ما تأثيرات ذكرى غزوة أكتوبر على الانتخابات الإسرائيلية؟


يقينا أن ارتدادات غزوة السابع من أكتوبر ستبقى في حالة مد إلى أمد بعيد، وتحفر عميقا في الحالة السياسية الإسرائيلية. وها هي الانتخابات في إسرائيل على الأبواب، وتأتي متزامنة مع الذكرى الثالثة لذلك الحدث. لكن يبدو أنها لن تكون انتخابات كسابقاتها، بل مختلفة تماما. فهذه المرة هي ليست فقط من أجل اختيار 120 نائبا، بل هي استفتاء على مستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقد يمتد هذا الاستفتاء حتى على نموذج إسرائيل بحد ذاتها.
إن ما حصل خلال الفترة المنصرمة منذ السابع من أكتوبر وحتى اليوم، هو حصيلة كبيرة جدا، ولا شك في أن نتنياهو يشعر بثقل وطأتها على كاهله. مع ذلك يبدو أن موازين القوى بين كتلة مؤيديه وكتلة معارضيه ما زالت لم تتغير، فهنالك حوالي 50 مؤيدين له حاليا، يقابلهم حوالي 53 معارضين له. طبعا هنالك الأحزاب العربية المعارضة لنتنياهو. لكن بطبيعة الحال الحديث اليوم يدور حول تراجع من 68 عضو كنيست للائتلاف الحاكم إلى حوالي 50 عضوا. وعليه فإن خسارة 18 مقعدا تقف خلفه أحداث السابع من أكتوبر. كما شهدنا في الفترة الأخيرة سجالا سياسيا كبيرا واتهامات واسعة، بشان ما يسمونه تقصير نتنياهو في الأخذ بعين الاعتبار التحذيرات، التي وردت إليه بشأن نية حركة حماس، القيام بذلك الفعل، سواء كانت هذه التحذيرات من المخابرات المصرية، أو من القيادة في دولة الإمارات العربية، لذا يبدو جليا أن وضع نتنياهو السياسي اليوم صعب جدا من هذه الناحية.
إن تأثير التحذيرات الخارجية التي وردت إلى نتنياهو، بشان توقع حدوث غزوة السابع من اكتوبر، على حزب الليكود ونتنياهو تحديدا فاعلة جدا، وما زالت تُحرّك القوى السياسية الإسرائيلية ضده، بل حتى الشارع الإسرائيلي نفسه. لذا كان الخبر الأول الوارد من إسرائيل في الذكرى الثالثة للغزوة، هو خروج تظاهرات أمام منزله، حول مسألة يوم السابع من أكتوبر والتحقيق الجاري. ولكن في كل الأحوال هنالك من يؤيد نتنياهو، وهناك من يواليه في هذا الموضوع ويتفهم وجهة نظره. لكن في كل الأحوال يمكن تلخيص الوضع في إسرائيل على الشكل الآتي: مما لا شك فيه أن إسرائيل كانت منقسمة بشكل كبير عشية السابع من أكتوبر، بين العلمانيين والدينيين المتطرفين، لكن نتنياهو تخطى ذلك الانقسام، وعمل على تغيير العقيدة الأمنية، ومحاولة ترتيب ما سماه (شرق أوسط جديد). ولا شك في أنه نجح وفشل أيضا في سياساته.
كما علينا أن لا ننسى أن تراجع حصيلة الساسة في استطلاعات الرأي، يعزوها علم السياسة إلى المدى الزمني الذي يوجدون فيه في الحكم. وهو ما ينطبق على نتنياهو، الذي يُعد أطول مدى زمني لرئيس وزراء. فحصل نوع مما يمكن تسميته بالاستنزاف السياسي. لكن الأيام ما قبل الانتخابات خطرة جدا، لأنه يمكن أن يستغلها نتنياهو لمحاولة تغيير الوضع.

يبدو أن المعارضة لنتنياهو تُرجّح ورقة التحقيق والمحاسبة، ويشاطرها في هذا التوجه الشارع الإسرائيلي أيضا ويطالب بها. لكن هل ستُترجم هذه المطالب في صناديق الاقتراع؟

اليوم يبدو واضحا أن المعارضة لنتنياهو تُرجّح ورقة التحقيق والمحاسبة، ويشاطرها في هذا التوجه الشارع الإسرائيلي أيضا ويطالب بها. لكن هل ستُترجم هذه المطالب في صناديق الاقتراع؟ للإجابة على ذلك لا بد من القول، إن هنالك في الفارق الزمني تشدد كبير للرأي العام في إسرائيل. فإذا ما قارنّا بين ما حصل بعد مجازر صبرا وشاتيلا، وما سُميّ آنذاك لجنة تحقيق، والمظاهرات الكُبرى التي قادتها حركة (السلام الآن)، ليس هناك أي زخم يتوازي مع هذا الوضع، أي أمام المجازر الكبرى وعملية الإبادة التي حصلت في غزة، كانت هنالك موافقة من قبل الرأي العام الإسرائيلي، لذلك في هذا الموضوع المسألة نسبية، أي حتى من يُصرون على القول إن إسرائيل دولة قانون، هناك في العالم ككل انحراف، وانحراف عن دول القانون، وتغليب لمنطق القوة، وكان العالم أصبح يُحكم بشريعة الغاب من جديد. وهنا نجد أن نتنياهو يحاول من خلال تأليب منطق القوة وفائض القوة، يحاول فرض نفسه من جديد، لكن حتى لو أتى شخص آخر لرئاسة الحكومة في إسرائيل، فسيكون مُقيدا بحصاد نتنياهو بشكل أكيد. السؤال المهم هو أين الأصوات العربية في إسرائيل؟ ما هو موقعهم هذه المرة؟
يشكل العرب حوالي 20% من السكان في فلسطين المُحتلة نسبة إلى الإسرائيليين، وفقا للإحصائيات المُعلنة. لكنهم ظلوا حتى انتخابات عام 2021 خارج الائتلافات. وهذه المرة هم أيضا خارجها، ولن يكونوا جزءا منها. فبعد السابع من أكتوبر على وجه الخصوص، بات هناك رفض مُطلق للقوائم العربية في أن تكون جزءا من الائتلافات، والقائمة الوحيدة التي هناك من يتحدث عن إمكانية إدخالها في ائتلاف هي القائمة الموحدة، التي يؤيد بشدة إدخالها في ائتلاف يائير غولان. لكن ايزنكوت يعارض ذلك بشدة ويقول، إن هذا لا يمكن أن يحصل. لذلك حتى إمكانية أن يساندوا الحكومة من خارجها هي إمكانية محدودة. ومع ذلك فالتوقعات تشير إلى أن هذه الانتخابات لن تؤدي إلى إقامة حكومة مستقرة، وفي أحسن الأحوال التي يمكن أن تحدث هي دعم العرب لحكومة انتقالية، كي لا يبقى نتنياهو رئيسا للحكومة، ثم الذهاب من جديد إلى انتخابات أخرى.
لا شك في أن نتنياهو يبحث عن أصوات ترفع عن كاهلة آثار السابع من أكتوبر، وتدعم بقاءه في السلطة، بعيدا عن الاتهامات التي تلاحقه بشأن تجاهله التحذيرات الخارجية، التي وصلت إليه بشأن نية حركة حماس القيام بعمل ما ضد إسرائيل. كما أن هناك اليوم من يأخذ عليه حادثة طائرة فلاي دبي الأخيرة، ويتهمونه بعد استطاعته حماية الاسرائيليين، لا من هجوم السابع من أكتوبر، ولا ربما من هجمات مقبلة. لكن على العكس من ذلك ربما هذا الموضوع يمكن أن يستغله نتنياهو، ويُفاخر أمام الجميع كما يفعل دوما، من أنه يقود المعركة على جبهات متعددة من أجل إسرائيل.
إن استطلاعات الرأي اليوم تشير إلى تقارب بين حزب الليكود وبنيامين نتنياهو من جهة، وأحزاب المعارضة في إسرائيل من جهة أخرى، رغم كل الاتهامات التي توجه لرئيس الوزراء. وقد يُفسّر الأمر بأن الاسرائيليين من أصول شرقية تقليديا يصوتون لليمين. لكن يمكن تفسير الأمر بشكل آخر، وهو أن نتنياهو ادخل ثقافة انعدام المسؤولية إلى الحياة السياسية في إسرائيل، وهو ما ينعكس في صناديق الاقتراع، لكن المؤكد هو أن التصويت يجري على أساس ديني عقائدي واثني، وليس على أساس سياسي.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *