الرباط ـ «القدس العربي» : اجتمعت أقلام عدد من الباحثين والنقاد والإعلاميين والفنانين لصياغة لحظة عرفان ووفاء في كتاب جماعي جديد صدر حديثا عن منشورات «مكتبة السلام الجديدة»، تحت عنوان «في حضرة مهماز: صحبة الفنان العربي الصبان». يقع المؤلف في 160 صفحة من القطع المتوسط، ويضم شهادات ودراسات وقراءات متنوعة تحتفي بتجربة فنان الكاريكاتير المغربي العربي الصبان، أحد أبرز رواد هذا الفن في المغرب. وقد تكفّل الفنان التشكيلي الحروفي مصطفى أجماع، بإعداد هذا المؤلف الجماعي وتقديمه، حيث جمع بين دفتيه مساهمات خمسة عشر اسما من أبرز الأقلام في مجالات البحث والنقد والصحافة والإبداع الفني. قالوا بصوت واحد كما ورد في التقديم: «يشرفنا جميعا أن تكون هذه الإطلالة المتواضعة عربون وفاء وتقدير لشخص الصبان ومهماز»، في إشارة إلى الرغبة المشتركة للمساهمين في الاحتفاء بمسار فني استثنائي ترك بصمته في الذاكرة الثقافية المغربية.
ويشكّل هذا الإصدار إضافة نوعية إلى المكتبة الثقافية المغربية، باعتباره عملاً جماعيا يجمع بين البعدين التوثيقي والاحتفائي، ويسلط الضوء على المسار الإبداعي والإنساني لفنان الكاريكاتير العربي الصبان. كما يندرج ضمن المشاريع الثقافية الهادفة إلى حفظ الذاكرة الفنية المغربية، وإبراز قيمتها الرمزية والجمالية، من خلال استعادة تجربة أحد الأسماء التي أسهمت في ترسيخ فن الكاريكاتير وتطويره في المغرب.
ينطلق الكتاب من شخصية «مهماز» التي ابتدعها العربي الصبان وجعل منها لسانا ساخرا ينقل هموم المواطن المغربي وتطلعاته. وقد تحولت هذه الشخصية، إضافة إلى كونها بصمة فنية خاصة بمبدعها، إلى علامة فارقة في تاريخ الكاريكاتير المغربي، ورمز نقدي استطاع مواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي عرفها المغرب على امتداد عقود. وهكذا لم يعد «مهماز» مجرد شخصية مرسومة، بل غدا صوتا شعبيا ناقدا يمتلك قدرة خاصة على اختزال القضايا الكبرى في صورة ساخرة مكثفة وعميقة الدلالة. ويضم الكتاب مساهمات لعدد من الباحثين والنقاد والإعلاميين والفنانين الذين اقتربوا من تجربة العربي الصبان من زوايا متعددة، من بينهم رفيقه الإعلامي بوشعيب الضبار، إلى جانب أسماء وازنة: الطاهر الطويل، بنيونس عميروش، عبد الرحيم الراوي، شفيق الزكاري، محمد بشكار، عبد الحق بن رحمون، إبراهيم الحيسن، صلاح بوسريف، مبارك بوعلي، ناجي بناجي، محمد بلمو، عبد العزيز كوكاس، إلى جانب مصطفى أجماع الذي وصف العربي الصبان في تقديمه بأنه «شيخ من الشيوخ، أنار الطريق لبعض مورديه والتابعين من عشاق هذا الفن، بالسحر والبيان».
وتنوعت الكتابات التي تضمنها المؤلف بين الشهادات الإنسانية والقراءات النقدية والدراسات الجمالية، مكنت من الإحاطة بجوانب متعددة من شخصية الفنان ومساره الإبداعي. ويتجلى ذلك من خلال عناوين المساهمات، ومنها: «العربي الصبان الإنسان والفنان» لبوشعيب الضبار، و»العربي الصبان: ريشة تنبض بالسخرية وتلامس قضايا الوطن» للطاهر الطويل، و»مقامات العربي الصبان يطرزها مهماز الترجمان» لمصطفى أجماع. كما تضمن الكتاب مساهمات أخرى مثل: «العربي الصبان… دورية الخط الصارخ» لبنيونس عميروش، و»حدود الحرية في التعبير الكاريكاتيري: العربي الصبان نموذجا» لشفيق الزكاري، و»العربي الصبان… رائد فن الكاريكاتير الذي علمهم السحر وبيان السخرية» لعبد الحق بن رحمون، و»العربي الصبّان رفيقُ السِّلاح» لمحمد بشكار، و»الفنان المبدع العربي الصبان: الكاريكاتير وفضح المسكوت عنه وتعرية التابوهات» لإبراهيم الحيسن، و»الرسم بالمشرط» لصلاح بوسريف، و»العربي الصبان المرجع والتاريخ» لناجي بناجي، و»العربي الصبان الرائد في التطهير بفن الكاريكاتور» لمحمد بلمو، و»العربي الصبان… الساخر الكريم» لمبارك بوعلي، و»العربي الصبان، الفنان الذي استطاع أن يعطي لوجع الوطن صورة وشكلا» لعبد العزيز كوكاس.
ويستمد هذا المؤلف الجماعي أهميته من كونه لا يكتفي بالاحتفاء بفنان متميز، بل يساهم أيضا في توثيق مرحلة مهمة من تاريخ الصحافة والكاريكاتير في المغرب. فمن خلال المقالات والشهادات التي يضمها، يستعيد الكتاب حضور العربي الصبان في المشهد الإعلامي والثقافي، ويبرز دوره في ترسيخ الكاريكاتير كوسيلة للتعبير الحر والنقد الاجتماعي الهادف. كما يسلط الضوء على العلاقة العضوية بين الفنان وشخصيته «مهماز»، التي أصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية للقراء والمتتبعين.
إن كتاب «في حضرة مهماز: صحبة الفنان العربي الصبان» ليس مجرد مؤلف تكريمي، بل وثيقة ثقافية تؤرخ لتجربة إبداعية رائدة، وتؤكد المكانة التي يحتلها العربي الصبان في تاريخ الفن الساخر المغربي. كما يعكس وفاء نخبة من المثقفين والباحثين لفنان جعل من الريشة أداة للدفاع عن الإنسان وقضاياه.