عاموس هرئيل
أثارت احتمالية استئناف إسرائيل لهجماتها على إيران قريباً، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، توتراً كبيراً بين نتنياهو وقيادة الجيش الإسرائيلي خلال الأسبوعين الأخيرين. وأظهر الجيش تردداً في شن هجوم في الوقت الراهن، خشية التأثير على الحملة الانتخابية، فيؤدي إلى تأجيلها. في الوقت الحالي، يبدو أن فرصة تحقق هذا السيناريو تضاءلت بشكل كبير.
مع ذلك، يستخدم نتنياهو ضغوطاً متواصلة على الإدارة الأمريكية والقيادة الأمنية على حد سواء، للدفع قدماً باحتمالية شن هجوم جديد في المستقبل. وإذا لم يتم حسم الأمر في الانتخابات الثلاثاء القادم، فقد يحاول نتنياهو استخدام ورقة الأمن الإيرانية حتى في ظل الصراعات الداخلية بين الكتل السياسية حول مسألة من سينجح في تشكيل الائتلاف الحكومي.
نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية صباح أمس أن نتنياهو سعى مؤخراً إلى مهاجمة إيران في ضوء “معلومات استخبارية جديدة”، ولكن ترامب حال دون ذلك. وحسب مراسل الصحيفة في إسرائيل، نيري زلبر، كان نتنياهو ينوي شن الهجوم في نهاية الأسبوع في 10 تشرين الأول، أي قبل أسبوع ونصف. ولكن الأمريكيين تخوفوا من الدخول إلى حملة عسكرية واسعة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، التي ستجرى في 3 تشرين الثاني. وأكدت مصادر أمنية وسياسية في إسرائيل هذا النبأ أمس في محادثات مع “هآرتس”، وأضافت إليه المزيد من التفاصيل.
الصورة التي وصلتنا تكشف عن خلاف بين نتنياهو والجيش حول ثلاث مسائل رئيسية: توقيت الهجوم، مدى إلحاحيته على خلفية المعلومات الاستخبارية المتراكمة ونوايا الولايات المتحدة. يبدو أن رئيس الحكومة، أثناء النقاشات التي سبقت رفع مستوى التأهب لهجوم محتمل في بداية تشرين الأول، تعمد أن يوهم مستمعيه بأن ترامب حسم أمره بالهجوم.
مع ذلك، أمر ترامب بالفعل باستعداد عملياتي للهجوم في عدة مناسبات، بل وألغى في اللحظة الأخيرة توجيهاً بالهجوم في 1 آب الماضي، في حين اقتصر التوجيه هذه المرة على البدء في الاستعداد فقط من دون تحديد موعد متفق عليه للهجوم. إضافة إلى ذلك، فإن استعدادات الولايات المتحدة عادة ما تكون أكثر شمولاً وأبطأ من العملية الموازية في الجيش الإسرائيلي، وذلك بسبب حجم القوات الأمريكية المشاركة، وبسبب اختلاف الثقافة التنظيمية للجيشين.
أشار نتنياهو مؤخراً باستمرار إلى مؤامرة لطهران أو وكلائها، حزب الله وحماس، لمهاجمة إسرائيل، وألمح إلى إحراز تقدم جديد في برامج إيران النووية والصاروخية. ولكن مصادر استخبارية تعتقد أنه يتبنى تفسيراً موسعاً للحقائق، بل ويبالغ في تقدير الخطر المباشر الذي تشكله، بذريعة أنه يطبق بذلك دروس من مذبحة غزة في 7 أكتوبر. وتم التعبير عن الخوف في هذا الشهر من التأثير على الانتخابات، بل وربما تأجيلها، في محادثة بين رئيس الأركان إيال زامير ونظيره الأمريكي الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية. ومثلما قال براك ربيد في القناة 12 أثارت محادثة زامير مع كين تخوفاً لدى الإدارة الأمريكية. في هذا الأسبوع، أعلن ربيد أن وزير الخارجية الأمريكي، بيت هغيسيث، زار إسرائيل سراً والتقى نتنياهو. هغيسيث هو الشخصية اليمينية في الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بتجديد الحرب في إيران. لقد حل الوزير على إسرائيل في زيارة خاطفة للمنطقة التقى فيها مع القيادة المركزية الأمريكية، ولم يتم استدعاء رئيس الأركان زامير للقاء بين نتنياهو وهغيسيث.
أثناء زياراته المتكررة لقواعد الجيش الإسرائيلي في الفترة الأخيرة، وجه نتنياهو تحذيرات للإيرانيين وحلفائهم، وظهر أحياناً وكأنه يستفزهم للهجوم أولاً، وقد يعود ذلك إلى عدم التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، رغم أن ترامب قد تراجع دائماً عن مواقفه، سراً وعلناً، بشأن إمكانية استئناف الحرب الشاملة في الخليج. وفي الأسابيع الأخيرة، أصبح واضحاً أن الرئيس يعيد النظر في الأمر بجدية، وقد يفضل تأجيل القرار إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
أما نتنياهو، فإن استئناف الحرب على إيران قد يخدم مصالحه السياسية حتى بعد انتخابات الكنيست. ففي ظل تقدم صغير لكتلة التغيير، قد يصعب تصاعد التوتر الأمني تشكيل ائتلاف جديد برئاسة غادي آيزنكوت أو أي مرشح آخر، ويزيد الضغط الشعبي لتشكيل وحدة وطنية موسعة، وهو خيار يفضله نتنياهو على الانضمام لصفوف المعارضة.
ديكور عسكري
هناك سبب آخر لتجدد التوتر مع الجيش، وهو الزيارات الدائمة التي يقوم بها نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس للقواعد العسكرية عشية الانتخابات. وقد حددت هيئة الأركان العامة عدد كبار الضباط المرافقين لهذه الزيارات وأصدرت تعليمات بعدم تصوير القادة في الخلفية أثناء قيام نتنياهو وغانتس بتسجيل أفلام فيديو مع فرق المستشارين، وذلك في إطار الحملة الانتخابية. وفي الأيام التسعة الأخيرة، زار نتنياهو معسكرات ووحدات عسكرية في منطقة التماس في الضفة الغربية، وعلى الحدود مع الأردن، وقاعدتين جويتين هما “رمات دافيد” و”عوفداه”.
وعقد أيضاً مؤتمراً صحافياً عرض فيه مفهوماً أمنياً جديداً لإسرائيل في ضوء دروس المذبحة (التي ما زال يرفض بشدة الاعتراف بأنها كانت جزئياً نتيجة اخفاقاته السابقة). ومن بين الأشخاص الذين لا يحرصون على عدم الظهور في هذه المناسبات السكرتير العسكري الجديد لنتنياهو، غاي مرشيسانو، الذي يتطوع ليكون بمثابة خلفية عسكرية متعاطفة مع رئيس الحكومة. وقد أعربت هيئة الأركان العامة عن الاستياء من سلوكه، لكن بسبب الحساسية الكبيرة المحيطة بالعلاقة مع مكتب نتنياهو، لم تصدر أي بيانات رسمية في هذا الشأن. ويحرص الجيش الإسرائيلي على العمل حسب توجيهات رئيس لجنة الانتخابات المركزية القاضي نوعم سولبرغ، والمستشارة القانونية للحكومة غالي بهراف ميارا، فيما يتعلق بسير الحملة الانتخابية.
اليوم، بناء على توجيهات المستشارة القانونية للحكومة، منع البث المباشر لخطاب نتنياهو في حفل تخريج دورة الضباط في الأكاديمية العسكرية رقم 1. في خطابه، كرر الضابط نتنياهو تصريحاته قائلاً إنه أمر قوات الأمن بالتحرك من أجل إسقاط النظام في إيران، وزعم أن مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الجديد، “أطلق العنان وحرر صمام الأمان، وأن إيران تحاول تطوير قنابل فتاكة جديد”.
وقال مواطن مطلع على ما يحدث خلف الكواليس لـ “هآرتس”، إن الرأي العام يجهل الجهد الذي يبذله زامير ورجاله للحفاظ على استقرار الدولة وتجنب الانجرار وراء محاولات نتنياهو تسخير الجيش لمناوراته السياسية، وفي مقدمتها الملف الإيراني. ربما لا تتضح هذه الأمور إلا بعد الانتخابات. ورغم الضغوط التي استخدمها كاتس، فقد اتخذ زامير مؤخراً خطوة مستقلة في الضفة الغربية عندما دعا إلى لقاء لكبار المسؤولين في “الشاباك” والشرطة بهدف وضع تدابير جديدة لمكافحة إرهاب المستوطنين المتطرفين.
يعتبر رئيس الأركان الشخص الأخير في القيادة الأمنية الحالية الذي لا يشعر بواجب تقديم الولاء الشخصي لنتنياهو. فترقيته لهذا المنصب لم تكن من رئيس الحكومة، ولا يعتبر من المقربين منه، رغم أنه شغل منصب السكرتير العسكري لنتنياهو لمدة نصف عقد. وقد وصف تعيينه في هذا المنصب في آذار 2025 بأنه اختيار طبيعي بعد أن أجبر نتنياهو وكاتس رئيس الأركان السابق هرتسي هليفي على الاستقالة (في محاولة لإلقاء المسؤولية الكاملة عليه في إخفاقات المذبحة، وعلى رئيس “الشاباك” السابق رونين بار). في ظل هذه الظروف، يثير زامير استياء كبيراً لدى نتنياهو ومحيطه. لذلك، ليس غريباً أن يهدد المعلقون في القناة 14 التابعة للنظام، بشكل منتظم بتصفية حسابهم معه وتقصير مدة ولايته إذا فاز الليكود في الانتخابات.
هآرتس 22/10/2026