الجزائر- “القدس العربي”: عاش الجزائريون يوما أليما وهم يتابعون تفاصيل فاجعة دار الأيتام في الجزائر العاصمة، والذي أودى بحياة 11 شخصا أغلبهم أطفال، شُيعوا إلى مثواهم الأخير في مشهد طغى عليه الحزن والصدمة والدعوات إلى كشف ملابسات الحادث ومنع تكرار مثل هذه الكوارث.
وعلى مواقع التواصل، أهم نافذة للتعبير في البلاد، تحولت صور دار الطفولة المسعفة بالمحمدية ومقاطع الفيديو التي وثقت لحظات الأطفال الأخيرة وشجاعة بعض المنقذين إلى مادة للحزن الجماعي والتعبير عن الغضب من الأسباب التي أدت إلى هذه الكارثة الوطنية.
ولعل أكثر ما هز المشاعر صورة النافذة الحديدية التي التصق بها عدد من الأطفال وهم يحاولون الاحتماء من ألسنة اللهب أو طلب النجدة قبل أن يلقوا حتفهم. وانتشرت الصورة بسرعة كبيرة، وأصبحت رمزاً للمأساة، فيما تداول آلاف المستخدمين مقاطع فيديو توثق صرخات الأطفال واستغاثاتهم خلال الدقائق الأخيرة التي سبقت إخماد الحريق، وهو ما زاد من حجم التأثر الشعبي.
وفي تدوينة مؤثرة، ذكر الإعلامي حفيظ دراجي أن صورة الأطفال الواقفين على شرفة المؤسسة وهم ينتظرون مصيرهم المحتوم “مشهد يعتصر القلوب”، مضيفاً أن قسوة الحياة لم تكتف بحرمانهم من آبائهم وأمهاتهم، بل أدركتهم المأساة وهم في عمر الزهور، قبل أن يدعو بالرحمة للضحايا والشفاء للمصابين وأن تكون الفاجعة سبباً لاتخاذ كل الإجراءات الكفيلة بحماية الأطفال من مثل هذه الحوادث.
ولم تتوقف مظاهر الحزن عند تلك المشاهد، إذ انتشرت كذلك صور تشييع ودفن الأطفال بمقبرة سيدي رزين بالعاصمة، حيث رافق الجزائريون الجنازات بالدعاء والدعوات بالرحمة، بينما امتلأت صفحات التواصل برسائل النعي والتعزية، معتبرين أن الضحايا لم يكونوا أبناء مؤسسة للرعاية فحسب، بل أبناء لكل الجزائريين.
وتحولت قصة العاملة مليكة بوغراس، التي توفيت وهي تحاول إنقاذ رضيع من ألسنة اللهب، إلى أحد أبرز عناوين التفاعل الشعبي. وتداول آلاف الجزائريين منشورات تشيد بما وصفوه بـ”التضحية البطولية”، معتبرين أنها جسدت أسمى معاني الإنسانية والأمومة، وأن ذكراها ستبقى مرتبطة بمحاولة إنقاذ الأطفال رغم الخطر المحدق بها.
وفي خضم ذلك، امتلأت صفحات التواصل بتعليقات تعكس حجم التأثر الجماعي. وكتب أحد المتفاعلين أن المأساة لا تكمن فقط في كون الضحايا أطفالاً أيتاماً، بل في أن الحرمان ظل يرافقهم حتى اللحظات الأخيرة من حياتهم، بعدما كانوا يبحثون عن أسرة وحنان وأمان شأنهم شأن أي طفل. وأضاف أن رحيلهم يجب ألا يتحول إلى خبر عابر، بل إلى محطة لمراجعة أوضاع الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية.
وفي تعليق آخر، دعا متابعون إلى فتح تحقيق شامل ومحاسبة كل من يثبت تقصيره، معتبرين أن أطفال مؤسسات الرعاية يحتاجون إلى عناية ومتابعة أكبر، كما طالبوا بتوجيه المزيد من المبادرات الخيرية والصدقات لدعم هذه المؤسسات وتحسين ظروف التكفل بنزلائها.
وكتب آخرون أن الأطفال “غادروا يتامى في الأرض ليكونوا طيوراً في الجنة”، معتبرين أن الشعب الجزائري بأكمله شعر بأنه فقد أبناءه، وأن مشهد رحيلهم وحد مشاعر الجزائريين بمختلف توجهاتهم، فيما تكررت الأدعية بأن تكون المأساة سبباً في تعزيز الاهتمام بالأيتام وتحسين ظروف إيوائهم ورعايتهم.
كما استحضرت منشورات كثيرة واقع الأطفال داخل مؤسسات الرعاية، متحدثة عن حاجتهم إلى الدفء الأسري والاحتضان النفسي، مع التأكيد على أن حمايتهم لا تقتصر على توفير الإيواء والغذاء، بل تشمل أيضاً ضمان أعلى معايير السلامة والوقاية داخل المؤسسات التي يعيشون فيها.
وضمن هذا المعنى، اعتبر أستاذ الإعلام رضوان بوجمعة، أن الحادث يفرض فتح نقاش أوسع حول أوضاع مؤسسات الرعاية الاجتماعية، منتقداً ما وصفه بالاكتفاء بتغطية زيارات المسؤولين وتقديم التعازي، مقابل غياب التحقيقات الصحافية التي تتناول ظروف تسيير دور الطفولة والمسؤوليات الإدارية وآليات الرقابة والوقاية من المخاطر، داعياً إلى البحث في أسباب ما حدث وعدم الاكتفاء باعتباره قضاءً وقدراً.
كما أكد الناشط خرشي النوي أن المأساة ترتبط بغياب ثقافة الصيانة الوقائية داخل المؤسسات، معتبراً أن مختلف القطاعات تحتاج إلى برامج دورية ملزمة للتفتيش والصيانة والمتابعة، حتى لا تتحول الكوارث إلى أحداث متكررة يدفع ثمنها الأبرياء. وأضاف أن التقصير في الوقاية يجعل المجتمع يواجه باستمرار حوادث وخسائر بشرية ومادية كان بالإمكان تفاديها.
وتزامن هذا التفاعل الشعبي مع تحركات رسمية، إذ تنقل الوزير الأول سيفي غريب مرفوقا بعدة وزراء إلى مكان الحادث وإلى المستشفيات للاطمئنان على المصابين وهم في عداد 19 شخصا حسب بيان الحماية المدنية. أما وزيرة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة صورية مولوجي التي تقع المؤسسة ضمن مسؤولية دائرتها الوزارية، فقد أصدرت تعليمات بتوفير كل أشكال الدعم الصحي والنفسي والمرافقة اللازمة لهم، مع تقديم التعازي لعائلات الضحايا والتأكيد على مرافقة المتضررين.
وأعادت الفاجعة إلى الواجهة النقاش حول واقع مؤسسات حماية الطفولة في الجزائر، ومستوى جاهزيتها للتعامل مع الحرائق والكوارث، ومدى الالتزام بإجراءات السلامة داخلها، خاصة أن الحادث وقع بعد يوم واحد فقط من إبراز وزارة التضامن خلال فعاليات اليوم الوطني للطفل التزام الدولة بمواصلة تعزيز حماية الطفولة، وإعلان مخطط العمل الوطني للطفولة للفترة 2026-2030 باعتباره خارطة طريق لترقية حقوق الأطفال وحمايتهم.