قد يبدو الكشف عن المخفي في «كهف أفلاطون» خروجا عن فكرة المثال الطبقي، وتوظيفا موازيا لتعرية مستورات الكهف السردي، وإبرازها كمعادل رمزي تمثلتها أحداث رواية «إمبراطورية نادية» للكاتبة المصرية سامية محرز، الصادرة عن دار الشروق/ القاهرة 2025 إذ وضعتنا لعبة السرد في سياق صراعٍ إنساني وقيمي، انسحب إلى الكشف عن ضعف الكائن إزاء الآخرين، رغم متاريسه النفسية والطبقية، فخرق المألوف في الرواية، بدا وكأنه خرقٌ للزمن المغلق الذي صنعته بطلة الرواية حولها، وباتجاهٍ اندفعت فيه لعبة السرد إلى الانخراط في مفارقة، توحي بالإيهام عن صراع تعيش يومياته، يتمثله الانحياز إلى رمزية الإمبراطورية التي صنعتها، وتحويل عالم منزلها وعلاقات عائلتها إلى «فيتشات» يرتبط وجودها الرمزي، بحمولتها الطبقية والنفسية المتعالية، وعبر إحالاتها إلى تمثيل رمزي لحساسية الإشباع والتسلط، وإلى ما يشبه استغواء العزل الطبقي.
تنحني الرواية على ثنائية سردية، تتوزع بين نظام العائلة/ النظام المغلق – الأب الأكاديمي المعني بالاستعراب، والابن المسكون بإشباعات المنزل، والزوجة الأكاديمية/ صاحبة النسق والسلطة، والنظام المضاد، المقموع والقابل للتمرد، الذي تتمثله مساعدة المنزل/ نرجس وابنتها المراهقة فاطمة.
ما بين هذين «النظامين» ينفتح مجرى السرد على صراع خفي، يتجوهر حول ثيمة الخرق الطبقي/ خرق الإمبراطورية، حيث يتحول سماح المساعدة لابنتها باستعمال «فيتشات» العائلة ـ حمام غرفة النوم، برنس الأب، كريم الشعر، أنابيب الشامبو، الموسيقى الصاخبة»، إلى خرق وجودي، جعلت منه «سيدة المنزل» «إثما طبقيا»، لا تقبل معه الاعتذار والعفو، عّرى بعض أقنعة العائلة، وسلطة السيدة، مثلما عّرى الآخر الطبقي والاجتماعي والنفسي، ليظل خارج «مقدس» المكان، بوصفه مجالا صيانيا يحفظ لا وعي العائلة، وأحسبه قد أعادنا إلى ذاكرة رواية السباعي «رد قلبي» حين تتحول فيتشات المكان الباشوي إلى رموز للقوة والسلطة والصيانة، بما فيها «البطلة العاشقة»، وأن خرقه السياسي والطبقي، ارتبط بتمثيل سردي مصطنع عبر الخرق العاطفي والأيديولوجي..
في رواية «الإمبراطورية» يتحول الحمام البورجوازي إلى مجال لغواية خرق الممنوع، وفرض إبدال جسدي، بدا وكأنه كناية عن التمرد، وإعادة صياغة الفراغ النفسي عبر إشباعٍ إيهامي، واستعمالات مضادة، يتحول معها طقس الاستحمام إلى تطهير ولذة وعنف رمزي، مثلما يفقد عبرها «برنس الأب» رمزيته الطبقية، ليكتسب رمزية مضادة، يكون فيه غطاءً لجسد مراهق، يعيش فورته الجنسية والنفسية من خلال الإشباع الرمزي.. ما اعتبرته نادية «خطأ جسيما» يتحول إلى فضحٍ لكثير من المسكوت عنه، وربما لتقويض ثنائية فلسفية تشبه في رمزيتها ثنائية هيغل عن «العبد والسيد»، حيث يتوازى فقدان العبد مع الإحساس بفراغ داخلي للسيد/ السيدة، حيث فيه تأخذ سردية الحدث مسار الكشف عن المضمر من ذلك الصراع، وعن تمثلاته الطبقية، لفضح أزمة عالم «البورجوازية المصرية» التي تعيش عالما مسكونا بأوهام التعالي، وعبر بروتوكل الضبط الطبقي، حيث يكون العزل المتعسف للأمكنة، ترميزا يتبدى فيه الحمام اليوتوبي وكأنه مطهر للآخر، وربما الأقرب إلى ديستوبيا بنظر السيدة، وهي تعيش قلق حادثة «الغزو الطبقي».
طرد المساعدة نرجس عن العمل يتحول إلى «أزمة أخرى» لا تخص البحث عن مساعدة منزلية أخرى، بل البحث عن «العبد» الذي يُكمل السيد بتوصيف هيغل، من خلال تمثيل إشباعاتها، ومنح الذات إحساسا بوجودها، وبرمزية سلطتها في المكان، وعبر الفيتشات التي فقدت تمثيلها السيميائي، لأن ما يحوط عالم السيدة من مفارقات وتناقضات، يضعها إزاء منظور آخر للخرق الطبقي، الذي يفقد جدواه إزاء الخرق الوجودي الذي تعيشه مع « المعذبين في الأرض» الذين يصنعون رعبا لها، يقوض أوهامها الطبقية وحتى أقنعتها الأكاديمية، فبقدر ما رسمته الروائية لـ»امبراطورية نادية» من إطار تمثيلي، عبر رمزية الزوج «فيليب» الذي يتحدث اللهجة المصرية، والابن سيف المسكون بذكريات نفسية، وربما جنسية مخفية مع عاملات المنزل، فإنها بدت أكثر قلقا بعد الطرد، فالابن لجأ إلى الصمت، والسيدة دخلت في متاهة فقد الألفة والحميمية، ما جعلها تدرك أن الشرط الطبقي ليس قوة ناجزة، لا سيما في مجتمع مسكون بالتحول الاجتماعي والسياسي مثل مصر، حتى يتحول اعترافها إلى يقين بالضعف والهزيمة، وأن يوتوبيا المكان غير كافية للإشباع، ولمواجهة الإثم الطبقي بالطرد من «الجنة»
اللغة السردية ووعي الكتابة
الذهاب إلى الكتابة الواقعية قد يُخفف من أثر «الشعرية» ومن اللغة المفخخة بالاستعارات، لكنه سيجعلها أيضا مكشوفة على ما يشبه لغة اليومي، حيث تستغرقها تمثيلات نفسية، وإحالات رمزية، تجعل شخصيات الرواية تعي أزمتها الوجودية، فالسيدة تنحاز أولا إلى «لا وعيها الطبقي» فتعُّد الخرق تجاوزا وعنفا، مثلما تجعل من قرارها بالطرد عقابا على الخطيئة، قبالة ذلك نجد «نرجس» تعيش أزمة وجودها المطرود، من خلال تمرد ابنتها، وشغفها بلذة ذلك الخرق، الذي يحمل معه إرهاصا بأن «جيل خرق الحمامات» يمكن أن يكون تمثيلا للجيل الغاضب الذي قد يخرق تابوات السلطة والاجتماع والمقدس..
سقوط «الفيتشات» في الرواية وخرقها لا ينفصل عما يحدث في الحياة، ولا عن طبيعة التناقضات التي تعيش مفارقاتها، وعلى نحو تكون فيه هذه الثنائية هي الأقرب لتمثيل ثنائيات متشظية في الواقع، وفي السياسة، وفي إعادة توصيف التحيزات الطبقية، حيث يتحول الصراع بينها إلى خرقٍ متوالٍ، وإلى تصدع وجودي عميق، يمس الشخصيات والوقائع، والنظام الاجتماعي، وهوية «المرأة» المثقفة، التي ترى العالم من خلال تمثلات صادمة، اجتماعيا وطبقيا ودينيا، أو من خلال عوالم ديستوبية، تعيش الشخصيات سوداويتها وأزمتها عبر مظاهر العنف الاجتماعي والسياسي، وتصدع الأبنية المغلقة/ المؤسسات، التي تعيدنا إلى الخرق الطبقي، الذي حدث في «امبراطورية السيدة» والذي أسهم في تشظيتها، حيث متاهة الأم، وحيث أزمة الابن مع هويته ولغته، وحيث طرد «نرجس وابنتها» بوصفه طردا مركبا، أخلّ بالتوازن الداخلي للبيت، ولتمثيله الطبقي والاجتماعي.
قد تبدو الرواية مهووسة بفكرة «الذات الثقافية» في تمثيلها الطبقي والوجودي، لكنها في المقابل تجعلها تعيش قلقها الوجودي، إزاء هشاشة الواقع، وما يمور فيه من تحولات ومن صراعات، بعضها داخلي يتبدى من خلال ثيمة الفقد، وكسر إيقاع الرتابة الاجتماعية التي تعيشها في بيتٍ تُشّكل «الفيتشات» علاماته، وكذلك من خلال التناقض الذي تتعرّى من خلاله، بوصفها «ذاتا» متعالية، يحاصرها كثيرٌ من الزيف، وكثير من الأوهام التي تضعها إزاء قلق داخلي، قلق مواجهة الفقد، وقلق تمثيل «المثقف» لمفارقات وعيه، وهو يعيش علاقة مشوهة وخائنة مع الآخر، حيث أزمة التشظي الداخلي مع اليافطات التي ترفعها، ومع العاملين في «إمبراطوريتها» التي تُخفي عيوبا طبقية ونفسية، وتناقضات تُفقدها القدرة على تخطي زمنها «البيروقراطي» وذاتها الغاطسة في لا وعي طبقي واجتماعي مغلق، يدفعها إلى مواراة ذهابها إلى المركز الكنائسي، الذي سمته «سوق العبيد»، للبحث عن مساعدة منزل بديلة، تدفع أجرتها بالعملة الأجنبية، حيث يضم هذا المركز عددا من اللاجئين الأفارقة» الذين يعيشون واقعا مقموعا يسهل استغلاله، مع تشفيره في إحالة إلى هوية هذه «العمالة» المسحوقة، عبر دلالة المكان/ افريقيا، وعبر دلالة اللون/ السود، وبهذا تضعنا الروائية إزاء مساحة سردية تشتبك فيها أزمة الذات الساردة، مع أزمات الواقع، في صراعاته وتحولاته، وحتى في أسراره وخفاياه وتناقضاته..
الدرس ومفارقة التمثيل السردي
يكشف درس سرديات «ما بعد الكولونيالية» الذي تشتغل عليها «السيدة» عن مفارقة التمثيل السردي في الرواية، وعن علاقة هذا الدرس بنقد فكرة «التابع» الذي يبحث عن إشباعات وتعويضات نفسية، وهوياتية، فبقدر ما تعمد «السيدة» إلى تفكيك ذلك السرد في درسها، فإنها تبدو أكثر تناقضا مع التابع ذاته، حيث يتحول إلى «ضحيتها» لأنها لا تسمح له أن يُفكر، أو يتكلم أو يبرر «خرقه» خارج النسق الذي وضعته فيه، وعلى نحوٍ يتحول ذلك الخرق إلى خطيئة، وإلى مراوغة طبقية لا تخفي حمولتها العنصرية، عبر تمثيل هذه العلاقة من خلال محمولات باللغة واللون، والفيتشيات الأخرى التي تحولت إلى «عتبات» رمزية للمفارقة، ولمفهوم الخرق، ولما يتداعى فيها من كوابيس، ومن إشارات، جعلت منها الروائية مجالا لصياغة رؤى وأفكار انعكست على تنامى وحدات السرد، وعبر وضع «سيميائية العنوان» بوصفه موجّها ساخرا، ومفارِقا في تمثيل غرائبية الصراع الاجتماعي والثقافي، وحتى الطبقي، وعبر شخصيات تعيش المفارقة والاضطراب وهواجس الفقد، وحتى لحظة الخرق بوصفها لحظة وجودية فارقة في الرواية، وفي الواقع أيضا.
يمكن أن نعّد هذه الرواية اقتحاما جريئا لعالم غامض، ومغامرة تحمل معها هواجس البحث عن تمثيل سردي للمجتمع الثقافي، ونمطية «البيئة البورجوازية» المغلقة، التي يسقط قناعها بمجرد اصطدامها بحدثٍ ما، وهو ما تبدى من خلال حدث «طرد» مساعدة المنزل، إذ تحول إلى ضاغط نفسي لتعرية الهشاشة الطبقية، وللمخفي من عالم «إمبراطوية البيت»، حيث عمدت الساردة عبر لغة مكثفة إلى تشريح الذوات، عبر تقانة ترسيم حركة تحولاتها، وإسقاطاتها النفسية، والكشف عن العلاقات المتوارية مع «عمال المنازل» بوصفهم شريحة من عالم «الناس اللي تحت» كما سماهم نعمان عاشور..
كاتب عراقي