واشنطن- “القدس العربي”: أعلنت السلطات في ولاية كاليفورنيا، الإثنين، إسقاط التهم الجنائية بحق خمسة متضامنين مع فلسطين من جامعة ستانفورد، بعد أكثر من عامين من الملاحقة القضائية على خلفية احتجاج نُظم في الجامعة عام 2024، وذلك في قضية أثارت انتقادات بشأن استخدام الملاحقات الجنائية ضد نشطاء الحركة الطلابية المتضامنة مع فلسطين في الولايات المتحدة.
وبموجب الاتفاق الذي أبرمه مكتب المدعي العام في كاليفورنيا، روب بونتا، سيُسقط الاتهام إذا أكمل المتضامنون الخمسة، وهم طالب حالي وأربعة طلاب سابقين، 100 ساعة من الخدمة المجتمعية لكل منهم، إضافة إلى دفع تعويضات لجامعة ستانفورد تبلغ نحو 51,973 دولاراً، وقد أُفيد بأن مبلغ التعويضات دُفع بالفعل.
وكان المتضامنون الخمسة قد واجهوا اتهامات جنائية خطيرة، بينها التخريب الجنائي والتآمر للتعدي، بعد أن دخل متظاهرون في 5 يونيو/حزيران 2024 إلى مكاتب رئيس جامعة ستانفورد ونائبه، وأقاموا حواجز داخل المبنى واحتلوه لعدة ساعات، في احتجاج طالب الجامعة بمراجعة استثماراتها وعلاقاتها المرتبطة بإسرائيل والحرب على قطاع غزة.
وانتهت محاكمة المتضامنين الخمسة في فبراير/شباط الماضي إلى بطلان المحاكمة بعد عجز هيئة المحلفين عن التوصل إلى حكم، بدلاً من صدور إدانة أو براءة. وكان المدعي العام لمقاطعة سانتا كلارا، جيف روزن، قد أعلن عزمه إعادة محاكمة المتهمين، إلا أن محامي الدفاع طالبوا بإبعاده ومكتبه عن القضية، مشيرين إلى تصريحات له واستخدام القضية في جمع تبرعات لحملته الانتخابية، وربطها بمواجهة معاداة السامية. وفي مايو/أيار، قضت قاضية بإبعاد روزن ومكتبه بسبب تضارب في المصالح، وانتقلت القضية إلى مكتب المدعي العام في كاليفورنيا.
ويكتسب إسقاط التهم أهمية تتجاوز القضية نفسها، إذ جاء في وقت تصاعدت فيه حملة رسمية في الولايات المتحدة ضد النشاط المتضامن مع فلسطين، ولا سيما في الجامعات. وبينما تعود قضية ستانفورد نفسها إلى احتجاجات عام 2024 ولم تكن ملاحقتها من جانب إدارة الرئيس دونالد ترامب، فإنها تأتي ضمن مناخ أوسع شهد خلال إدارة ترامب الثانية استخدام سلطات الهجرة والأجهزة الفيدرالية ضد متضامنين مع فلسطين.
وفي أغسطس/آب الماضي، قضى قاضٍ فيدرالي بأن قوانين استخدمتها إدارة ترامب لإلغاء تأشيرات وبدء إجراءات ترحيل بحق طلاب أجانب بسبب نشاطهم المتضامن مع فلسطين وانتقادهم إسرائيل غير دستورية، وفق ما نقلته وكالة رويترز. وقال القاضي إن الإجراءات استهدفت التعبير السياسي في محاولة لقمع آراء تعتبرها الإدارة غير مرغوبة.
وكانت إدارة ترامب قد تعرضت كذلك لانتقادات ودعاوى قضائية بسبب احتجاز واستهداف متضامنين مع فلسطين، بينهم محمود خليل، الطالب السابق في جامعة كولومبيا، الذي سعت الإدارة إلى ترحيله بعد مشاركته في النشاط الطلابي المتضامن مع فلسطين. وفي يناير/كانون الثاني، أصدر قاضٍ فيدرالي أمراً حدّ من قدرة الإدارة على الانتقام من طلاب وأكاديميين على خلفية نشاطهم المتضامن مع فلسطين، واعتبر أن القضية تثير مسائل خطيرة تتعلق بالتعديل الأول للدستور وحرية التعبير.
وتكشف قضية ستانفورد، في هذا السياق، عن مسار مختلف انتهى بالتراجع عن الملاحقة الجنائية، بعد أن أمضى المتضامنون أكثر من عامين تحت تهديد السجن والمحاكمة. فقد واجه المتهمون الخمسة إمكانية السجن لسنوات، قبل أن تؤدي المحاكمة الفاشلة وإبعاد المدعي العام المحلي إلى انتقال الملف إلى سلطات الولاية التي اختارت في النهاية تسوية القضية بدلاً من إعادة المحاكمة.
وكانت تقديرات الأضرار التي أُثيرت في بداية القضية أعلى بكثير من قيمة التعويض النهائي. فقد تحدث الادعاء والجامعة في مراحل سابقة عن أضرار تتراوح بين 360 ألف دولار ومليون دولار، بينما انتهت التسوية الأخيرة إلى نحو 52 ألف دولار فقط للمتهمين الخمسة المتبقين.
وشهدت الجامعات الأمريكية خلال عام 2024 موجة واسعة من الاحتجاجات ضد الحرب الإسرائيلية الهمجية على غزة، أقام خلالها طلاب مخيمات واعتصامات، وطالبوا جامعاتهم بسحب الاستثمارات من شركات مرتبطة بإسرائيل أو بالحرب. وتقول وكالة أسوشيتد برس إن نحو 3200 شخص اعتُقلوا في الاحتجاجات الجامعية على مستوى الولايات المتحدة خلال ذلك العام، فيما انتهت غالبية القضايا الجنائية لاحقاً من دون إدانة.
ومن اللافت أن أحد المتضامنين الخمسة، الطالب في ستانفورد جيرمان غونزاليس، قال بعد التسوية إنه يستطيع الآن إكمال دراسته ومواصلة تنظيم النشاط من أجل فلسطين وسحب استثمارات الجامعات. وكان قد أكمل بالفعل جزءاً من خدمته المجتمعية من خلال المساعدة في تجهيز وإرسال مساعدات إنسانية إلى كوبا وتنظيم فعاليات للتثقيف السياسي حول التضامن الدولي.
وقالت إيمي زهاي، إحدى المتهمات، إن القضية أثرت في حياة المتضامنين، لكنها لم تُضعف دعمهم للشعب الفلسطيني. ونقلت عنها صحيفة Palo Alto Daily Post قولها إن محاولة إسكات الخطاب الداعم لفلسطين لم تحقق هدفها، وإن القضية قد تدفع مزيداً من الأشخاص إلى التعبير عن تضامنهم مع الفلسطينيين.
وفي المقابل، قالت وزارة العدل في كاليفورنيا إن التسوية تهدف إلى ضمان محاسبة المتهمين عن الأضرار التي لحقت بالجامعة، وإلزامهم بإصلاح الضرر من خلال الخدمة المجتمعية والتعويض المالي. كما أعلنت ستانفورد أنها لن تعترض على قرار المدعي العام للولاية، مؤكدة أن قرار كيفية إنهاء القضية أصبح من اختصاص مكتبه بناء على الأدلة التي جُمعت.
وتبرز القضية، في نهاية المطاف، التوتر المتصاعد في الولايات المتحدة بين حق الطلاب والنشطاء في الاحتجاج والتعبير عن مواقفهم بشأن غزة وفلسطين، وبين اتجاه السلطات إلى استخدام الإجراءات الجنائية أو قوانين الهجرة للرد على هذا النشاط. وفي الوقت الذي اتخذت فيه إدارة ترامب إجراءات اتحادية ضد بعض المتضامنين مع فلسطين، انتهت قضية ستانفورد، التي بدأت قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض، إلى إسقاط التهم الجنائية بعد محاكمة بلا حكم، وتسوية تقوم على الخدمة المجتمعية والتعويض بدلاً من إعادة المحاكمة.