إسرائيل تثري “قاموس الإبادة الجماعية”.. من الكناية إلى “الزواج من النظرة الأولى”


دانييل بيلتمان

في العام 1947، بعد سنتين على انهيار النظام الذي هدد حياته، نشر عالم اللغة الألماني – اليهودي فيكتور كليمبرر، كتاباً صغيراً بعنوان “لغة الرايخ الثالث”. لم يكتب كليمبرر الذي نجا من المحرقة بفضل زواجه من امرأة غير يهودية، عن معسكرات الإبادة أو فرق الموت التابعة لقوات الأمن الخاصة النازية (اس.اس)، بل كتب عن الكلمات. فقد جادل بأن النازية لم تتغلغل فقط من خلال الخطابات والملصقات في الشوارع، بل بشكل رئيسي من خلال تعابير استوعبها الناس دون وعي، مثل جرعات صغيرة من السم التي تتسرب إلى مجرى الدم. كلمات وعبارات وأنماط نحوية فرضت على الجماهير ملايين المرات، فتبنتها البشرية بشكل آلي ودون وعي. لقد كتب بأن السم لا يؤثر على الفور، بل يتراكم.

هذه مصطلحات يألفها الجميع تقريباً اليوم، لذلك يجب تذكرها. هاكم بعض الأمثلة: “المعاملة الخاصة”، وتعني القتل. “إعادة التوطين”، وتعني الإرسال إلى غرف الغاز. “الاعتقال الوقائي”، وتعني السجن في معسكر اعتقال دون محاكمة. “القتل الرحيم”، وتعني قتل المعاقين في برنامج القتل الرحيم. وحتى أشهر عبارة على الإطلاق “الحل النهائي للمسألة اليهودية”، صيغت بأسلوب بيروقراطي واضح: هناك مشكلة، وهناك حل، ولا وجود للجثث.

لقد أطلقت حنة ارنديت على هذه الآلية “تنظيم اللغة”. في تقاريرها عن محاكمة آيخمان، أوضحت بأن هذه المصطلحات المشفرة لم تكن تهدف فقط إلى إخفاء الجرائم عن العالم، بل تهدف بالدرجة الأولى إلى تمكين الجناة أنفسهم من مواصلة أفعالهم دون الحاجة إلى الكذب. فقد وفرت للقتلة كلمات ومصطلحات وأحكاماً يمكنهم التعايش معها.

هذه الظاهرة ليست حكراً على ألمانيا، ولم تنته مع سقوط الرايخ الثالث. فحتى قبل الإبادة الجماعية النازية، عرفت تركيا إبادة جماعية للأرمن في الحرب العالمية الأولى بأنها “نقل” أو “تهجير”، وهو مصطلح كان يعتبر مصطلحاً إدارياً.

في الأرجنتين تحت حكم الزمرة العسكرية الدكتاتورية، كانت رحلات الطيران التي يرمى فيها السجناء وهم أحياء في المحيط تسمى “نقلاً”، وكان يطلق على القتلى لقب “المختفين”، وهو لقب ساخر وقاس، وكأنهم تبخروا من تلقاء أنفسهم. وفي رواندا أطلق قتلة الهوتو على القتل اسم “عمل”، وعلى ضحايا التوتسي اسم “صراصير”.

وقد استخدمت مصطلحات مشابهة في الولايات المتحدة، لكل منها سياقها التاريخي الخاص. فمصطلح “الأضرار الجانبية” صاغه الجيش الأمريكي في حرب فيتنام، عندما كان ضرورياً تقييم عمليات قتل المدنيين دون ذكر أسمائهم. أما مصطلح “أساليب التحقيق المعززة” فقد ظهر في وثائق قانونية لإدارة جورج دبليو بوش بعد هجمات 11 أيلول، للسماح باستخدام التعذيب دون ذكر كلمة “تعذيب” صراحة، وبالتالي استبعاد تعريفه كجريمة.

وفي مقاله المشهور “السياسة واللغة الإنجليزية” (1946)، جادل جورج أورويل بأن اللغة السياسية مصممة لجعل الأكاذيب تظهر وكأنها حقائق، والقتل يظهر وكأنه عمل مشرف. وقد بين باحثون بعد ذلك كيف يلعب تركيب اللغة دوراً أيديولوجياً. فاستخدام الفعل المبني للمجهول يخفي منفذي الجريمة، ولا يبقي إلا على الضحايا (“قتل فلسطينيون”). الأفعال التي لا فاعل لها (التي تسمى الأفعال غير السببية)، تحول الحدث إلى عملية حدثت من تلقاء نفسها، مثل حدث مناخ (“نشبت صراعات”، “حدث تصعيد”). التمييز بين “نحن” و”هم” ينشئ تقسيماً ثنائياً سطحياً، “خير” و”شر”. توصف أفعالنا بلغة النوايا والظروف (“فشل استخباري” و”أصيب بالخطأ”). في حين توصف أفعالهم بلغة الصفات (“متعطشون للدماء”، و”يحملون كراهية شديدة”).

جادل جورج أورويل بأن اللغة السياسية مصممة لجعل الأكاذيب تظهر وكأنها حقائق، والقتل يظهر وكأنه عمل مشرف

لقد ميز ستانلي كوهين في كتابه “حالات الإنكار” (2001) بين الإنكار اللفظي (“لم يحدث”) والإنكار التأويلي الذي لا ينكر الواقع، بل ينكر معناه. صحيح، مات أشخاص، لكن هذه ليست مذبحة أو جريمة قتل، بل حدث. هذا ليس احتلالاً، بل وضع. هذه ليست عملية ترحيل، بل عملية إخلاء. ولا يوجد مثال أوضح على ذلك من العبارة الصادمة “التشجيع على الهجرة الطوعية”. فالدولة التي دمرت معظم بيوت قطاع غزة، وقطعت عنه الغذاء والماء والكهرباء والأدوية، ومنعت إعادة تأهيله، وشردت مليون شخص عدة مرات، تنشئ إدارة خاصة في وزارة الدفاع للتشجيع على الهجرة. وتقدم “حزمة مساعدات” و”طرق خروج” وتعلن أن عدداً كبيراً من السكان “يهتمون” بالهجرة.

هذا تلاعب بالألفاظ، لا يخفي الترحيل، بل يقلبه رأساً على عقب. يصبح المجرم مقدم خدمة، ومن يتم ترحيله هو زبون، والتطهير العرقي يخضع لإدارة لها اسم وميزانية. وتفترض كلمة “طوعية” وجود إرادة حرة، لكن هذه الإرادة (إذا وجدت أصلاً) هي نتيجة الإبادة والدمار. تنشأ ظروف يستحيل العيش فيها، بعد ذلك يصور الهرب منها وكأنه خيار. بالمناسبة، توظف المفردات الليبرالية التي توحي بحرية التنقل والاختيار الشخصي لخدمة الهندسة الديمغرافية. والتعبير المخفف، مثلما هي التعابير المخففة، هو بحد ذاته اعتراف. وقد أطلق البعض على هذه الهيئة الاسم الحقيقي، “إدارة الترانسفير”. وهذا هو الاسم الصحيح، ولكن يتهم تجاهله في وسائل الإعلام وفي الخطاب العام المتعالي.

