طرابلس – «القدس العربي»: تجددت الاحتجاجات الشعبية في مناطق عدة من غرب ليبيا، مساء الثلاثاء وفجر الأربعاء، على خلفية الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي وتدهور الخدمات الأساسية، فيما رفع محتجون شعارات تطالب بإسقاط الحكومة، في مؤشر على اتساع حالة الغضب من عجز السلطات عن احتواء الأزمات المعيشية المتراكمة.
وشملت التحركات العاصمة طرابلس ومدينة الزاوية وعددا من مدن الجبل الغربي، حيث أضرم محتجون النار في إطارات وأغلقوا بعض الطرق، احتجاجا على ارتفاع ساعات انقطاع الكهرباء وتراجع مستوى الخدمات، في وقت تشهد فيه البلاد ارتفاعا في درجات الحرارة وضغوطا متزايدة على الشبكة العامة.
وفي طرابلس، شهدت منطقة تاجوراء تحركات احتجاجية تخللها إغلاق طرق رئيسية بالسواتر الترابية وإحراق إطارات، فيما عبّر المحتجون عن غضبهم من استمرار انقطاع التيار الكهربائي وتدهور الأوضاع المعيشية، ورفع بعض المشاركين مطالب سياسية تجاوزت أزمة الخدمات إلى الدعوة لإسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة.
وامتدت التحركات إلى الزاوية، التي تعيش أساسا على وقع توتر أمني وخدمي متصاعد عقب سلسلة هجمات استهدفت خلال الأيام الماضية منشآت نفطية وكهربائية داخل المدينة ومحيطها، وأدت إلى أضرار في البنية التحتية وانقطاعات إضافية في التيار، ما ضاعف حالة الاحتقان بين السكان.
كما شهدت بعض مدن الجبل الغربي احتجاجات مماثلة، مع إشعال الإطارات والتعبير عن رفض استمرار الانقطاعات، في مشهد أعاد إلى الواجهة الاحتجاجات المرتبطة بالخدمات التي تتكرر في ليبيا خلال أشهر الصيف، لكنها جاءت هذه المرة في ظل أزمة سياسية وأمنية أشد تعقيدا.
وكانت شوارع في طرابلس قد شهدت، الإثنين، احتجاجات على خلفية الانقطاع المتكرر للكهرباء، بالتزامن مع دعوات أطلقها حراك «إنقاذ ليبيا» إلى سكان مختلف المدن للخروج في مظاهرات سلمية احتجاجا على تدهور الأوضاع المعيشية والمطالبة بتوفير الخدمات الأساسية.
وتأتي موجة الغضب الجديدة بعد اضطرابات واسعة شهدتها شبكة الكهرباء في مناطق غرب وجنوب ليبيا، نتيجة خروج وحدات توليد عن الخدمة وتراجع إمدادات الغاز والوقود، قبل عودة التغذية تدريجيا إلى بعض المناطق، بينما واصلت مناطق أخرى تسجيل ساعات طويلة من الانقطاع.
وحاولت حكومة الوحدة احتواء الأزمة عبر إجراء تغييرات في إدارة الشركة العامة للكهرباء، إذ جرى اعتماد إعادة تشكيل مجلس إدارتها وتعيين البشير البهلول المرعاش رئيسا جديدا خلفا لمحمد المشاي، بموجب قرار الجمعية العمومية الصادر في 17 أغسطس/آب. ويأتي التغيير الإداري في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطا شعبية متزايدة بسبب الخدمات، إلى جانب انتقادات بشأن الإنفاق العام وعجز المؤسسات عن توفير احتياجات أساسية رغم الموارد المالية والنفطية التي تمتلكها البلاد.
غير أن أزمة الكهرباء لا تقتصر على مناطق نفوذ حكومة الوحدة في الغرب، إذ ترتبط بأعطال واختلالات مزمنة في شبكة وطنية موحدة تعاني منذ سنوات نقص الصيانة والاستثمارات وعدم استقرار إمدادات الوقود والغاز، في ظل انقسام المؤسسات واستمرار الصراع السياسي بين سلطات الشرق والغرب.
وتثير عودة الاحتجاجات أيضا تساؤلات حول تحميل المسؤولية السياسية عن تدهور الأوضاع لطرف واحد، في بلد تديره فعليا سلطات متنافسة. ففي غرب ليبيا، تواجه حكومة الدبيبة انتقادات مباشرة باعتبارها الجهة التي تدير مؤسسات الدولة والميزانيات الرئيسية في طرابلس، بينما تسيطر في الشرق سلطة موازية مدعومة من مجلس النواب وقوات خليفة حفتر، وتواجه بدورها اتهامات بشأن غياب الشفافية وترسيخ سلطة أمنية وعسكرية لا تخضع لمساءلة سياسية فعلية.
ويزيد الوضع الأمني المتوتر من صعوبة معالجة أزمة الخدمات، خصوصا في الزاوية، حيث تعرضت منشآت حيوية خلال أقل من أسبوعين لسلسلة هجمات بطائرات مسيرة طالت المصفاة وخزانات وقود ومحطات كهرباء وتحويل، ما تسبب في أضرار مباشرة وعمق مخاوف السكان من امتداد الصراع إلى البنية التحتية التي تعتمد عليها حياتهم اليومية.
ووفق تقرير نشرته صحيفة «واشنطن تايمز» الأميركية، فإن الهجمات الأخيرة على منشآت الطاقة في الزاوية وضعت قطاع النفط الليبي أمام ضغوط جديدة، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى دعم زيادة الإنتاج الليبي وجذب الاستثمارات الأميركية إلى البلاد.
وتزامنت هجمات الزاوية مع اغتيال مدير الاستخبارات العسكرية التابع لقوات شرق ليبيا، اللواء فوزي المنصوري، في بنغازي في 10 أغسطس/آب بواسطة عبوة ناسفة مثبتة بسيارته، وهو ما عكس بدوره هشاشة الوضع الأمني حتى داخل المناطق الخاضعة لسيطرة قوات حفتر، رغم الخطاب المستمر عن تحقيق الاستقرار والأمن في شرق البلاد.
وتكشف هذه التطورات أن أزمة الدولة الليبية لم تعد محصورة في الانقسام السياسي بين حكومتين أو في الصراع على المناصب، وإنما تمتد إلى قدرة المؤسسات على توفير الكهرباء والمياه وحماية المنشآت الحيوية وضمان الأمن اليومي للسكان.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة والانقطاعات المتكررة للكهرباء، تبدو احتمالات استمرار التحركات الاحتجاجية قائمة، خصوصا إذا لم تنجح الإجراءات الحكومية في تحسين التغذية الكهربائية بشكل ملموس. كما أن انتقال الشعارات من مطالب خدمية إلى دعوات لإسقاط الحكومة يمثل تطورا سياسيا لافتا، لكنه لا يلغي حقيقة أن أزمة الحكم في ليبيا تشمل منظومة السلطة المنقسمة بأكملها، شرقا وغربا، في ظل غياب انتخابات تنهي المراحل الانتقالية وتعيد تشكيل المؤسسات على أساس شرعية شعبية جديدة.