اتصالات بولس مع مسؤولين ليبيين تعيد الجدل حول مبادرة واشنطن ومسارات الحل في طرابلس


طرابلس – «القدس العربي»: أعادت سلسلة اتصالات أجراها كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، مع عدد من المسؤولين الليبيين، الجدل حول مستقبل العملية السياسية في ليبيا، في وقت تتواصل فيه التحركات الدولية والأممية الهادفة إلى كسر حالة الجمود السياسي وإيجاد توافق يسمح بإجراء الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة.
وأعلن بولس أنه أجرى أربع مكالمات منفصلة مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ونائب القائد العام لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، صدام حفتر، ونائب وزير الدفاع، عبدالسلام الزوبي، ومدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، بلقاسم حفتر.
وقال بولس إن المباحثات تناولت ملفات المصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسات الليبية وتعزيز الاستقرار، مؤكداً أن المشاركين شددوا على ضرورة بناء مستقبل ليبيا عبر عملية شاملة تعكس تطلعات مختلف المناطق والمكونات الليبية، وتضمن مشاركة جميع الليبيين في رسم مستقبل بلادهم.
وأضاف أن تحقيق الاستقرار والازدهار يتطلب التعاون والمصالحة وتعزيز مؤسسات الدولة، مجدداً تأكيد التزام الولايات المتحدة بدعم جهود السلام والوحدة في ليبيا وتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين.
وفي بيان منفصل، قال صدام حفتر إنه بحث مع بولس أهمية توحيد المؤسسات ودعم مسار المصالحة الوطنية، مؤكداً التزام قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر بما وصفه بمشروع توحيد مؤسسات الدولة. كما أعلن صندوق التنمية وإعادة الإعمار أن مديره بلقاسم حفتر تلقى بدوره اتصالاً من بولس تناول جهود إعادة الإعمار والتطورات السياسية والاقتصادية في البلاد.
وتأتي هذه الاتصالات بعد أسابيع من تزايد الحديث عما بات يعرف بـ»مبادرة بولس»، التي أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية الليبية، خاصة مع تزامنها مع التحركات التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا واللجنة الاستشارية المنبثقة عنها.
وكان رئيس مجموعة العمل الوطني خالد الترجمان قد اعتبر أن مبادرة بولس تمثل مقاربة مختلفة عن المسار الأممي، مشيراً إلى أنها تنطلق من أولوية معالجة الملف الأمني وتحقيق الاستقرار قبل الانتقال إلى المسار السياسي والانتخابي. كما تحدث عن أن المبادرة تستوعب موازين القوى القائمة وتطرح تصوراً لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية بما يشمل المجلس الرئاسي والحكومة.
في المقابل، أكدت كبيرة المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، كلوديا غازيني، أن الأمم المتحدة نأت بنفسها عن هذه المبادرة، موضحة أن دور البعثة الأممية يتركز على دعم العملية الانتخابية وتسهيل التوافق بين الأطراف الليبية، وليس الانخراط في ترتيبات لتقاسم السلطة أو إعادة تشكيل المؤسسات التنفيذية. وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع مخرجات اجتماع اللجنة المصغرة “4+4” الذي انعقد في العاصمة الإيطالية روما، والذي وصفته مجموعة الأزمات الدولية بأنه حقق اختراقاً فنياً محدوداً دون أن ينجح في معالجة القضايا السياسية الجوهرية التي تعرقل إجراء الانتخابات.
وحسب المجموعة، فإن الاجتماع ركز بصورة أساسية على معالجة الخلافات المتعلقة بالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، حيث تم التوصل إلى مقترح يقضي بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية عبر اختيار ثلاثة أعضاء من مجلس النواب وثلاثة من المجلس الأعلى للدولة مع مراعاة التوزيع الجغرافي، على أن يتولى النائب العام اختيار رئيس المفوضية باعتباره جهة محايدة.
وقال عضو لجنة الحوار المصغر عبد الجليل الشاوش آنذاك إن النقاشات التي جرت في روما كانت إيجابية وركزت على إيجاد حل للخلاف القائم حول رئاسة المفوضية، معرباً عن تفاؤله بإمكانية قبول المقترح من قبل مجلسي النواب والدولة.
غير أن غازيني حذرت من أن الاتفاقات الفنية وحدها لا تكفي لإنجاز الانتخابات، مشيرة إلى أن التجربة الليبية أظهرت مراراً أن نجاح أي استحقاق انتخابي يتطلب توافقاً سياسياً ومؤسسياً أوسع من مجرد الاتفاق على الجوانب الإجرائية.
وفي الوقت نفسه، تواصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا جهودها لإيجاد أرضية مشتركة بين الأطراف المتنافسة، حيث كثفت خلال الأشهر الأخيرة لقاءاتها مع المؤسسات الرسمية والأحزاب السياسية وممثلي المجتمع المدني، كما طرحت اللجنة الاستشارية التابعة لها عدة خيارات لمعالجة القضايا الخلافية التي ما تزال تعيق العملية السياسية.
وتؤكد البعثة باستمرار أن الهدف الرئيسي يتمثل في الوصول إلى توافق يسمح بإجراء انتخابات وطنية شاملة وإنهاء المراحل الانتقالية المتعاقبة، مع الحفاظ على وحدة المؤسسات وتجنب أي خطوات أحادية قد تؤدي إلى تعميق الانقسام.
ويعكس تزامن الاتصالات الأمريكية مع التحركات الأممية والأوروبية استمرار الاهتمام الدولي بالملف الليبي، في ظل تعثر الجهود الرامية إلى إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي القائم منذ سنوات. كما يكشف عن استمرار التباين بين المقاربات المطروحة للحل، بين من يدفع نحو معالجة القضايا الأمنية والسياسية أولاً، ومن يرى أن الأولوية يجب أن تكون لاستكمال المسار الانتخابي وتهيئة الظروف اللازمة لإجرائه.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من الحراك السياسي والمبادرات الدولية، بينما يظل نجاح أي مسار مرتبطاً بقدرة الأطراف الليبية على تجاوز خلافاتها والتوصل إلى تفاهمات تضع حداً لحالة الانسداد السياسي المستمرة منذ تعثر انتخابات كانون الأول/ ديسمبر 2021.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *