طرابلس – «القدس العربي»: تتواصل التحركات الأممية لدفع المسار الانتخابي في ليبيا عبر اجتماعات اللجنة المصغرة «4+4»، وسط حديث متزايد عن تحقيق تقدم في الملفات الخلافية المتعلقة بالقوانين الانتخابية وإعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، مقابل استمرار التحذيرات من أن أي تفاهمات سياسية غير شاملة قد تبقى رهينة التعثر في التنفيذ والانقسامات المؤسسية القائمة.
وأعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أن أعضاء «الاجتماع المصغر 4+4» عقدوا جلسة جديدة في العاصمة التونسية لمناقشة الخطوتين الأوليين من خارطة الطريق التي ترعاها البعثة، والمتعلقتين بإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومعالجة الإطار الدستوري والقانوني المنظم للاستحقاق الانتخابي المقبل.
وقالت البعثة إن الجلسة شهدت «نقاشات بناءة ومثمرة»، تركزت على بحث الأطر القانونية والدستورية اللازمة لإجراء الانتخابات العامة، مشيرة إلى اتفاق المشاركين على استئناف اللقاءات مطلع يونيو المقبل، بهدف الحفاظ على ما وصفته بـ»الزخم الإيجابي» للمشاورات السياسية المتعلقة بالمسار الانتخابي.
ويأتي الاجتماع الثاني للجنة المصغرة بعد أقل من أسبوعين على اللقاء الأول الذي استضافته العاصمة الإيطالية روما في 29 نيسان/أبريل الماضي، والذي اعتُبر بداية فعلية لمحاولة أممية جديدة لتجاوز حالة الجمود بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن القوانين الانتخابية واستكمال تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات.
وخلال اجتماع روما، توصل المشاركون إلى تفاهم يقضي بأن يرشح النائب العام أحد رجال القضاء المعروفين بالكفاءة والنزاهة والحياد لرئاسة مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، على أن يجري تعيينه وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.
كما جرى الاتفاق على تسمية علي الطايع وهيثم الطبولي وعلي أبو صلاح عن مجلس النواب، وسناء الليشاني وبديوي محمد وعلي المبروك عن المجلس الأعلى للدولة، أعضاءً في مجلس المفوضية الجديد، في خطوة رأت فيها البعثة محاولة لكسر الخلاف القائم منذ أشهر حول تركيبة المفوضية وإدارتها.
وتشير هذه التفاهمات إلى سعي البعثة الأممية لتثبيت مقاربة تدريجية تقوم على معالجة الملفات الأكثر إلحاحا أولا، تمهيدا للانتقال إلى القضايا السياسية الأوسع المرتبطة بالانتخابات وتوحيد المؤسسات، خصوصا بعد تعثر جهود التوافق التقليدية بين مجلسي النواب والدولة.
وفي هذا السياق، قال ممثل «القيادة العامة» في اجتماعات اللجنة، الشيباني بوهمود، إن اللقاء الأخير في تونس شهد «تقدما ملحوظا» في ملف القوانين الانتخابية، مؤكدا أن النقاشات جرت بشكل إيجابي «دون أي عرقلة أو تراجع».
وأوضح بوهمود، في تصريحات صحفية، أن ما تحقق خلال الاجتماعات «أكثر من المتوقع»، مشيرا إلى أن الوصول إلى اتفاق شامل خلال جلسة واحدة لم يكن مطروحا منذ البداية نظرا لتعقيد الملف الانتخابي وتشابكاته السياسية والقانونية.
وأضاف أن النقاشات استمرت لفترة أطول من المقرر نتيجة تبادل الملاحظات وتقييم المقترحات المطروحة، لافتا إلى أن معالجة الخلافات تتم بشكل تدريجي وعلى مراحل متتالية لتفادي أي انسداد سياسي جديد قد يعطل المسار بأكمله.
ونفى بوهمود ما تردد عن وقوع سجالات حادة داخل الاجتماعات، مؤكدا أن اختلاف وجهات النظر في ملفات القوانين الانتخابية أمر طبيعي في ظل حساسية المرحلة وتعقيد القضايا المطروحة للنقاش.
في المقابل، أبدى رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي دعما حذرا للمسار الذي تقوده البعثة الأممية، مشددا على أن نجاح أي تفاهمات سياسية سيظل مرتبطا بقدرتها على الانتقال من مرحلة الاتفاقات النظرية إلى التنفيذ العملي على الأرض. وقال المنفي، في تدوينة عبر منصة «إكس»، إن الجهود المبذولة للتقريب بين الأطراف الليبية «تقابل بالتفهم»، وإنها منحت المشهد السياسي «جرعة أمل مرحلية»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أي تفاهمات غير شاملة قد تواجه صعوبات كبيرة إذا لم تترافق مع خطوات عملية تتعلق بتوحيد المؤسسة العسكرية وضبط الإنفاق العام وتحصين العملية الانتخابية من الطعون والنزاعات القضائية.
وأكد المنفي دعم المجلس الرئاسي لمسار بعثة الأمم المتحدة «ضمن حدود ولايتها وقرارات مجلس الأمن والمرجعيات السياسية القائمة»، داعيا إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة قبل نهاية العام الجاري، مع توفير ضمانات قانونية وإجرائية تعزز الثقة في نزاهة العملية الانتخابية ونتائجها.
ويعكس هذا الموقف استمرار حالة الحذر لدى عدد من المؤسسات السياسية تجاه المسار الأممي الجديد، خاصة مع المخاوف من أن تتحول اللجنة المصغرة إلى آلية بديلة تتجاوز الأجسام السياسية التقليدية، وفي مقدمتها مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.
وكانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد طرحت خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن في شباط/فبراير الماضي، مقاربة تقوم على خطوتين رئيسيتين لمعالجة الانسداد السياسي، تبدأ باستكمال تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ثم إدخال تعديلات على القوانين الانتخابية استنادا إلى توصيات اللجنة الاستشارية.
وأكدت تيتيه، حينها أن «الاجتماع المصغر» لا يهدف إلى استبدال «الحوار المهيكل»، إنما يمثل آلية موازية لمعالجة العقبات الفنية والقانونية المرتبطة بالعملية الانتخابية، بينما يبقى الحوار السياسي الشامل هو المسار الأساسي للوصول إلى تسوية وطنية أوسع.
ورغم الحديث الأممي عن أجواء إيجابية وتقدم تدريجي، لا تزال الشكوك تحيط بإمكانية ترجمة هذه التفاهمات إلى خطوات عملية، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي، وتباين الرؤى بين الأطراف الليبية حول شكل السلطة المقبلة وآليات تنظيم الانتخابات وضمان قبول نتائجها. كما تواجه المقاربة الأممية اختبارا يتعلق بقدرتها على تحقيق توازن بين الدفع نحو حلول سريعة لكسر الجمود، وتجنب إنتاج تفاهمات جزئية قد تزيد من تعقيد المشهد إذا لم تحظَ بقبول سياسي واسع داخل البلاد.