أوري عراد
في حرب أكتوبر أجبرت على ترك طائرتي والهبوط بالمظلة في قلب دلتا النيل. تجمع حولي حشد غاضب من القرويين وهددوا بالفتك بي. من أنقذني من الفتك كان على الأرجح مصطفى الجميلي، وهو مسلم متدين، أنقذني في اللحظة الأخيرة من قبضة هذا الحشد، وأخذني مع أولاده إلى بيته القريب وحماني حتى تم تسليمي للجيش المصري. وأنا أدين له بحياتي.
تذكرت الجميلي عندما فكرت بالمواطنين العرب في البلاد الذين لم يترددوا، في 7 أكتوبر، بالمخاطرة بحياتهم ودخلوا أتون الحرب لإنقاذ اليهود. لم يكن عليهم أن يهبوا للدفاع عن الصهيونية، ولم يطلبوا التصفيق لهم. لقد أنقذوا أرواحاً وأظهروا ماذا يعني التضامن الإنساني.
حتى في الحياة اليومية يعتبر المواطنون العرب جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الإسرائيلي في معظم مجالات الحياة (يمكن تحسين تمثيلهم وفرص عملهم في كل هذه المجالات). مع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالسياسة فإن الاستبعاد شبه تام، وليس فقط من قبل اليمين المتطرف، الذي لم يعتبر خمس مواطني البلاد شركاء شرعيين في السلطة. حتى السياسيون الذين يعرفون أنفسهم بأنهم وسط أو يمين ليبرالي يعارضون مشاركة الأحزاب العربية في أي ائتلاف.
حتى في الحياة اليومية يعتبر المواطنون العرب جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الإسرائيلي في معظم مجالات الحياة (يمكن تحسين تمثيلهم وفرص عملهم في كل هذه المجالات). مع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالسياسة فإن الاستبعاد شبه تام
ثمة نفاق في الادعاء بأن حزباً غير صهيوني لن يكون شريكاً في الحكومة، لأن الأحزاب الحريدية ليست صهيونية، ولا أحد يفكر في استبعادها لهذا السبب. عندما يتعلق الأمر بالحريديم يمكن إجراء مفاوضات لتشكيل ائتلاف. أما عندما يتعلق الأمر بالعرب فهذا غير مشروع. هذا استبعاد على أساس الدين والجنسية، وهو ما يتعارض مع إعلان الاستقلال – هذا عنصرية بحد ذاتها.
لقد أثارت مذبحة 7 أكتوبر مشاعر الكراهية والانتقام ضد العرب أينما كانوا. لكن من يغذي الكراهية والعنصرية هم السياسيون والإعلاميون. إن عبارات مثل “لا يوجد أبرياء في غزة” و”كل طفل إرهابي محتمل”، واقتراحات لتدمير غزة وتنفيذ نكبة ثانية، قيلت علناً ودون خجل. لقد أصبح تجريد الفلسطينيين من الإنسانية أمراً شائعاً، واستقبلت المحاولات النادرة لإثارة نقاش أخلاقي بالازدراء، بل ووصفت في أغلب الأحيان بالخيانة والهرطقة.
العنصرية صفة بشرية متأصلة، تزدهر في أوقات الحرب، وموجات الهجرة والأزمات الاقتصادية. أحياناً، يكون لها طابع أيديولوجي أو ديني، وفي أحيان أخرى يتبناها سياسيون شعبويون. لكن ما يميز المجتمعات الظلامية عن المجتمعات المتنورة هو مدى استخدام العنصرية كأداة سياسية مشروعة ومدى تغلغلها في البنية المؤسسية. عندما تصبح العنصرية سياسة فإنها ستؤدي في النهاية إلى أحداث دمار وخراب في المجتمع. هذا ما حدث في الولايات المتحدة التي خاضت حرباً أهلية دموية بسبب العبودية؛ وهكذا انهارت جنوب إفريقيا بسبب نظام الفصل العنصري، وهكذا تم تدمير ألمانيا عندما دفعتها الأيديولوجيا العنصرية إلى ارتكاب أفظع إبادة جماعية في تاريخ البشرية.
في إسرائيل اليوم بنية أيديولوجية دينية تحت شعار “أنت اخترتنا”، تتشاركها حركة “قوة يهودية” و”الصهيونية الدينية” والأحزاب الحريدية وجزء من حزب الليكود. يستخدم نتنياهو التحريض على الكراهية ضد العرب كأداة سياسية انتهازية: هو الذي حشد ناخبيه يوم الانتخابات بادعاء أن العرب يتدفقون إلى صناديق الاقتراع، ويحاول الآن الاحتفاظ بمؤيديه الملطخين بالعنصرية ومنع تشكيل حكومة كتلة التغيير بدعم من الأحزاب العربية، التي قد ترجح كفة الميزان.
منذ أن أصبحت العنصرية عنصراً مشروعاً في السياسة تم اجتياز كل الحدود. لقد تم تعيين شخص كهاني واضح في منصب وزير الأمن القومي، وانحدر المجتمع العربي إلى الإهمال والعنف والجريمة؛ وكانت العنصرية وراء الانقلاب النظامي الذي أراد إخضاع نظام القضاء للحكومة للتمكين من التطهير العرقي في المناطق المحتلة. العنصرية هي التي تسهل حدوث المذابح في المناطق المحتلة بشكل روتيني، وهي الدافع وراء كل ميزانية تحول الأموال من مجتمع مهمش ومستضعف إلى قطاعات أقل حاجة إليها.
نتنياهو هو من حول العنصرية إلى سياسة حكومية، وإذا أرادت أي من عناصر المعارضة التي تعتبر نفسها قادة في الكتلة تقديم بديل لحكمه فعليها أن تفعل عكس ما فعله نتنياهو بالضبط. يجب أن تكون الخطوة الأولى هي تطهير قرارات الحكومة من نزعة التفوق اليهودي التي التصقت بها، والعودة إلى سياسة الاندماج والتقدم التي اتبعتها حكومة التغيير، لم تكن مثالية ولكنها كانت أفضل بكثير من الحكومة الحالية. ويمكن للحكومة القادمة أن تفعل ذلك أيضاً.
أحياناً، تشكل الأزمات الكبيرة فرصة للتغيير وتفكيك النماذج البالية. لا يمكننا الاستمرار في الاحتفاظ باسم الديمقراطية عبثاً. لقد حان الوقت لاستبدال الاغتراب بالشراكة، ليس بدافع الضعف أو كمجاملة نقدمها للمواطنين العرب. علينا ترسيخ المساواة كقيمة عليا وإشراك ممثلين عن المجتمع العربي في السلطة. أولاً، لأن هذا هو الصواب بعينه، فهم يشكلون خمس مواطني الدولة. ثانياً، لأنه الخيار الأمثل لكل المجتمع الإسرائيلي.
لا يحتاج المواطنون العرب في إسرائيل، الذين يعانون من التهميش والتمييز، إلى إثبات الولاء لنيل حقوقهم المتساوية، ولسنا بحاجة إلى انتظار 7 أكتوبر آخر لمحاسبتهم. يمكننا التوقف اليوم عن المطالبة بإثبات إسرائيليتهم. يمكننا الوقوف إلى جانب الأطباء الذين يعانون من العنصرية، وسائقي الحافلات الذين يتعرضون للعنف، وإدانة من يعتدي عليهم. ويمكننا الآن السعي إلى شراكة حقيقية حتى في الساحة السياسية.
هآرتس 25/8/2026