إيريس ليعال
يبدو أننا نعيش في حلقة مفرغة من الصراع ضد نتنياهو، والاستسلام المطلق للقواعد التي حددها، دون أي مخرج. نحاول التخلص منه بكل الطرق الديمقراطية المتاحة، وما إن يقترب الهدف المأمول حتى يقلب الطاولة علينا. لا أحد يصدق أن نتنياهو صدم مما كشفه فيلم يوفال أبراهام ورحيل شور. لقد رأى فرصة سانحة فاستغلها.
إن حالة الهلع الجماعية التي اجتاحت معظم الناس في الأسبوع الماضي تتفاقم على أرض خصبة من التوتر المزمن، والتهديد الوجودي والألم والصدمة النفسية – هو وضع حرص على تنميته لسنوات. يا للمفارقة! الشخص الذي يتحمل كل المسؤولية عن انهيار الأعصاب المستمر للمجتمع الإسرائيلي، هو نفسه المستفيد منه.
حالة الهلع الجماعية التي اجتاحت معظم الناس في الأسبوع الماضي تتفاقم على أرض خصبة من التوتر المزمن، والتهديد الوجودي والألم والصدمة النفسية – هو وضع حرص نتنياهو على تنميته لسنوات
هكذا شخص نتنياهو المراحل المبكرة للعدوى الاجتماعية في حالة الهلع الجماعي، وانهيار التفكير العقلاني وتأجيج المشاعر، وسخر قادة المعارضة لخدمة أجندته. وقدم لها خياراً واضحاً: إما الانضمام إليه ومساعدته في تحويل فيلم وثائقي عن جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة إلى “فرية” لاسامية، أو أن يصبحوا هم الهدف التالي.
مع ذلك، عبر صديقي عكيفا نوفيك عن غضبه في “اكس” وكتب: “لا توجد أي حملة ضد هذين الشخصين لأنه لا حاجة إلى ذلك. هناك شعور طبيعي لمن يبصق على وجهه، والاشمئزاز حقيقي تماماً… أما بخصوص الادعاء الأول، وهو عدم وجود حملة، فأقول إن تصريح نتنياهو في نفس القناة مثير للغضب: يئير غولان وأعضاء حزبه يرفضون إدانة الفيلم الذي يسيء لجنود الجيش الإسرائيلي الأبطال. وغادي آيزنكوت؟ لن نلغي اتفاقاً فائض الأصوات مع يئير غولان” – رائحة نتنة.
فيما يتعلق بالادعاء الثاني، كتبت كثير من المقالات حول هذه الظاهرة الإنسانية. جميعها تشير إلى أن الهستيريا الجماعية التي تؤدي إلى الإعدام خارج نطاق القانون، تستند دائماً إلى مشاعر حقيقية: الخوف، الدفاع عن النفس ضد الحقيقة والكراهية.
من أبرز هذه الأعمال مسرحية “عدو الشعب” لهنريك إبسين، التي تروي قصة الدكتور توماس ستوكمان، الطبيب الذي يعمل في منتجع صحي في بلدة صغيرة، والذي اكتشف تلوث مياه النبع بمياه المجاري السامة، فيبلغ شقيقه رئيس البلدية بذلك. من شأن تنقية المياه أن تسبب دماراً اقتصادياً. لذلك، كان يجب تحويل النبأ السيئ إلى كذبة خبيثة. سكان بلدة فرانسيا، المراسلون وشقيقه، رشقوا منزل الطبيب بالحجارة، وتم فصله من عمله، وعرض عليه النفي إلى أمريكا.
لم يتردد نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت وأفيغدور ليبرمان للحظة؛ لم يخطر ببالهم قط القول بأنهم سيردون بعد مشاهدة الفيلم، وبعد ذلك يتجاهلونه. واحداً تلو الآخر، نددوا بالفيلم الذي اعتبروه “عمى أخلاقياً وانقطاعاً عن الواقع”. ووصفوا صناع الفيلم بـ “الأشخاص الحقيرين” و”الخونة الذين يستحقون كل إدانة”. هل عرفوا عندما انضموا لحملة نتنياهو أنهم يرسلون رسالة للناخبين تفيد بأن نتنياهو يملك السلطة المطلقة لاختيار كبش الفداء المناوب، وأنهم مجرد مطيعين؟
على إثر ذلك، انقلب الجميع على مخرجي الفيلم، وتشكل إجماع بين كل الفئات، وساهمت شخصيات عامة ونافذة في تعزيز الخطاب الذي أعدوه للمخرجين. وشارك صحافيون، وظيفتهم الأساسية نسخ ولصق تصريحات المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أو قراءة الرسائل من “شخصية سياسية بارزة” في حملة اضطهاد واسعة النطاق، استهدفت من أنتجوا الفيلم وأنصار اليمين – وسط الذين يدانون باستمرار، حتى نفد صبرهم.
هذه لحظة حاسمة من سلسلة اللحظات الفارقة. الناس بدأوا يستيقظون من وهم الضلال الذي وقعوا فيه. ويدركون بخجل أنهم شاركوا في الدعاية المضللة التي نسجتها آلة التضليل، وهم الآن يقرأون نتائج الانتخابات برعب. ولكن أبراهام وشور لا يمكنهما العودة إلى البلاد، لأن حياتهما تستخدم كوقود لحملة انتخابية، هما عدوان للشعب، ولن يتجرأ أحد للدفاع عنهما.
هآرتس 20/9/2026