تمتلك وسائل الإعلام في إسرائيل اليوم قاموساً لغوياً كاملاً وناجعاً ومصقولاً بدرجة كبيرة، مهمته غرس التعبير المخفف في ذهن الإسرائيليين للتغطية على الجرائم التي ترتكبها الدولة. فالمذابح الجماعية في غزة تصنف تحت اسم “العمليات العسكرية”. أما تدمير أحياء بأكملها فيسمى “قص العشب” أو “تسوية الأرض”، وهي صور مستعارة من عالم الحدائق والبناء. وعمليات الاغتيال المركزة من الجو التي تسبب عشرات القتلى الأبرياء تصنف بـ “إحباط”، وهو مصطلح من عالم الاستخبارات، ويعني منع شر أكبر. وتسمى المنطقة التي لا تزال تتعرض للقصف (مثل منطقة المواصي) بـ “منطقة إنسانية”. وعندما يتبين قتل مدنيين أبرياء، بما في ذلك أطفال، يتم استخدام أوصاف غامضة مثل “قتلوا في المعركة”، “عثر عليهم قتلى”، “تم الإبلاغ عن موتهم”. وعندما يتعلق الأمر بقتل إسرائيلي واحد، نعرف اسمه وعمره ومدينته ووالده ووالدته وزوجته وأولاده، أما عندما يتم قتل عشرات الفلسطينيين فلا نعرف إلا العدد، وأحياناً مصدر التقرير، حسب وزارة الصحة في غزة، مع ما هو مفهوم ضمناً، وهو أن المعلومات لا يمكن تصديقها أصلاً.

في الشهر الماضي، دخلت مجموعة من الإسرائيليين إلى محيط قرية تل، قرب مسجد القرية. وحسب التقارير الإخبارية، وصفوا بأنهم “متنزهون”، وليسوا مستوطنين أو حشداً قاتلاً أو حتى مجموعة جاءت من محيط بؤرة “حفات جلعاد” الاستيطانية. فقط “متنزهون”، وهي كلمة توحي بنزهة عائلية صباح السبت. تصف هذه الكلمات المتسللين بأنهم مجموعة أبرياء خالصين. فمن غير المؤكد أن شخصاً خرج للتنزه هو من يبدأ العنف. وعندما تستمر الكلمات “واجهوا فلسطينيين قاموا بمهاجمتهم” يكون المشهد كله قد اكتمل. كانت نزهة في الطبيعة، وكان هناك مسار ومتنزهون هادئون يوم السبت، فجأة، اندلع عنف من قبل قتلة فلسطينيين.

في الواقع، منذ أيام كثيرة أصبح معروفاً حدوث سلسلة من الاقتحامات الموثقة التي شنها مستوطنون مسلحون على قرى فلسطينية في المنطقة، مثل: فرعتا، وجت، ومادما، وجالود. وتجري محاولات من قبل السكان الفلسطينيين لوقفهم. هناك في المواجهات في قرية تل قتل أربعة أشخاص من نفس العائلة، عائلة رمضان، إضافة إلى شخص من فرقة الطوارئ في مزرعة “حفات جلعاد” وضابط في الجيش الإسرائيلي. وقد تم وصف الضحايا من الطرف الإسرائيلي بالتفصيل، بما في ذلك الأسماء والعمر والعنوان والخلفية العائلية. أما الضحايا من الطرف الفلسطيني فقد وصفوا في معظم وسائل الإعلام بصفة واحدة: “إرهابيون”. هذا مصطلح عام يطلق بأثر رجعي، بعد حدوث جريمة قتل، على أي فلسطيني يؤذي يهودياً، حتى لو كان ذلك في محاولة للدفاع عن بيته وعائلته من زعران يهود مسلحين. بعد ذلك، يأتي الوصف المألوف، الذي يعتبر بحد ذاته، تبريراً بأثر رجعي، “لقد تم القضاء على الإرهابي”. التعريف يسبق التوضيح، بل ويجعله غير ضروري.

لو كان المشهد معكوساً، ودخلت مجموعة من الفلسطينيين المسلحين إلى محيط مستوطنة إسرائيلية في صباح السبت ووصلت إلى منطقة كنيس وواجهت السكان، هل كان أحد في النشرات الإخبارية سيصفهم بـ “المتنزهين”؟ هل كان السكان الذين خرجوا لصدهم سيوصفون بـ “الإرهابيين”؟

هذا بالتحديد ما قصده عالم الاجتماع بيير بورديو عندما تحدث عن “العنف الرمزي”. هذا لا يعتبر كذبة قرر شخص ترويجها، أو توجيهاً صدر من أعلى، بل أنماط فكرية ترسخت فينا إلى درجة أن المصنِف والمصنَف يوافق عليها كأمر طبيعي. وأن محرر الأخبار الذي يكتب “متنزهون” أو “إرهابيون” لا يشعر بأنه ينتقي كلمة، بل يصف واقعاً. هذه هي قوة العنف الرمزي. لا يحتاج إلى تطبيق إداري لأنه تم دمجه بالفعل في مفرداتنا.

إن الآلية اللغوية التي وصفها كليمبررر موجودة في أي مجتمع يرغب في الاستمرار في فعل شيء يعرف مسبقاً أنه لا يستطيع تسميته باسمه الحقيقي. فالكناية ليست زينة فحسب، بل بنية أساسية. هي ما يسمح للمواطن العقلاني والأخلاقي بمشاهدة نشرة الأخبار والقول “ما يحدث هناك أمر فظيع”، بعد ذلك الانتقال إلى الحلقة التالية من برنامج “الزواج من النظرة الأولى” أو “الرقص مع النجوم”، دون أن تضعضع أي كلمة استقراره النفسي.

مع ذلك، الخطيئة الكبيرة لا تقتصر على وسائل الإعلام التي تدعي الصواب المطلق، بل تشمل أيضاً المعارضة التي تبنت نفس المفردات. إن يئير غولان، الذي تجرأ ذات مرة على تحطيم الجمود بقوله إن “الدولة العقلانية لا تقتل الأطفال كهواية”، تعرض إلى إدانة عامة، وسارع إلى التوضيح والتبرير والاعتدال. ويبدو أن الدرس الذي تعلمه غولان لا يتعلق بحدود الانتقاد، بل بحدود مفرداته. فمن الجائز مهاجمة سير الحرب أو ما يحدث في المناطق المحتلة، لكن محظور تسمية النتائج باسمها الحقيقي.

يجسد غادي آيزنكوت، المرشح البارز الآن في معسكر المعارضة، نفس المبدأ بطريقته الخاصة؛ فهو يطالب بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في حرب 7 أكتوبر وتحمل المسؤولية الشخصية، لكنه لا يكاد يشير إلى عنف المستوطنين في الضفة الغربية أو إدارة “الهجرة الطوعية”. لا يمكن تفسير هذا الصمت بأنه فقط تكتيكاً انتخابياً، بل له دلالة تاريخية عميقة. فعندما يتحدث من يدعون تقديم بديل للحكومة بلغة الحكومة نفسها، لن يكون التلطيف حينئذ دعاية لمعسكر واحد، بل يصبح الوصف الوطني. وفي هذه الحالة، ستتم صياغة دور لجنة التحقيق الرسمية، إذا شكلت أصلاً، بنفس الكلمات، ولن تتمكن من استخلاص استنتاجات دقيقة حول حدث لم يتم تعريفه قط باسمه الحقيقي، “الإبادة الجماعية”.

الدور النقدي الوحيد الذي بقي لنا كمستهلكين للإعلام، من الذين ما زالوا يؤمنون بنقاء اللغة والقيم الإنسانية، هو دور التفسير؛ فعندما نسمع تقريراً عن حدث نتساءل من فعل ماذا بمن. وعندما نسمع عن “متنزهين” نتساءل من أين جاءوا؟ وما السلاح الذي كانوا يحملونه؟ وعندما نسمع أن هناك أشخاصاً “قتلوا”، نتساءل من الذي قتلهم؟ وعندما نسمع كلمة “إرهابي”، نتساءل من الطرف العنيف بالتحديد؟ وعندما نسمع عن عمليات عسكرية في غزة، نحاول فهم ما يحدث بالضبط للضحايا الأبرياء، المكشوفين في الخيام، الذين أضعفهم وابل القنابل التي تسقط عليهم من الجو.

كليمبررر كتب أن الكلمات المسممة تسربت إلى دمه، وهي تتسرب إلى دمائنا أيضاً. ولكن ما زال يمكننا اختيار الكلمات الصحيحة بدلاً منها، وهذا هو تقريباً الشيء الوحيد الذي بقي لنا لنفعله في الوقت الحالي.

هآرتس 9/8/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *