثماني سليمان القانوني، حيث شيدت لتجميع مياه المطر في فصل الشتاء. وفي عام 1622، قام السلطان مراد الرابع ببناء قلعة مقابل برك سليمان بهدف حمايتها من الهجمات واللصوص.
ويشكل النظام المائي هناك نظاماً فريداً من نوعه، نظراً إلى المسافة الطويلة التي كانت تسير فيها المياه، حيث بلغت نحو 44 كيلومتراً. وأكدت جهات دولية كثيرة القيمة التاريخية والعلمية للمكان، فهو يعد أكبر تجمع مائي على مستوى العالم، وليس فقط على مستوى فلسطين. إنها ثروة مائية كبيرة، تحتوي على 375 ألف متر مكعب من المياه، في أعماق تتراوح بين 12 متراً و21 متراً، وبمساحة كلية للبرك الثلاث تبلغ ثلاثين دونماً. نحن نتكلم عن بحيرة من المياه ضمن تاريخ مهم جداً من تاريخ المنطقة.
□ أعقب الاقتحام والتهديد بالسيطرة على المكان جهد رسمي وشعبي تمثل في اجتماع تنسيقي، كيف تقيم هذا الموقف، وكيف يمكن أن يتحول إلى ممارسات عملية للحماية؟
■ الاهتمام السريع من كافة الأطراف مقدر، ويعكس خطوة مهمة من أجل التفكير بطريقة جدية لحماية المواقع الترفيهية والتاريخية والطبيعية في المنطقة خاصة، وفي فلسطين عامة. وفيما يخص كيفية التعامل مع المنطقة، فإن الأمر يحتاج إلى تفكير مختلف حتى نضمن فعالية هذه الإجراءات، في ظل أننا نعيش أجواء حرب حقيقية. فالواقع الذي يفرض علينا خارج حدود أي قانون، وخارج حدود التفكير الطبيعي. نحن نتكلم عن منطقة تحمل تصنيف «أ»، تسلمتها السلطة عام 1996، وكانت تعاني من حالة انهيار كاملة، وكانت بمثابة مكب للنفايات، والموقع التاريخي كان يعاني من انهيارات كبيرة، وينطبق ذلك على البرك كما ينطبق على قلعة مراد، وكذلك مصادر الينابيع التي كانت مغلقة بفعل الإهمال… إلخ، كما أن المنطقة كانت مهجورة تماماً، ولم يكن يوجد حولها سكن حضري، وكل ذلك مدون ومصور من قبلنا.
ولأجل ذلك ظهرت مبادرات للتطوير من القطاع الخاص، ومنذ تلك اللحظة وحتى اليوم أنفق نحو 70 مليون دولار من أجل تطوير المنطقة، كما بني إلى جانب «برك سليمان» مشاريع تطويرية أكثر مما بني إلى جانب كنيسة المهد التي تم تطويرها في مركز السلام.
أما «برك سليمان» فقد بني إلى جانبها قصر للمؤتمرات، وبني إلى جانبه المركز الحرفي، وكذلك المتحف الوطني للتاريخ والتراث، وتم تطوير قلعة مراد. ومجمل ما تم تطويره تبلغ مساحته 41 ألف متر مربع من الإنشاءات، وهذا هو الذي دفع المواطنين إلى الحضور إلى المكان، ولاحقاً تحول إلى قبلة سياحية محلياً وعالمياً، حيث وصل عدد الزوار محلياً إلى ما بين 240 و270 ألف زائر سنوياً. كما تضاعفت سياحة المؤتمرات، التي وصلت إلى ما يقارب 300 ألف زائر سنوياً. لقد تجاوزنا نصف مليون زائر إلى منطقة البرك، كما جرت دراسة المحتوى الطبيعي في المنطقة، وتم تسجيل 187 نبتة نادرة تعيش فيها، كما تم رصد نحو 52 حيواناً برمائياً ومائياً وبرياً أيضاً، وهو ما جرى العمل على الحفاظ عليه عبر مشاريع التطوير الحضري.
واليوم أصبحت «برك سليمان» من أهم المعالم التاريخية في كل فلسطين، وهذا نتاج تعاون وثيق بين القطاع الخاص والقطاع العام.
□ قدمت اقتراحاً في آخر اجتماع فلسطيني رسمي رداً على مشاريع الاحتلال في منطقة برك سليمان، طالبت فيه بالعمل على تدشين مدينة الثقافات، وكذلك القيام بتطوير إضافي للمنطقة والمدينة، ما تفاصيل هذا المقترح الخاص بك؟
■ هذه مبادرة قديمة جديدة، وكانت قد لاقت موافقة رسمية، وصدر فيها مرسوم من الرئيس الفلسطيني نص على إنشاء مدينة الثقافات والحضارات في منطقة البرك ومحيطها. والمنطقة مكونة من تاريخ عمره 2000 عام وصولاً إلى اليوم. لقد مرت عليها فترات كثيرة، منها الرومانية والبيزنطية، وكذلك الحقب الإسلامية، وصولاً إلى فترة الانتداب البريطاني ويومنا هذا.
والمنطقة أيضاً محاطة بكهوف كنعانية عمرها 5500 سنة. إنها منطقة، وهنا أقصد بيت لحم، لها سمة خاصة في التاريخ والثقافة، تدلل على أن السياحة نقطة تميزها مقارنة بباقي المحافظات. فالخليل مثلاً تتميز بالصناعة، ونابلس بالتجارة، أما رام الله فتتميز بكونها مكان السياسة والاقتصاد، وهكذا. أما بيت لحم فهي بوابة فلسطين إلى العالم.
ومشروع مدينة الثقافات والحضارات بدأ التفكير فيه عندما كانت بيت لحم عاصمة للثقافة العربية عام 2020، وذلك بعد عشرين عاماً من الشروع في تطوير المنطقة، وهو تتويج لمشاريع تطويرية كثيرة. وكان يفترض أن يتم تنفيذ 33 مشروعاً متنوعة المجالات والاهتمامات، ما بين الطبيعية والأكاديمية والتعليمية والمتاحف التاريخية والتعليمية والترفيهية، إلى جانب تدشين أماكن مبيت متعددة الاستخدامات، وكذلك حماية المصادر الطبيعية من طاقة ومياه وبيئة. وخلال الفترة الماضية تم تنفيذ سبعة مشاريع، وسيتم العمل على بقية المشاريع.
والتصور لدينا يقوم على أنه مثلما توجد مدن رياضية ومدن طبية، فإنه سيكون لدينا مدينة ثقافية تعتمد على السياحة وتدعمها، وهذا يعني، وفق تصورنا، تشغيل أكثر من 1300 من اليد العاملة. وتصورنا أن يكون المكان أيقونة عالمية، تفيد المجتمع المحلي وتعزز السياحة العالمية، بحيث يصل عدد الحجاج والزوار إلى ثلاثة ملايين، وحسب تصورنا فإن المدينة يفترض أن تضاعف هذه الأعداد سنوياً، كما أنها ستضاعف عدد مبيت الحجاج في بيت لحم.
□ الاحتلال يقر قرارات لها علاقة بالآثار، منها قرار جرت قراءته الأولى في الكنيست الإسرائيلي، يقضي بفرض سلطة الآثار الإسرائيلية على مناطق الضفة الغربية، كيف سيؤثر هذا القرار، برأيك، في «برك سليمان» وفي المشاريع التي تقترحها؟
■ المخاطر واضحة تماماً. ففي حالة «برك سليمان»، وما حدث فيها خلال الأيام الماضية، فإن العملية تمثل اقتحاماً لمناطق أثرية، وهذا أمر يضاعف المخاطر التي زادت في فترة الحرب، ويشكل تهديداً مباشراً للمنطقة، كما يؤثر في الشق التطويري لمشاريع البنية التحتية المختلفة، فما يتعرض له المكان من هجمات سيعيق استكمال مشاريع التطوير، ويعيق الاستثمار، ويعيق منح المكان فرصاً إضافية للتطوير.
ومجمل ما يقوم به الاحتلال من تصرفات لا محل له في المنطقة. فالبرك تعد مكاناً مجهزاً للاستقبال الأممي واستقبال كافة الزوار من جميع أرجاء العالم، وبالتالي فإن حمايتها التاريخية وحمايتها الطبيعية واجبة على الجميع.
□ بصفتك المسؤول عن منطقة «برك سليمان» ومحيطها، ما هو شعورك عندما رأيت صورة لعضو كنيست إسرائيلي متطرف يقفز في البركة ويقوم بالسباحة، دلالة على السيطرة على المكان، وإلى جانبه مسؤولون متطرفون ومستوطنون يهددون بسرقة المكان أو استعادته كما يقولون؟
■ أنا منذ 21 عاماً في هذه المنطقة، ونحن نعمل في الشركة على تطويرها خطوة خطوة. ومن ناحية المشاعر، فهو شعور حزين جداً، وشعور حقيقي يجعلني أدرك كم نحن في حالة خطر وجودي.
أولاً: «برك سليمان»، وإن كانت بمسماها بركاً، فإنها سدود مياه، وبالتالي فهي غير صالحة للاستخدام البشري، وغير مسموح فيها السباحة.
ثانياً: الاعتداء عليها يشكل ضرراً هائلاً للتنوع الحيوي والبيولوجي والطبيعي في المنطقة، ويؤثر في حماية هذا الموروث الطبيعي.
وثالثاً: هذا الموقع ما زال تحت الترميم المستمر، أما قيام عضو كنيست إسرائيلي بتجاوز ذلك فيعد أمراً غير مقبول على المستوى الأممي.
وشعوري ليس مهماً إلا إذا تمت ترجمته، إلى جانب عملي، على شكل نداء إلى الجهات صاحبة الاختصاص، مثل «اليونسكو» أو غيرها من المنظمات العالمية، للحفاظ على هذا الموقع التاريخي. وفي حال أصبح جزءاً من صراع سياسي، فنحن نكون أمام أحد أسباب فقدانه وخسارته، وهذا ليس في صالح أحد. نحن ننادي بالسلام في المنطقة، ففرض السلام في المنطقة، وحماية القوانين الدولية والمحلية واحترامها، يقودان إلى حماية التاريخ والتراث.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *