إزرا باوند: القصيدة والبنوّة


السيدة ماري دي راشويلتز (1925 ـ 2026) غادرت عالمنا مؤخراً بعد أن صرفت ما لا يقلّ عن 80 سنة من عمرها المديد في تفانٍ شبه مطلق لمهمّة كبرى نبيلة وشبه وحيدة: إنصاف، وتبييض صفحة، وتثمين، وترجمة أبرز (والأحرى القول: أجمل وأصعب) قصائد الشاعر الأمريكي إزرا باوند (1885 ـ 1972). وليس هذا لأنه كان، في نظرها، أحد أعظم شعراء اللغة الإنكليزية على امتداد القرن العشرين فحسب؛ بل لأنه، أوّلاً وقبلئذ، كان أبوها الفعلي، من ولادة خارج نطاق الزواج مع أولغا رَج عازفة الكمان الأمريكية، وملهمة باوند الأرفع مكانة كما يجمع دارسوه وكتّاب سيرته.
وإذا جاز الافتراض بأنّ حكاية دي راشويلتز مع أبيها ليست مألوفة، أو لعلها نادرة أيضاً، في علاقة البنات والأبناء بما خلّف الأمهات والآباء من آداب، خاصة إذا كان إرثاً شعرياً عبقرياً واستثنائياً؛ فإنّ هذا الرباط بكتسب سلسلة معقدة من مضاعفات بالغة الحساسية، إذا كان الأب شاعراً كبيراً من جهة أولى، وإشكالياً في مواقفه السياسية (المتعاطفة مع الفاشية وشخص بنيتو موسوليني) من جهة ثانية. بذلك فإنّ مهمة الابنة لم تقتصر على ترجمة أشعار أبيها إلى اللغة الإيطالية، وتنظيم المؤتمرات والملتقيات المكرسة لدراسة منجزه الشعري والتنظيري الزاخر؛ بل انهمكت بشجاعة أخلاقية في شرح الأسباب الواقعية التي وقفت خلف خياراته السياسية المختلَف عليها.
كتاب المذكرات، الذي أصدرته سنة 1971 تحت عنوان «استنسابات»، يندرج بدوره في إطار من التجانس التكاملي بين الاستكشاف والاستذكار، أو العكس في الواقع؛ إذْ تمتزج في فصوله أطوار البحث عن الذات، منذ الولادة والترحيل عن كنف الوالدين إلى أسرة فلاحية في تيرول الإيطالية، والنشأة تحت وطأة الحروب والمذاهب والمتغيرات التي عصفت بأوروبا، واللحاق بالأب في فينيسيا، وترحيله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الخيانة؛ وصولاً، في فصول لاحقة، إلى الزواج سنة 1946 من بوريس راشويلتز، الكاتب وعالِم المصريات الإيطالي من أصول روسية.
أمّا في تذييل الطبعة الثانية من الكتاب، التي صدرت سنة 1975 وشهدت تبدّل العنوان إلى «استنسابات: إزرا باوند الأب والمعلّم»؛ فتكتب راشويلتز: «المعاناة تحدث كذلك كي تدفع الناس إلى التفكير. الآن وقد تذكّرتُ للمرّة الأولى ما يستحق الاستذكار، فمن الصعب، بعد أن عشتُ أكثر من خمسين سنة مع كلمات إزرا باوند، أن أكتب نصاً جديداً من تأليفي». وليس هذا البوح عاطفياً فقط، ما دام أصلاً يصدر عن ابنة محبّة لأب معذَب؛ بل هو أوّلاً شهادة من كاتبة، شاعرة، ومترجمة بارعة نقلت إلى الإيطالية عشرات من أبهى قصائد أب/ شاعر كبير/ رائد.
وضمن اشتراطات منطق تعميمي، صوري تارة وصائب تارة أخرى ليس من دون تبسيط ملازم في كلّ حال، قد تُصرف حكاية راشويلتز مع باوند بناء على افتراضات، بعضها يرقى إلى سوية المسلمات؛ من هذا الطراز مثلاً: 1) وفاء من ابنة لأبيها، يُسقط من الحساب ذلك البُعد الأخلاقي المتمثل في أنه روّج صراحة للفاشية؛ أو 2) صحيح أنه أخطأ سياسياً وربما فكرياً، ولكنه شاعر كبير ومن الإنصاف ألا يُقرأ شعره على خلفية الولع بالفاشية فقط، خاصة وأنه لم يكتب سطراً شعرياً واحداً في امتداحها؛ أو 3) هل يجوز إغفال ضغوطات السياسة المباشرة، خلال حرب عالمية ثانية، تحت تأثير بنوّة من طراز أثير، قد تنطوي على ترجمة قصيدة كما حنوّ على أب؟
لكلّ امرئ ما يشاء في الانحياز إلى أيّ من هذه الافتراضات، أو إلى سواها ممّا تكاثر خصوصاً بعد قرار السلطات الأمريكية (بتنسيق فريد بين جون إدغار هوفر عن «مكتب التحقيقات الفدرالي» وفرنكلين روزفلت عن البيت الأبيض!) إحالة باوند إلى مصحّ عقلي، قبيل محاكمته بتهمة الخيانة العظمى. خيارات راشويلتز، الابنة، لم تكن واسعة إلى هذه الحدود، بل الأحرى التفكير في أنها لم تكن تملك سوى واحد حصري؛ أقرب إلى معادلة ثنائية، شاقة عسرة بقدر ما هي ملحّة واجبة: مزاوجة الوفاء لأناشيد الأب وقصائده العظيمة، مقابل الإقامة الدائمة تحت ضغوطات تخوينه ومحاكمته؛ وما خلاصات تلك المعادلة وثمارها، أي أفراحها مثل أتراحها، سوى مثوبة نبيلة أضاءت القصيدة كما أغنت البنوّة.
يبقى أن تعيد هذه السطور الالتزام، مجدداً، بقناعة ترى في باوند شاعراً كبيراً من طراز فريد، في ما يخصّ مهارات كتابة الشعر من جهة، ومهارات التجريب فيه والتنظير له من جهة ثانية؛ فضلاً، بالطبع، عن مكانته كناقد مثقف متمرّس لم يكن نفر من أعظم شعراء الإنكليزية في مطالع القرن الماضي (أمثال الإرلندي و. ب. ييتس، والأمريكي ت. س. إليوت) يترددون في تسليمه قصائدهم، ليُعمل فيها ما شاء من تصحيح وحذف وتبديل.
وتلك «الحرب الباردة»، التي دارت حول شعر باوند، منذ فترة مبكرة في حقبة ما بين الحربين الكونيتين، نجحت في تعتيم فادح على إنجازات شخصية كانت الأشدّ تأثيراً في تيّارات الحداثة وشخوصها على امتداد القرن العشرين بأسره. وبذلك فإنّ جهود راشويلتز تتجاوز وفاء ابنة لأبيها، إذْ تقيّم قسطاً من اعوجاج فظيع حاق به وفُرض عليه، بقليل من حقّ وكثير من باطل.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *