نواكشوط – “القدس العربي”: عاد الجدل حول برامج الإصلاح الهيكلي التي يروج لها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بقوة، إلى واجهة النقاش السياسي والاقتصادي في إفريقيا، لكن هذه المرة من بوابة السنغال التي تحولت منذ وصول السلطة الجديدة بقيادة باسيرو ديوماي فاي وعثمان سونكو إلى الحكم، إلى ساحة اختبار حقيقية لمستقبل العلاقة بين الدول الإفريقية ومؤسسات “بريتون وودز”، الاسم الشائع لمؤتمر النقد الدولي الذي عقد في يوليو سنة 1944 في غابات بريتون في نيوهامبشاير في الولايات المتحدة الأمريكية.
تراجعت الخدمات العمومية، واتسعت الفوارق الاجتماعية، وتقلصت قدرة الدولة على التدخل في الاقتصاد
فالسؤال الذي ظل يلاحق القارة منذ أكثر من أربعة عقود عاد اليوم بصيغة أكثر حدة: هل يمكن بناء تنمية مستقلة وسيادة اقتصادية حقيقية خارج الوصفات التقليدية لصندوق النقد والبنك الدولي؟ أم إن الاقتصاد العالمي أصبح مترابطاً إلى درجة تجعل أي محاولة للابتعاد عن هذه المؤسسات مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في إفريقيا التي لا تزال تحتفظ بذاكرة مؤلمة مع برامج “التقويم الهيكلي” التي فُرضت خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي على عشرات الدول المثقلة بالديون.
واشترطت، يومها، مؤسسات التمويل الدولية تحرير الأسواق، وخصخصة المؤسسات العمومية، وتقليص الإنفاق الاجتماعي، ورفع الدعم عن المواد الأساسية، مقابل الحصول على القروض وإعادة جدولة الديون.
ورغم أن هذه السياسات ساعدت بعض الحكومات على استعادة التوازنات المالية وخفض العجز، فإن آثارها الاجتماعية كانت عميقة في العديد من البلدان.
فقد تراجعت الخدمات العمومية، واتسعت الفوارق الاجتماعية، وتقلصت قدرة الدولة على التدخل في الاقتصاد، بينما بقيت الاقتصادات الإفريقية رهينة تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات المصنعة.
ومن هنا تنبع جاذبية الخطاب السيادي الأفريكانيست، الذي تتبناه اليوم قوى سياسية صاعدة في القارة؛ ففي السنغال، لم يأتِ صعود باسيرو ديوماي فاي وعثمان سونكو نتيجة تنافس انتخابي عادي فحسب، بل كان أيضاً تعبيراً عن رغبة شعبية واسعة في مراجعة العلاقة مع المنظومة الاقتصادية الدولية التي يعتبر كثير من السنغاليين أنها لم تحقق الوعود المرتبطة بالتنمية والعدالة الاجتماعية.
السنغال، مثل أغلب الاقتصادات الإفريقية، تحتاج إلى التمويل الخارجي وإلى الحفاظ على ثقة المستثمرين والأسواق المالية الدولية
ورفع سونكو منذ سنوات شعار “استعادة السيادة الاقتصادية”، منتقداً ما يعتبره تبعية مفرطة للمؤسسات المالية الدولية وللشركاء الخارجيين؛ كما دعا إلى إعادة النظر في بعض الاتفاقيات الاقتصادية وعقود استغلال الموارد الطبيعية، وإلى منح الدولة دوراً أكبر في توجيه الاقتصاد وحماية المصالح الوطنية.
غير أن انتقال الخطاب من المعارضة إلى الحكم وضع السلطة الجديدة أمام معضلة أكثر تعقيداً. فالسنغال، مثل أغلب الاقتصادات الإفريقية، تحتاج إلى التمويل الخارجي وإلى الحفاظ على ثقة المستثمرين والأسواق المالية الدولية. كما أنها تواجه تحديات كبيرة مرتبطة بالمديونية وتمويل البنية التحتية واحتياجات التنمية الاجتماعية.
وهنا تظهر المفارقة التي تواجه معظم الحكومات الإفريقية ذات التوجه السيادي، فكلما اقتربت من السلطة، اكتشفت أن هامش المناورة أضيق مما يبدو في الخطابات السياسية؛ إذ لا يمكن الاستغناء بسهولة عن التمويلات الدولية، ولا يمكن في الوقت نفسه تجاهل المطالب الشعبية الداعية إلى التحرر من التبعية الاقتصادية.
وتقدم تجارب إفريقية أخرى دروساً متباينة في هذا المجال: ففي غانا، التي كانت توصف لسنوات بأنها “التلميذ النموذجي” لصندوق النقد والبنك الدولي، عادت الأزمة المالية بقوة واضطرت الحكومة إلى طلب برنامج إنقاذ جديد.
أما زامبيا، فقد وجدت نفسها مجدداً أمام تحديات المديونية رغم عقود من الإصلاحات الاقتصادية.
وفي المقابل، تُظهر تجارب آسيوية عديدة أن الدولة القوية والقادرة على التخطيط الاستراتيجي يمكن أن تستفيد من التمويل الدولي دون أن تتخلى عن مشروعها التنموي الوطني.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في الجدل الاقتصادي وحده، بل في تداعياته السياسية، فقد أثبتت التجربة الإفريقية أن الأزمات الاقتصادية كثيراً ما تتحول إلى أزمات حكم.
أثبتت التجربة الإفريقية أن الأزمات الاقتصادية كثيراً ما تتحول إلى أزمات حكم
فحين تفرض الحكومات إجراءات تقشف استجابة لشروط المقرضين الدوليين، يتصاعد الاحتقان الاجتماعي وتزداد احتمالات الاضطرابات السياسية.
وحين ترفض هذه الشروط وتدخل في مواجهة مع المؤسسات المالية الدولية، فإنها قد تواجه أزمات تمويل خانقة تؤدي بدورها إلى عدم الاستقرار.
وليس من قبيل المصادفة أن عدداً من الانقلابات العسكرية التي شهدتها منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة جاء في بيئات اتسمت بارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتراجع الثقة في النخب السياسية التقليدية.
فبالنسبة لقطاعات واسعة من الرأي العام، أصبحت السيادة الاقتصادية مرتبطة بشكل مباشر بالسيادة السياسية، وأصبح رفض “الإملاءات الخارجية” جزءاً من الخطاب الذي تستثمر فيه القوى الشعبوية والعسكرية على حد سواء.
ويطالب منتقدو مؤسسات “بريتون وودز” بإعادة صياغة دورها من مؤسسات تفرض برامج التقشف والإصلاح الهيكلي إلى مؤسسات تدعم سيادة الدول النامية على مواردها، وتخفف أعباء الديون، وتمول التنمية الإنتاجية المستدامة، مع إعطاء الأولوية للعدالة الاجتماعية وحماية البيئة وحقوق الإنسان.
التحدي الحقيقي الذي يواجه السنغال وإفريقيا بأسرها: كيف يمكن بناء اقتصاد وطني مستقل القرار، منفتح على العالم لكنه غير خاضع له
لذلك، فإن المعركة الدائرة اليوم في السنغال تتجاوز حدود هذا البلد؛ إنها في جوهرها معركة إفريقية حول طبيعة الدولة ودورها في التنمية وحدود استقلال القرار الوطني في عالم تزداد فيه الترابطات المالية والاقتصادية.
فالقضية لم تعد اختياراً بسيطاً بين القبول بوصفات “بريتون وودز” أو رفضها بالكامل، بل أصبحت بحثاً عن صيغة جديدة تحقق التوازن بين ضرورات التمويل والانفتاح من جهة، ومتطلبات السيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية من جهة أخرى.
وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه السنغال وإفريقيا بأسرها: كيف يمكن بناء اقتصاد وطني مستقل القرار، منفتح على العالم لكنه غير خاضع له، وقادر على الاستفادة من التمويل الدولي دون أن يتحول إلى رهينة لشروطه؟ ذلك هو السؤال الذي لم تحسمه القارة بعد، والذي قد يحدد شكل الدولة الإفريقية خلال العقود المقبلة.