خدعة المظاهر البرَّاقة والعبقرية: إدغار ألان بو


من في العالم لا يعرف الكاتب الروسي الشهير «فيودور دوستويفسكي» Fyodor Dostoevsky (1821-1881) الذي لا تزال الأوساط الأدبية تعتبره كاتبًا عبقريًا، ولا يزال يحظى بقاعدة شعبية عريضة من القرَّاء والمحبين، حتى بعد موته بزهاء القرن والنصف القرن من الزمان! و»دوستويفسكي» هذا الذي تكمن عبقريته في القدرة على تحليل النفس البشرية بدقَّة متناهية وسوداوية تعكس الواقع، كان من أشدّ المعجبين بالكاتب الأمريكي «إدجار ألان بو» Edgar Alan Poe (1809-1849)، وينعته بالعبقري الفذّ. وبلغ شدَّة إعجابه به الذروة، لدرجة أنه ترجم عملين له من الإنجليزية إلى الروسية، وكأنه راغب في أن يقدِّمه لقاعدة شعبية كبيرة وجديدة؛ لأنّ ما يقدِّمه «بو» من مادة أدبية نفسية تحليلية تستحق أن يُنظر لها بعين الاعتبار.
ولو كان هذا رأي دوستويفسكي، الذي يُعدّ أحد الأقطاب الأدبية الخالدة في الأمريكي «إدجار ألان بو»، فربما تصعق الدهشة كل من يعي أن عالم الفيزياء الألماني الفذ «ألبرت أينشتاين» Albert Einestein (1879-1955)، الذي اخترع نظرية النسبية، التي لا تزال أصداؤها تزلزل عقول العلماء لشدَّة عبقرية الفكرة، قدّ تأثَّر أيضًا ب»إدجار ألان بو»، وعلى وجه الخصوص بمقاله عن الفيزياء وقصيدته النثرية «يوريكا» Eureka (1848) لكونهما يخوضان مجال الفيزياء واكتشاف الكون، وكانا مصدر إلهام له وللعديد من العلماء من بعده؛ لأنهما كشفا الستار عن نظريات علمية سابقة لعصرها.
على الرغم من أنّ «بو» كتب «يوريكا» بوصفها «قصيدة نثرية فلسفية» لا ورقة علمية صارمة، وكذلك هي الحال بشأن مقاله عن الفيزياء. ويلاحظ أنَّ أوجه التشابه في المفهوم بين قصيدة «يوريكا» والفيزياء الفلكية الحديثة، جعلها تحظى بالشهرة في الأوساط العلمية بعد وفاته، ويمتدّ الإعجاب والتأثير إلى يومنا هذا، ما جعل منها محلّ تقدير واسع باعتبارها نموذجاً مذهلاً للاستنباط الحدسي. فقد كانت حجر الأساس عند «أينشتاين»، وكذلك كشفت الستار عن سبب ظلام الليل بالرغم من وجود النجوم، وأزال الغموض عن النظرية التي تُسمَّى «متناقضة أولبر». أمَّا المذهل فكان اكتشافه للزمكان والأكوان المتعددة، بل أيضًا نظرية «الانفجار العظيم» والثقوب السوداء، ونظرية الانسحاق العظيم. ويعدّ ذلك السبب وراء صيحة ألبرت أينشتاين الشهيرة «يوريكا.. يوريكا» التي أطلقها بعد اكتشافه لنظرية النسبية؛ فقد كان يشيد بعبقرية «إدجار ألان بو» التي سبقت حدود الزمان، وليس كما يظنّ البعض أنه يُحاكي ما قاله أرخميدس عند اكتشافه لقانون الطفو.
ولو كان عباقرة الأدب والعلوم يشيدون بالعبقري الفذّ إدجار ألان بو، فسوف يندهش من لا يعلم سيرته أنّ تلك الإشادة لا تفيه حقّه؛ فقد كان «بو» رائدًا للكتابة النفسية التحليلية، وأيضًا لولاه لما شقّ الجنس الأدبي الذي يُسمَّى بـ «الرعب النفسي» طريقه في العصر الحديث. بل إنه كان أيضًا أوَّل من كتب قصَّة بوليسية، وبفضله وسيرًا على نهجه، استطاع «سير أرثر كونان دويل» Sir Arthur Conan Doyle (1859-1930) أن يبتكر شخصية المحقق «شيرلوك هولمز» الشهيرة.
كان إدجار ألان بو الأوَّل في كل شيء وأي شيء يضطلع به، وكلَّما عمد اقتحام مجال تبرز شخصيته على الفور، ويحقق أولى المراكز، ويحظى بكل الشهرة. فلقد أظهر ذكاء تعليمياً فائقاً، حتى ولو كان يرتاد مدرسة ليست جيِّدة، بل وكان يدهش الجميع بخطّ يده عند الكتابة، لدرجة أنّ ما يسطره كان يُشبه الكتابة المطبوعة شديدة التنميق. وعندما ضاقت به الحال والتحق بالمدرسة العسكرية، أظهر تفوُّقًا ملحوظًا، لدرجة أنه صار محلّ ثقة الجميع، والفرد الذي يُعتمد عليه. وحتى عندما التحق بمدرسة «وست بوينت»West Point العسكرية الشهيرة، المعروفة بصرامتها وتشددها، لمع نجمه فيها بعد شهور قليلة بها.
وعشقه لكتابة الشعر والقصة القصيرة والنقد الأدبي، دفعه إلى الفوز بالجائزة الأولى عند اشتراكه في مسابقة شعر واحدة، ما جعل أحد أعضاء لجنة التحكيم أن يدعوه للعمل محرِّرًا مبتدئاً في مجلَّة أدبية لا يتم بيع سوى 700 نسخة منها فقط، أو أقلّ. لكن «بو» العبقري لم يلبث أن اضطلع تقريبًا بجميع مهام المجلَّة، وانبرى يكتب أشعاراً وقصصاً قصيرة، ومقالات نقدية لاذعة جعلت صيته يذيع في وقت قصير جدًا. وأمَّا القرَّاء، فقد تهافتوا على المجلَّة، وصاروا ينتظرون صدور جديدها، لدرجة أن عدد النسخ الموزَّعة ارتقى إلى 3700 نسخة. وبتزايد المبيعات، أصبح «بو» نائب رئيس مجلس الإدارة الذي له اليد العُليا، وكأنه مالك الجريدة. ناهيك عن شهرته التي أصبحت مدوِّية في جميع الأرجاء، وأشعاره التي يرددها الصغار قبل الكبار.
ويجدر القول إن «بو» رسم ملامح القصيدة النثرية الحديثة، وإنه كان أوَّل من شدَّد على وجوب أن تكون القصائد قصيرة، حتَّى يستمتع القارئ بقراءتها بسهولة في أي وقت، حتى ولو كان أثناء انتقاله بالحافلة من مكان إلى آخر. وكان له أيضًا السبق بأن يكون أوَّل كاتب، مهنته ومصدر رزقه الوحيد هما الكتابة الأدبية فقط، في وقت كان جميع الأدباء يشغلون وظائف بعيدة عن المجال الأدبي أو لديهم مشروعات أو ممتلكات؛ لأنه لم تكن توجد جهة صحفية أو أدبية واحدة حينئذٍ تمنح الكاتب نقودًا كافية لأن يحظى بفضلها بحياة كريمة. ناهيك من كون الجهات الأدبية والنَّاشرين في الولايات المتَّحدة الأمريكية حينئذِ أيضًا لا يمنحون الكاتب حقوق الطباعة والنشر، ولو اشتروا عملاً فسيكون ذلك بأبخس الأثمان التي لا تُذكر؛ لأنهم كانوا يفضِّلون طباعة الكتب البريطانية التي تم تسريبها لهم، دون أن يدفعوا مليمًا واحدًا للكاتب.
وأمَّا عن صفات «بو» الشخصية، فقد كان كاتبًا مُرهف الحسّ، يتميَّز بالرقة، ولا يكتب إلَّا وعلى كتفه قطته التي يربيها ويرعاها. وكانت جميع كتاباته تُجبر القارئ أن يَدخل عالمه، ويتماهى معه، لدرجة تجعل أي سطر يكتبه من الصعب نسيانه. وهذا الكاتب ذو الكلمات الدقيقة الاختيار، شديدة الوقع، وأفكاره المبتكرة التي صنعت منه رائدًا لتيَّار الرومانسية في الولايات المتحدة، كان أيضًا رياضيًا بارعًا، مفتول العضلات، وله القدرة على التحدِّي، حتى ولو كان من يتحدَّاه الطبيعة نفسها. ويُذكر أنه سبَّاح ماهر استطاع قطع مسافة ستة أميال عكس اتجاه التيار في نهر «جيمس» بولاية فيرجينيا سباحة، وكان بطلًا محلِّيا في ألعاب القوى، وخاصة الوثب الطويل. بالإضافة إلى براعته في الملاكمة والتجديف اللذين منحاه صيتًا ذائعًا بين أقرانه. وحافظ طوال حياته على وتيرة مشي عسكرية سريعة ونشطة.
قد يعتقد البعض أنّ الموهبة العريضة والنعم الربَّانية غير المسبوقة التي حظي بها «بو» وفَّرت له حياة سعيدة رغدة، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا؛ كانت حياته سلسلة من الألم والفقد والفقر. عاش «بو» يتميًا، طفلاً غير محبوب من أبيه البديل الذي كان يمقته ورفض أن يتبنَّاه، وسمح له فقط بالمكوث في منزله بناء على رغبة زوجته التي لم تحظ بأطفال. وأمَّا عن جميع أحبابه، فقد فاضت روح أمّه أمامه في سنواته الأولى بعد إصابتها بمرض السلّ وهي لا تزال في العشرينيات من عمرها، بعد أن هجرها زوجها وصارت العائل الوحيد لثلاثة أطفال. ومنذ ذاك الحين، كان «بو» يشهد موت أحبابه واحدًا تلو الآخر؛ ماتت أخته طفلة مجنونة مشرَّدة في الشوارع من جرَّاء السلّ بعد أن فقدت والديها بالتبني، وماتت المرأة التي أحبها في مراهقته، وبعدها ماتت أمُّه بالتبني، ثم مات أخوه، وبعدها زوجته التي كان يُفني نفسه لتوفير علاجها. كذلك كان الفقر يُلازمه، لدرجة أنه كان يعيش في بيوت بالية تقريبًا تخلو من الأثاث، ويعوزها الدفء، وبالكاد يستطيع تدبير قوته. ولم تطله الرحمة من العذاب والألم النفسي طوال حياته، وكذلك ممن كرَّسوا أنفسهم لتشويه صورته ومسيرته، حتى بعد موته.
كان الشعور بالوحدة قاتلاً، خاصة أنه كان مصحوبًا بذعرٍ دائم لم يجد متنفَّسًا له سوى في كتاباته النفسية العميقة، التي استطاع بعبقريته أن يجعل منها أدباً شعبياً رغم أفكارها الرَّاقية ولغتها المنمَّقة. كان وجه «بو» الحقيقي يطلّ على العالم من خلال كتاباته، أمَّا العالم الخارجي فكان يقتله في كلّ ثانية نصب عينيه حيَّا. وكما كانت مسيرة حياته وكتاباته لغزًا، كان موته لغزًا أكبر عجز أي فرد عن حلُّه حتى يومنا هذا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *