تمر العقيدة العسكرية العالمية بتمفصل تاريخي غير مسبوق؛ إذ لم تعد القوة الصلبة للجيوش تُقاس بحجم الأساطيل التقليدية أو ضخامة الترسانات المأهولة، بل بمدى القدرة على دمج البرمجيات، والبيانات، والأنظمة ذاتية التشغيل في قلب عمليات الاستشعار واتخاذ القرار.
تكشف بيانات مؤشر السلام العالمي 2026، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام، عن تحول هيكلي حاد في طبيعة النزاعات المسلحة حول العالم. فلم تعد الطائرات المسيّرة مجرد أدوات إسناد تكتيكية، بل أصبحت من المحددات الأساسية لطبيعة المواجهات الحديثة. فقد ارتفع عدد هجمات الطائرات المسيّرة المسجلة عالمياً من 364 هجوماً فقط في عام 2018 إلى أكثر من 42 ألف هجوم في عام 2025، أي بزيادة تقارب 115 ضعفاً خلال سبع سنوات، بمشاركة أكثر من 565 جهة وفصيلاً مسلّحاً وجيشاً نظامياً في استخدام هذه التقنيات. ورغم أن جانباً كبيراً من هذه الزيادة يرتبط بالنزاعات الكبرى الراهنة، فإن المؤشر لا يقرأ هذه الأرقام بوصفها مجرد ارتفاع في استخدام الطائرات المسيّرة، بل باعتبارها دليلاً على انتقال الحروب إلى مرحلة جديدة تتراجع فيها أهمية المنصات العسكرية التقليدية لصالح أنظمة شبكية تعتمد على البيانات، والمستشعرات منخفضة التكلفة، والبرمجيات، والذكاء الاصطناعي.
ولا يعني ذلك أن جميع هذه الطائرات تعمل بصورة ذاتية كاملة أو أن الذكاء الاصطناعي يتخذ قرارات إطلاق النار بمعزل تام عن البشر، إلا أن الاتجاه العام ينزع بوضوح نحو تقليص الاعتماد على العنصر البشري في حلقة اتخاذ القرار؛ فالمسيّرات أصبحت أكثر عدداً، وأقل تكلفة، وأكثر قدرة على العمل في بيئات معقدة. فقد أصبحت المسيّرات الانتحارية الخفيفة، التي لا تتجاوز تكلفة الواحدة منها بضع مئات من الدولارات، قادرة على إعطاب وتعطيل منصات عسكرية ثقيلة تصل قيمتها إلى ملايين الدولارات. وفي الوقت نفسه، تقلص الزمن الفاصل بين اكتشاف الهدف وتنفيذ الهجوم من نحو يوم كامل في بعض العمليات التقليدية إلى ثوانٍ معدودة في بعض الأنظمة الحديثة المزودة بخوارزميات الاستشعار والتوجيه التلقائي. ولم يعد التنافس العسكري يدور حول امتلاك عدد أكبر من الطائرات أو الآليات، بل حول امتلاك منظومات أسرع في جمع البيانات وتحليلها واتخاذ القرار.
هذا التحول يتجلى في تحول ساحات القتال الحديثة إلى مختبرات مفتوحة لتطوير الطائرات المسيّرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي والتكيف مع تقنيات الحرب السيبرانية الكثيفة. فمع تزايد فاعلية أنظمة التشويش وتشتيت إشارات البث الفضائي والتحكم الراديوي، تتجه الجيوش ومصنعو الأسلحة عالمياً نحو دمج تقنيات الرؤية الحاسوبية والتوجيه الذكي والملاحة المستقلة المعتمدة على معالجة التضاريس والأهداف محلياً على متن الطائرة دون الحاجة إلى اتصال خارجي، إلى جانب تطوير جيل جديد من المسيّرات ذاتية التشغيل والقادرة على العمل ضمن أسراب متكاملة تنسق فيما بينها آلياً.
إن هذا التطور العميق يعيد تشكيل مفهوم السيطرة الميدانية واستراتيجيات الردع العسكري؛ إذ أصبحت السرعة الخوارزمية، والدقة المتناهية، واستقلالية القرار الرقمي هي معايير القوة الحقيقية التي ترسم خارطة الصراعات الدولية في القرن الحادي والعشرين.
وإذا كانت الحرب الروسية الأوكرانية قد تحولت إلى أكبر مختبر عالمي لتطوير المسيّرات والذكاء الاصطناعي العسكري، فإن أهميتها لا تقتصر على ما يجري في شرق أوروبا، بل على الدروس التي تقدمها لبقية دول العالم. فقد أصبح واضحاً أن المسيّرات لم تعد مجرد سلاح جديد يضاف إلى الترسانة العسكرية، بل تمثل تحولاً في فلسفة الحرب نفسها، وفي العلاقة بين الإنسان والخوارزمية، وبين الكلفة العسكرية والفاعلية القتالية. ومن هنا، فإن دراسة هذه الظاهرة لم تعد شأناً عسكرياً تقنياً فحسب، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لكل دولة تسعى إلى فهم شكل الصراعات المقبلة والاستعداد لها.
أصبح واضحاً أن المسيّرات لم تعد مجرد سلاح جديد يضاف إلى الترسانة العسكرية، بل تمثل تحولاً في فلسفة الحرب نفسها، وفي العلاقة بين الإنسان والخوارزمية
إن اتجاهات الإنفاق العسكري الراهنة تشير إلى أن سباق المسيّرات لم يعد مقتصراً على تطوير الطائرات نفسها، بل بات يترافق مع سباق موازٍ وأكثر كلفة لتطوير وسائل اكتشافها واعتراضها وتعطيلها. ففي الوقت الذي بلغ فيه الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.9 تريليون دولار عام 2025، تتجه حصة متزايدة من الاستثمارات الدفاعية نحو الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية ومنظومات مكافحة المسيّرات. وتكشف الموازنة الأمريكية وحدها حجم هذا التحول، إذ خُصص في طلب موازنة 2026 نحو 3.1 مليار دولار لمواجهة الطائرات غير المأهولة، بالتوازي مع استثمارات أوسع في الأنظمة الذاتية وغير المأهولة.
ويعكس ذلك مفارقة جديدة في اقتصاد الحرب الحديثة؛ فانتشار المسيّرات منخفضة التكلفة لا يؤدي بالضرورة إلى خفض كلفة الحروب، بل قد يدفع الخصوم إلى إنفاق موارد أكبر على اكتشافها واعتراضها وحماية القوات والمنشآت منها. وهكذا ينشأ سباق تسلح مزدوج: سباق لتطوير مسيّرات أكثر عدداً وذكاءً واستقلالية، وسباق مضاد لبناء دفاعات تستطيع مواجهتها بكلفة مقبولة. ومن هنا تتزايد أهمية المسيّرات باعتبارها أحد المكونات المركزية للقوة العسكرية المستقبلية، ليس فقط لقدرتها الهجومية، وإنما لما تفرضه على الخصم من أعباء مالية وتقنية وعملياتية متزايدة
عربياً، فإن التحدي لا يقتصر على امتلاك الطائرات المسيّرة، بل يمتد إلى بناء منظومة متكاملة تشمل البحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، والإلكترونيات، والبرمجيات، والحرب الإلكترونية، والتصنيع المحلي، بما يسمح بتطوير قدرات مستقلة لا تعتمد على الاستيراد وحده. فالتجارب الإقليمية، وفي مقدمتها إيران وتركيا وإسرائيل، تظهر أن التفوق في هذا المجال لا يرتبط فقط بحجم الإنفاق العسكري، وإنما بوجود رؤية طويلة المدى تستثمر في الابتكار، وتربط بين الجامعات والصناعة والمؤسسات العسكرية، وتحول التكنولوجيا إلى عنصر دائم في معادلة القوة الوطنية.
تأسيساً على ما تقدم فإن المنافسة العسكرية العالمية اليوم تتجه إلى ساحات جديدة، تبدأ من المختبرات الجامعية ومراكز البحث العلمي قبل أن تصل إلى ميادين القتال. فالدول التي تتصدر سباق المسيّرات والذكاء الاصطناعي لم تبنِ تفوقها في المصانع العسكرية وحدها، بل استندت إلى منظومة متكاملة تجمع الجامعات، ومراكز الابتكار، والشركات التقنية، والمؤسسات الدفاعية. لذلك، فإن مستقبل الأمن القومي العربي لن يرتبط فقط بامتلاك الطائرات المسيّرة، بل بامتلاك المعرفة العلمية والهندسية التي تقف خلف تصميمها وتطويرها وتشغيلها. ويقتضي ذلك التفكير في استحداث تخصصات جامعية استراتيجية في هندسة الطائرات المسيّرة والأنظمة ذاتية التشغيل، وربطها ببرامج الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والإلكترونيات، وأنظمة الاتصالات، والحرب الإلكترونية، وعلوم البيانات. فبناء قاعدة وطنية من المهندسين والباحثين القادرين على تطوير هذه التقنيات أصبح جزءاً من منظومة الأمن القومي، وليس مجرد خيار أكاديمي. وفي ظل التحولات المتسارعة في طبيعة الصراعات، فإن الدول التي ستكتفي باستيراد المسيّرات ستظل رهينة للتكنولوجيا التي ينتجها الآخرون، بينما ستكون الأفضلية للدول القادرة على إنتاج المعرفة وتطويرها وتحويلها إلى قوة استراتيجية مستدامة.. فهل نحن فاعلون؟
٭ كاتب أردني متخصص في السياسة السيبرانية