إجلاء غزّاويين إلى فرنسا… عائلات عالقة بين الغموض الإداري وقيود لمّ الشمل


باريس- “القدس العربي”: تحت عنوان “إجلاء سكان غزة إلى فرنسا.. حيرة الذين تُركوا خلف الركب”، قال موقع “ميديابارت” الاستقصائي الفرنسي إن بعض الغزاويين يرغبون في لمّ شمل أسرهم، فمنهم فرنسيون من أصول فلسطينية، ومنهم لاجئون أو طلاب يقيمون في فرنسا. ويأمل هؤلاء أن يتمكن أقاربهم العالقون في غزة من اللحاق بهم والنجاة من الإبادة الجماعية. لكنهم يتأرجحون بين الأمل والاستسلام، وسط غموض إداري ومعايير مقيّدة للمّ شمل الأسرة.

يصف وليد، وهو فرنسي من أصول جزائرية يقيم في مرسيليا، الوضع بأنه “حالة طوارئ إنسانية وحياتية”، وبأنه “أمر لا يمكن فهمه”. فمنذ عام ونصف، ينتظر إجلاء زوجته الفلسطينية ريما من غزة، حيث تشن إسرائيل حرب إبادة قتلت خلالها عشرات الآلاف من الأشخاص، وأحيانا مئات الأفراد من العائلة الواحدة.

يقول وليد: “أكافح من أجل إجلاء زوجتي ريما، الموجودة حاليا في غزة، في ظل الحرب والقصف والحصار، بينما تتدهور حالتها الصحية”. وتعيش زوجته في مخيم بمنطقة النصيرات، وسط القطاع، يتعرض، بحسب قوله، للقصف بصورة متكررة.

بعض الغزاويين يرغبون في لمّ شمل أسرهم، فمنهم فرنسيون من أصول فلسطينية، ومنهم لاجئون أو طلاب يقيمون في فرنسا

ويضيف أنه أنجز جميع الإجراءات المطلوبة، وأنه على تواصل مع خلية الأزمة التابعة لوزارة الخارجية الفرنسية والقنصلية الفرنسية في القدس منذ عام 2025. وبسبب الحرب والحصار اللذين تفرضهما إسرائيل على غزة، اضطر إلى إتمام زواجه عن بُعد، عن طريق التوكيل.

ويتابع وليد، مشيرا إلى أن ذلك تم في “ظروف استثنائية خارجة عن إرادته”. وكانت إجراءات دراسة طلب إجلاء زوجته تتطلب تسجيل عقد الزواج رسميا لدى السلطات الفرنسية، وهو ما يقول إنه أنجزه بناء على طلب السلطات. غير أن الوثيقة رُفضت في نهاية المطاف، بحسب روايته، من قبل النيابة العامة في مدينة نانت.

ومنذ ذلك الحين، طعن محاميه بصورة مستعجلة في قرار رفض تسجيل الزواج أمام المحكمة القضائية، لكن المساعي لم تسفر عن نتيجة. ولم يتبقَّ سوى مواصلة الإجراءات القضائية في الموضوع، وهي إجراءات لا تؤدي إلا إلى تأخير إمكانية إجلاء ريما أكثر فأكثر.

يحظى وليد بدعم رئيس بلدية البلدية التي يقيم فيها، وعدد من البرلمانيين الفرنسيين والأوروبيين. كما بادرت رابطة حقوق الإنسان إلى تنبيه وزارة الخارجية، ثم وزارة الداخلية، التي قُدّم إليها أيضا طلب للحصول على تأشيرة بموجب اللجوء. ويقول إنه لم يتلقَّ أي رد من السلطات منذ ذلك الحين.

يوضح قائلا: “إن وضع زوجتي خطير، ونحن نواجه تخلّي الدولة عن زوجة مواطن فرنسي في منطقة حرب”. ويشير إلى أنه يواجه “عقوبة مزدوجة”: فقد حُرم من حضور زفافه بسبب الحرب والحصار، كما تعذّر عليه إجلاء زوجته التي تكافح من أجل البقاء في هذه الظروف. ويرى أن حقه في لمّ شمل الأسرة يُنتهك بدوره.

ويزداد استغرابه لأن زوجته، بحسب قوله، مدرجة ضمن الأشخاص الذين حددتهم خلية الأزمة لإجلائهم. ووفقا لمراسلات مكتوبة تعود إلى شهر أبريل/نيسان الماضي، فإن ملفه “معروف جيدا لدى المصالح القنصلية المختصة”. وقد شددت هذه المصالح نفسها على أن “تسوية مسألة تسجيل الزواج رسميا” تمثل “عاملا حاسما للغاية”.

تعليق عمليات الإجلاء في عام 2025

ردا على استفسارات “ميديابارت”، أوضحت وزارة الخارجية الفرنسية أنها لا تعلق على الحالات الفردية. وأكد مصدر دبلوماسي: “جميع طلبات الإجلاء التي تصل إلينا تتم معالجتها بكل التزام، مع مراعاة حالة الطوارئ والمآسي التي تعيشها الأسر”. وأشار المصدر إلى أن “عمليات الإجلاء، عندما يكون تنفيذها ممكنا، بالغة التعقيد”، لكنه شدد على أنها “تمثل التزاما قويا ومستمرا في عمل الوزارة”.

وعقب جدل أثارته قضية طالبة فلسطينية أُجلِيت إلى فرنسا في صيف 2025، واتهامها بإعادة نشر منشورات معادية للسامية على شبكات التواصل الاجتماعي، قررت فرنسا تعليق عمليات الإجلاء إلى أجل غير مسمى.

عقب جدل أثارته قضية طالبة فلسطينية أُجلِيت إلى فرنسا في صيف 2025، واتهامها بإعادة نشر منشورات معادية للسامية على شبكات التواصل الاجتماعي، قررت فرنسا تعليق عمليات الإجلاء إلى أجل غير مسمى

وأوضح محامون يتولون الدفاع عن “اللجنة الوطنية لاستقبال ودعم الناجين من الإبادة الجماعية في فلسطين” (Cnasar) أنهم تقدموا في شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي بطعن في هذا القرار أمام مجلس الدولة.

لكن أعلى هيئة للقضاء الإداري في فرنسا أصدرت لاحقا قرارا بعدم وجود محل للفصل في القضية، بعدما أكدت الوزارة أن تعليق الإجلاء لم يعد ساريا. وبالفعل، استؤنفت عمليات الإجلاء في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعيدا عن الأضواء، وبعد فترة وجيزة من اللجوء إلى مجلس الدولة، وشملت مجموعة من عشرين شخصا.

وبحسب المعلومات التي حصل عليها “ميديابارت”، نُظمت منذ ذلك الحين أربع عمليات إجلاء على الأقل. أما العملية الأخيرة، التي جرت في 24 أغسطس/آب الماضي، فقد شملت 44 فلسطينيا وفلسطينية من غزة، ينتمون إلى فئات مختلفة، وفقا للمصدر الدبلوماسي نفسه المذكور أعلاه.

وكان من بينهم طلاب وطالبات حاصلون على منح من الحكومة الفرنسية، ومستفيدون ومستفيدات من برنامج “Pause”، الذي أُوقف حاليا بالنسبة إلى الفلسطينيين، وكانت طلباتهم قد حظيت بالموافقة في السابق، لكن إجلاءهم ظل معلقا.

وقد نُظمت عملية إجلاء جديدة في أواخر أكتوبر/تشرين الأول أو مطلع نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي. لكن المحامية أمل دليمي تشير إلى أن “إجلاء أقارب اللاجئين المقيمين في فرنسا، في إطار لمّ شمل الأسرة، أو إجلاء المصابين، أصبح أكثر صعوبة هذا العام”.

ويؤكد المحامون أن الغموض ما يزال مطبقا بالكامل، وأن السلطات القنصلية لا ترد إلا عندما تشاء. ويقولون: “لقد طلبوا منا مؤخرا وثائق تخص ثلاث عائلات ننتظر إجلاءها، وهي عائلات تضم نساء، مع أطفال أو من دونهم، ينتظرن اللحاق بأزواجهن اللاجئين في فرنسا. وهذه الوثائق ليست مطلوبة أصلا، وفقا للإجراءات المعتادة”. ولا تعرف مجموعة المحامين حتى الآن ما إذا كانت العائلات الثلاث ستُدرج ضمن عملية إجلاء مقبلة.

ومن بين هذه العائلات، ياسمين وأطفالها الثلاثة، الذين تتراوح أعمارهم بين سنة واحدة وخمس سنوات وعشر سنوات. وهم ينتظرون التمكن من اللحاق بزوجها ووالد أطفالها، الذي سبق إجلاؤه إلى فرنسا.

ويقدم توما نايله، ممثلا عن جمعيتي “فلسطين تجمعنا” و”نضال”، تقييما شديد النقد للوضع. ويقول: “على الرغم من نقص الإمكانات والإرهاق الذي تعانيه الجمعيات الفلسطينية في فرنسا، فإنها لا تزال توفر دعما مكثفا للناجين من الإبادة الجماعية”. ويضيف أن هذه المؤسسات تبذل أقصى ما في وسعها لمساعدة الفلسطينيين اللاجئين في فرنسا على الوصول إلى الموارد الثقافية والقانونية التي يحتاجون إليها، ومواجهة “آلام الإبادة والمنفى”، في ظل ما يصفه بـ”عنف الدولة الفرنسية وصمتها بشأن عمليات الإجلاء”، وكذلك “سياسة استقبال معطّلة عمدا”.

في المقابل، يوضح المصدر الدبلوماسي المذكور أعلاه أن عمليات الإجلاء لم تعد مقتصرة على المواطنين الفرنسيين، في ضوء “معاناة السكان المدنيين في غزة”. ويضيف: “أتاحت عملياتنا لمّ شمل عائلات فلسطينية، وتوفير الرعاية لمرضى من الأطفال، سواء كانوا برفقة والديهم أو لحق بهم آباؤهم وأمهاتهم وإخوتهم، كما أتاحت توفير ملاذ لممارسة العمل، في إطار برامج التميز، لطلاب وباحثين وفنانين، من بينهم الشاعرة نور العاصي”.

انتظار طويل جدا

كانت الشاعرة الفلسطينية نور العاصي، التي تتابع دراستها حاليا في فرنسا، من بين آخر الأشخاص الذين أُجلوا من غزة قبل التعليق الذي أقرته السلطات الفرنسية في صيف عام 2025. وقد وصلت إلى باريس في شهر يوليو/تموز من العام نفسه.

وتقول إنها تواصلت مع القنصلية الفرنسية في القدس في الشهر التالي، للفت انتباهها إلى وضع والدتها إخلاص، البالغة من العمر 56 عاما، وشقيقتها الصغرى شاهد، البالغة 20 عاما، اللتين ما تزالان عالقتين في أتون الحرب بمدينة دير البلح.

وتوضح قائلة: “تواصل محاميّ مع السلطات القنصلية وأرسل إليها جميع المعلومات اللازمة. كما اتصلت بهم بنفسي، لكنهم أحالوني إلى شخص آخر، ولم أتلقَّ أي رد. فقدت الأمل”. وبلغت معاناتها حدا جعلها، بحسب قولها، عاجزة عن التركيز في دراستها ما دامت والدتها وشقيقتها عالقتين في غزة. ومع ذلك، تدرك أن وضعها كطالبة، ودرجة قرابتها من أفراد أسرتها المعنيين، لا يندرجان ضمن المعايير المعتمدة للمّ شمل الأسرة. فالإجراء يقتصر على الأزواج والأطفال، رغم أن استثناءات طُبقت في السابق، وفقا للظروف السائدة في بلد المنشأ.

وتتابع نور: “أنا قلقة جدا عليهما، فالأمر مرعب. أرسلت إليّ أختي هذا الأسبوع تسجيلا صوتيا لأصوات القصف والطائرات، رغم وقف إطلاق النار. نسمع أن المدنيين يستطيعون العيش بصورة طبيعية في غزة، لكن هذا غير صحيح؛ إذ يُمنع المدنيون من العيش هناك”.

وتنتظر من السلطات الفرنسية أن “تعمل على عمليات الإجلاء” لصالح كل من يريد مغادرة القطاع الفلسطيني، وأن تتيح بذلك لمّ شمل العائلات التي يقيم أقاربها في فرنسا.

طارق أبو عيطة، لاجئ فلسطيني

أما طارق أبو عيطة، الذي التقى به “ميديابارت” في مدينة رين الفرنسية أواخر عام 2024، بعدما غادر غزة عبر مصر لعلاج أحد أبنائه، فيأمل بدوره أن يتمكن من إجلاء شقيقه وزوجة شقيقه وأطفالهما، إضافة إلى والدته، وجميعهم ما زالوا عالقين في غزة. وقد قُتلت زوجته وأحد أطفاله على يد إسرائيل في القطاع، وهو يأمل اليوم في إجلاء ما تبقى له من أفراد أسرته، رغم أن هؤلاء أيضا لا يستوفون الشروط المعتادة للمّ شمل الأسرة.

ويوضح لـ”ميديابارت”: “لم يتبقَّ من عائلتي سوى والدتي، البالغة 72 عاما، وشقيقي سعيد، البالغ 46 عاما، وأسرته: زوجته نجلاء، وابنته الكبرى ريناد، البالغة 19 عاما، وابنه الأصغر محمد، البالغ 14 عاما. كنا نعيش جميعا في المنزل نفسه شمال غزة، وقد قُصف في 14 أكتوبر/تشرين الأول عام 2023”.

في باريس.. لاجئون فلسطينيون يلتقون أقاربهم الذين أُجلوا من غزة

وبالقرب من مدينة تور، ينتظر محمد أن تتمكن والدته، التي فرت من غزة، من اللحاق به. ويستعيد طارق ذلك اليوم قائلا إن بنات شقيقه الأخريات لقين حتفهن، وكذلك والده وزوجته منتهى وابنه إلياس، الذي كان يبلغ من العمر 12 عاما. ويضيف: “قُتلوا جميعا في اليوم نفسه. أُصيب شقيقي سعيد بجروح خطيرة في الصدر، وتعرض لكسور متعددة وشديدة في يده اليمنى. كما أُصيب جميع أفراد الأسرة الذين ما زالوا على قيد الحياة”.

وبعد وصف ظروف الحياة القاسية التي يكافح شقيقه وزوجة شقيقه وابنة شقيقه وابن أخيه ووالدته من أجل البقاء فيها في غزة، والتأكيد على ضرورة إنقاذهم، يقول طارق إنه “بحاجة إلى أن يكون أفراد عائلته الذين ما زالوا على قيد الحياة إلى جانبه في فرنسا”. ويتابع: “منذ ثلاث سنوات، أؤدي دور الأب والأم في الوقت نفسه، بينما أواصل دراستي وأستعد لدخول سوق العمل. إن وجود والدتي وشقيقي وأسرته إلى جانبي سيمنحني دعما كبيرا”.

وقد أبدت بلدية رين استعدادها لدعم استقبال هذه الأسرة على أراضيها، وذلك في رسالة وجّهتها إلى الرئاسة الفرنسية في 19 أغسطس/آب.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *