(هو لا يعرف الكثير عن بداية حياته. عن أبيه وأمه وإخوته. ولكنه يعرف الكثير عن الحكاية الكبرى. عن أهله السريان الذين اختفوا)..
هذه الجملة الافتتاحية لرواية مقهى جرجيس وعمر السرياني لنزار آغري، الصادرة حديثاً عن الكتب خان، تُفصح على الفور عن إشكالية الشخصية المركزية التي سيتعرف القارئ على حياتها. شخصية عمر الذي يعيش حالة عدم الانتماء. ليس عمر فقط، الطفل السرياني الناجي من المجزرة، لا يعرف اسمه الحقيقي، بل هناك العديد من الشخصيات التي ترد في الرواية. والدة عمر الثانية، أمه بالتبني، التي تزوجها الشيخ خليل، وأعطاها اسم « نوفا»، هي أيضاً لا تعرف اسمها. تقول:
ـ لا أعرف ما كان اسمي الحقيقي.. أعطوني ملابس جديدة واسماً جديداً. لم يكن هذا الاسم يعني لي شيئاً. كنت أسمعه يُنادى عليَّ من أصدقائي، وعلى لسان أمي، لكنه لم يكن يخصني. كنت أحمل اسماً غريباً عني، اسماً مُختاراً ليُخفي اسما آخر، أقدم، والأرجح أجمل. أنت لا تعرف، لكن اسمك ليس اسمك واسمي ليس اسمي. كان لنا اسم آخر، لكننا دفناه، مثلما دُفن موتانا في مقابر لا شواهد لها.
العالمية في مكان صغير: المقهى كقرية كونية
في مقهى جرجيس الصغير في عامودا، تتنوع اللغات والثقافات: أيوب الإيزيدي ـ مجيدو بائع الخردوات الكردي ـ موريس بائع الأحذية ـ هرانت الطبيب الأرمني، بيدروس، شابو، الياس، ميخائيل.. يصف نزار المقهى: المقهى علبة كبريت عملاقة، سقفه قش وعواميد، وحيطانه لبنات مطلية بالكلس، وجدرانه لوحات ومرايا، وسجادة صغيرة علقت طولانيّاً لونها أحمر وحوافها مرسومة بورد وأغصان أشجار، وفي المنتصف يحني عمر الخيام ظهره بشعر غزير وأمامه فتاة فاتنة تصب الخمر من زجاجة طويلة العنق، وخلفهما غزلان وطواويس، وفي الأسفل بيت شعر صدره بالعربية وعجزه بالفارسية:
ألا يا أيها الساقي أدر كأسا وناولها
كه عشق آسان نمود أول ولي افتاد مشكلها
من هنا، يشعر القارئ بجمال هذا التنوع الهوياتي واللغوي، فأذهب لأسأل نزار عن علاقته باللغة، ليقول: أعيش بذخ الهويات في حياتي اليومية. كردي أكتب بالعربية، وأترجم من لغات الشرق والغرب وأعيش في بلد اسكندنافي أسير في الشارع وأسمع عشرات اللغات تمر جانبي. أعيش فعلاً في عالم من سحر اللغات والهويات.
العلاقة بين عمر وجرجيس: رعاية غير معلنة بين ناجيين
بالوقوف عند عنوان الرواية، وتفكيك العلاقة بين جرجيس، صاحب المقهى، وعمر، الصبي الذي جلبه الشيخ خليل ليعمل في المقهى، نكتشف العمق الذي يسِم هذه العلاقة. فالعلاقة بين عمر وجرجيس لا تقوم على الأبوة المباشرة، ولا على الحماية المعلنة، بل على شيء أعمق وأكثر صمتاً: تعارف خفي بين ناجيين من الكارثة نفسها. يأتي عمر إلى المقهى صغيراً، محمولاً من الشيخ خليل، لاجئاً إلى مكان لا يعرفه، لكن هذا المكان سرعان ما يتحول إلى ملجأ. هنا، في مقهى جرجيس، يبدأ وعيه بالتشكل، لا عبر التعليم أو التلقين، بل عبر الاحتكاك بالحكايات، باللغات، وبالوجوه التي تحمل آثار الفقد. أما جرجيس، فهو نفسه ابن نجاة: رجل خرج من مجزرة، فقد عائلته، ثم أعاد بناء العالم بيديه، حجراً فوق حجر. المقهى الذي بناه ليس مشروعاً اقتصادياً، بل محاولة لإعادة ترتيب الحياة بعد انكسارها. في هذا المعنى، يلتقي عمر وجرجيس في نقطة غير منطوقة: كلاهما بلا ماضٍ مكتمل، وكلاهما يعيش على حافة ذاكرة مهددة بالمحو، لذلك لا يحتاج جرجيس إلى أن يقول شيئاً ليحتضن عمر؛ يكفي أن يفتح له باب المقهى. العلاقة بينهما إذن ليست علاقة معلم وتلميذ، بل علاقة مكان بشخص، وناجٍ بناجٍ آخر. جرجيس يمنح عمر ما لم يحصل عليه من قبل: مكاناً يقيم فيه، من دون أن يُسأل كثيراً عن أصله، وفضاءً يمكن أن تتشكل فيه هويته المؤجلة.
اللغة الأم بوصفها الحارس الأول
في القصيدة التي كتبها الشيخ طريف بالسريانية، ورداً على سؤال معصوم، في سبب كتابة القصيدة بالسريانية، بينما هو ضليع باللغتين الكردية والعربية، يقول الشيخ: لأن الكتابة الصادقة لا تأتي إلا باللغة الأم.
ويتكرر الكلام عن اللغة الأم في الرواية في عدة أماكن: حين يتجول الضابط الفرنسي في المدينة، ويتوقف لدى مجموعة أطفال يسألهم باللغة السريانية المكسرة، إن «كانوا يذهبون إلى المدرسة. نظر الأطفال إلى بعضهم بدهشة، ثم هزوا رؤوسهم. ابتسم الضابط وقال: سوف نفتح مدرسة، تتعلمون فيها بلغتكم.. ويدور بينه وبين رشيد، إمام الجامع، الحديث التالي، حين قال الضابط: لا أطلب منكم أن تحبونا، وتهللوا لوجودنا. ولكن أريد أن تتركوا أولادكم يختارون طريقهم. أولادنا أمانة… واللغة لا تُعلمها إلا الأم، لا ضابطا فرنسيا.
هنا يرد نزار على سؤالي: «إذن لماذا لا تكتب بالكردية، لغتك الأم» ليقول:
أنا لا أكتب باللغة الكردية لسبب بسيط: الأشرار، العنصريون، منعوني من التعلم والكتابة بها، كما منعوا شعباً كاملاً من تعلمها. لهذا لا يقرأون بها. أشعر بالحزن من أثر ذلك. حزن يومي. صراع يومي. يأس يومي. ولكن أحاول أن أعوض الخسارة بلغات أخرى. أحاول أن أسحب سحر العيش الكردي على ظهر لغات أخرى. كطفل يرتمي في حضن زوجة أبيه كي يستعيد دفء حضن أمه.
وعن علاقته باللغات يقول نزار: علاقتي باللغات علاقة عشق. أنا أحب كل اللغات، وصدقيني إن قلتُ لك إنني في كل يوم، نعم كل يوم، أتحسر على إنني لا أعرف كل لغات الأرض. أجد في اللغة، أي لغة، سحراً لا يقاوم. ولهذا أشعر بالغضب واليأس حين تتعرض اللغة، أي لغة وفي أي بقعة من الأرض، للقمع والمنع والإلغاء. هذا إلغاء لقطعة من السحر… أنفر من الهويات حين تتحول إلى سلاح للاقتتال، أحب الهويات الهادئة، الجميلة، كزخرفات ملونة في شهادة عملاقة.
الهويات الملتبسة
يتحدث عمر، عن لقائه بالضابط الفرنسي الذي سأله إن كان كرديّاً أو عربيّاً ثم ضحك وقال: أو ربما تركيّاً. لم يسأل إن كنت سريانيّاً أو أرمنيّاً. ويتابع:
قلت في نفسي إن هذا بديهي لأنه لا يمكن أن أكون مؤذناً وأنا سرياني أو أرمني. وكدت أضحك. لم أعرف ماذا أقول فأنا نفسي لا أعرف على وجه الدقة من أكون. أأنا كردي أم عربي؟ متأكد من أنني لستُ تركيّاً، ولكن الأجدر أن أكون سريانيّاً أو أرمنيّاً أو… ربما إيزيديّاً.. حول هذه الهويات الملتبسة، أسأل نزار عن هويته هو، فيقول:
أنا من أولئك الذين لا يشعرون بالخجل من إشهار هويتهم وانتماءهم القومي، ليس لأن ذلك شيء مهم في حياتي، بل لأنه إقرار بديهي بحقيقة وجودية. أهرب من الفكرة التي تقول إننا كلنا بشر. كلنا بشر، نعم، ولكن في صدر كل واحد منا آهات وهمسات ورغبات وأناشيد وأغان وأحلام خاصة. لا عيب في أن تكون لنا هذه العلامات. معيب أن نخفيها ونزيحها جانباً كي نظهر للآخرين أننا أرفع قيمة من أنفسنا، أي من هويتنا التي تشكل شخصيتنا.
رواية «مقهى جرجيس وعمر السرياني» وثيقة مهمة في توضيح صورة المجتمعات في المنطقة، وعلاقات الطوائف والإثنيات والديانات واللغات والقوميات، والعنف الذي يؤدي إلى مجازر بين الشعوب، ويقرر مصائرها في ثلاثة احتمالات: أن يُقتلوا، أو أن يقتلوا، أو أن يهربوا من البلاد، كما فعل عمر السرياني الذي لا يعرف القارئ أي اسم اختاره بعد هربه من عامودا ولجوئه إلى السويد. يمكن لهذه الرواية أن تكون مرجعاً أساسياً في فهم المجتمعات المختلطة إثنياً ودينياً وقومياً ولغوياً في منطقتنا، كما أنها تشكل وثيقة تاريخية وسوسيولوجية تُفكّك البنية الجاهزة للحرب، وتكشف أسباب فشل مفاهيم السلام والتسامح والتصالح.
كاتبة سورية