إغلاق المقاهي في طهران يعيد الجدل حول الحريات الاجتماعية في إيران


طهران- «القدس العربي»: إغلاق عدد من المقاهي بالشمع الأحمر في شارعي سنائي وإيرانشهر في طهران أثار موجة واسعة من ردود الفعل والانتقادات.
ويشتهر شارعَا سنائي وإيرانشهر، في وسط طهران، بوجود عدد كبير من المقاهي. وعادة ما تكون هذه المقاهي مكتظة حتى ساعات متأخرة من الليل بالشبان والفتيات الذين يجلسون في مجموعات أو يقفون أمام المقاهي، يتحدثون، ويشربون القهوة، فيما تُرى السجائر بين أصابع بعضهم.
وتُعد هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ انتهاء «حرب الأربعين يوماً» التي بدأت 28 شباط/ فبراير. وقد أثار إغلاق هذه المقاهي انتقادات واسعة في إيران. وكان موقع «إصلاحات نيوز» أول وسيلة إعلامية تنشر صوراً لإغلاق عدد من المقاهي في شارعي سنائي وإيرانشهر على يد الشرطة، وكتب: «جو كافيه، 1401، سام كافيه، دو بار، نوفوك، كافيه مان، وتئوري، من بين المقاهي التي تم إغلاقها».
ولم يشر الموقع إلى سبب هذا الإجراء. وحتى الآن، لم تعلن السلطات أو الجهات المعنية رسمياً سبب الإغلاق، لكن الرأي العام يتداول عدة احتمالات، من بينها عدم الالتزام بالحجاب من قبل النساء والفتيات داخل هذه المقاهي. وهناك احتمال آخر يتمثل في تقديم المشروبات الكحولية، وهي محظورة في إيران ويجري التعامل معها بحزم، إلا أنه لم يتضح حتى الآن أي من هذين السببين هو الصحيح. ومع ذلك، لا يمكن إخفاء حقيقة أن التوسع في المقاهي والتغيرات التي أحدثتها في الشوارع، ومنها تجمع الشبان والفتيات، لا يحظى برضا الأوساط الدينية التقليدية والتيارات المتشددة في المجتمع.
وكتبت وكالة «دانشجو» للأنباء، التابعة لمنظمة التعبئة الطلابية «البسيج»، أن جميع المقاهي أُغلقت بسبب مخالفات نقابية، وأن هذا الإجراء لا علاقة له إطلاقاً بقضايا الأمن الأخلاقي. وأضافت الوكالة أنه عقب نشر صور وخبر إغلاق عدد من المقاهي في وسط طهران، انتشرت شائعات تربط هذه الإجراءات بقضايا الأمن الأخلاقي، كما أن المقاهي المعنية، بعدم تعليقها على أسباب إغلاقها، ساهمت في زيادة تلك الشائعات.
خلال العقدين الماضيين، تحولت القهوة في إيران من مشروب محدود الاستهلاك إلى أحد أكثر المشروبات انتشاراً في المدن. وقد أدى ازدياد عدد المقاهي، وتغير أنماط الحياة، وارتفاع حضور الشباب في الفضاءات العامة، وانتشار ثقافة العمل عن بُعد، وتوسع استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، إلى زيادة الطلب على القهوة، وبالتالي إلى نمو واردات هذا المنتج إلى البلاد.
وخلال السنوات العشرين الماضية، ارتفع حجم واردات القهوة إلى إيران بنحو 10 إلى 15 ضعفاً. كما تضاعف عدد المقاهي في طهران عدة مرات، ووفقاً لإعلان الاتحاد المختص، ارتفع عددها من نحو ثلاثة آلاف مقهى خلال فترة جائحة كورونا إلى نحو ستة آلاف مقهى. كذلك، تحولت القهوة من مشروب يُعد نسبياً من الكماليات إلى جزء من نمط حياة الطبقة الوسطى في المدن، ولم يعد استهلاكها يقتصر على المقاهي، بل امتد إلى المنازل وأماكن العمل.
الزيادة الكبيرة في استهلاك القهوة وارتفاع عدد المقاهي في طهران يُعدّان مؤشراً على التحولات الاجتماعية وتغير أنماط الحياة في طهران وإيران.
وكتب الموقع الإصلاحي «رويداد 24» في مقال بقلم مازيار وكيلي: «في وقت تخوض فيه البلاد حرباً، ويؤكد فيه كثير من المسؤولين، عبر مختلف المنابر، ضرورة الوحدة والتضامن وتكاتف جميع الفئات الاجتماعية لتجاوز الأزمة، يُفاجأ الرأي العام بخبر يفيد بأن إحدى المؤسسات قررت إغلاق عدد من المقاهي في منطقة تُعرف أساساً بهذه المقاهي».
وأضاف: «اللافت أنه حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم يُعلن أي سبب رسمي وواضح لهذه الإغلاقات الواسعة، وهو ما فتح الباب أمام تكهنات متعددة. فهناك من أرجع الأمر إلى قضية الحجاب، بينما تحدث آخرون عن مسائل تتعلق بقوائم الطعام في هذه المقاهي، إلا أن السبب الحقيقي لا يزال غير معروف».
وتابع: «لكن بغض النظر عن السبب الرسمي، فإن النتيجة واضحة، وهي خلق فجوة جديدة بين شريحة من المجتمع والسلطة، في وقت تحتاج فيه البلاد، أكثر من أي وقت مضى، إلى رأس مالها الاجتماعي. فالمقاهي في الوقت الحاضر ليست مجرد أماكن لشرب القهوة أو اللقاءات الودية، بل أصبحت جزءاً من نمط الحياة والهوية الاجتماعية لكثير من المواطنين، ولا سيما الجيل الشاب. وفي ظل التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، والمشكلات الاقتصادية التي حرمت الناس من كثير من وسائل الترفيه، تحولت المقاهي إلى واحدة من المساحات القليلة المتبقية للتلاقي، والحوار، وتجربة حياة طبيعية».
كما انتقد مهرداد خدير، في موقع «عصر إيران» الإصلاحي، إغلاق المقاهي في وسط طهران، مذكراً بتصريحات سابقة للسياسي المحافظ المتشدد سعيد جليلي، التي انتقد فيها انتشار المقاهي، وكتب أن «الصور المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي للمقاهي التي أُغلقت في شارع إيرانشهر، وربما في أماكن أخرى من طهران، أثارت مخاوف من بدء موجة جديدة لفرض نمط محدد من الحياة، وهو النمط الذي تروج له مسلسلات هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية. ويأتي ذلك في وقت أكد فيه المرشد الأعلى، في أحدث رسالة له، ضرورة تجنب إبراز الفوارق الاجتماعية، معتبراً أن تضخيم هذه الفوارق يتعارض مع التماسك الاجتماعي».
وأضاف أن «تعبير الفوارق الاجتماعية لا يعني بالضرورة نمط الحياة، لكن يمكن تفسيره بهذا المعنى. ومن هذا المنطلق، فإن الاهتمام بالمقاهي وثقافة ارتيادها لدى شريحة من الجيل الشاب يمكن اعتباره أحد مظاهر هذا الاختلاف الاجتماعي».
وقال أيضاً: «ينبغي الاعتراف بالتنوع في أنماط الحياة باعتباره أحد أوجه الفوارق الاجتماعية، ولا ينبغي مضايقة الناس الذين يعانون أصلاً من ضغوط المعيشة. ويجب الحفاظ على هذه اللحظات القليلة من الحديث والضحك، لا أن يتم القضاء عليها. كما أن ذريعة الحجاب لم تعد مقبولة، لأن المجتمع تغير، ولم يعد بالإمكان تحويل الشارع إلى ما يشبه الدوائر الحكومية. فالفضاء العام هو فضاء عام، والمقهى جزء من هذا الفضاء. فهو ليس منزلاً خاصاً، ولا مؤسسة رسمية. ومحاولة تحويل الفضاء العام إلى فضاء رسمي هي محاولة عديمة الجدوى، وتؤدي فقط إلى زيادة التكاليف وإثارة مزيد من الاستياء».
وكتب موقع «خبر أونلاين»: «في شارع سنائي، أُغلقت بعض المقاهي التي كانت طاولاتها حتى قبل أيام قليلة مكتظة بالزبائن. وفي شارع إيرانشهر أيضاً أُغلقت بعض المقاهي، كما انتشر بين أصحاب المقاهي والزبائن خبر إغلاق عدد من المقاهي في شارع نوفل لوشاتو. ما زالت الشوارع في أماكنها، لكن جزءاً من الحياة التي كانت تنبض فيها بقي خلف الأبواب المغلقة. وهذه المرة لا تتعلق القضية بمجرد منشأة تجارية واحدة».
كما كتب الحقوقي محسن برهاني في صحيفة «شرق»: «هل يُعد الإغلاق بالشمع الأحمر إجراءً قضائياً أم غير قضائي؟». ورأى أنه عندما يستهدف الإغلاق بشكل مباشر ملكية الأفراد ومصدر دخلهم، فلا يمكن اتخاذ قرار بشأنه خارج إطار قانوني واضح. ويؤكد أنه حتى في حال تشكيل ملف قضائي، فإن القانون يفرض قيوداً على إغلاق المراكز الخدمية والإنتاجية، ولذلك لا يجوز منح مثل هذه الصلاحية بلا حدود للجهات غير القضائية.
وأضاف: «لكن المقاهي لا تؤثر فقط في دخل مالكيها وموظفيها. فالمقهى في المدينة يكون أحياناً جزءاً من اقتصاد شارع كامل؛ إذ تستفيد المكتبات، وصالات العرض الفني، والمسارح، والمتاجر الصغيرة، وسائر الأنشطة التجارية المحيطة من حركة الناس في تلك المنطقة».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *