أهوال مقبلة على شرقنا… مستقبل تيمور مش هيِّن… وانتبهوا إلى الهند كعدو جديد


حشد حزبي وشعبي في المكتبة الوطنية طمعاً بتوقيعه على كتاب «قدر في هذا المشرق»

بيروت ـ «القدس العربي»: «قدر في هذا المشرق: من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل» كتاب لوليد جنبلاط موقعاً في المكتبة الوطنية/الصنائع. قد يكون حدثاً استثنائياً احتشد حوله سياسيون لا حصر لهم وكذلك دبلوماسيون، جمعتهم قاعة المسرح في المكتبة. وهؤلاء كانوا قد تلقوا دعوات من قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي. فيما خصّصت قاعة القراءة لحشد كبير من الرفاق والرفيقات في الحزب التقدمي الاشتراكي بعمر الشباب، وآخرين من المخضرمين، وجميعهم يمني النفس بالحصول على توقيع الزعيم اللبناني المميز بـ«انتيناته» الدقيقة واستشرافاته للمقبل من الأيام. للأسف أخبرنا في الحوار الذي قاده الزميل جاد غصن، بأن شرقنا مقبل على «أهوالـ«، وكأن ما نعيشه منذ 7 اكتوبر ليس بكافٍ.
هذا اللقاء والذي نادراً ما كان لسياسي وزعيم، حظي برعاية جميلة من نورا جنبلاط التي استقبلت المدعوين على المدخل تشكر حضورهم وهي بكامل اناقتها، وابتسامتها المميزة، ولياقة ترحيبها.
الشاهد على نصف قرن من الحياة السياسية في لبنان، توقف في مذكراته عند سنة 1990 واتفاق الطائف، بدون أن يسوق مبرراً مقنعاً لإسقاط كافة تلك السنوات التالية، المفعمة بالأحداث من مذكراته. والسؤال: ماذا لو أكمل وليد جنبلاط كتابة تجربته في عقود ما بعد اتفاق الطائف؟ أو بالأحرى لماذا توقّف جنبلاط عند هذا التاريخ: 1990؟ مستثنياً 36 عاماً قامت الدنيا خلالها ولم تقعد بعد؟ وهل تبريره بأن عدد الصفحات لا يتسع كافٍ ومقنع؟ لا بد أن الغوص في أعماق جنبلاط وتجربته السياسية الزعاماتية تحتاج إلى مجلدات وموسوعات وتفكيك ألغاز.! وإذا سلمنا جدلاً كما قال بأنه لم يكتب سيرة ذاتية، فلماذا وصفه ما ورد في كتابه بأنه وجهة نظر. واكتفى بتعليق عدم تطرقه لبعض القضايا المهمة، على شمّاعة الذاكرة؟
في الحوار، وكما عادة جنبلاط يطلق المواقف كأنها برقيات، أو خبر عاجل، ومفاتيحها بضع كلمات فقط. إلى أين؟ سؤاله الشهير الذي تحوّل إلى لازمة يومية لدى الجميع، فاعتبر جنبلاط في رده «أننا غلطنا وهلق التوبة» من دون أن يوضح مكامن الغلط! أما اللازمة المكررة فهي قوله «ما زلنا بأول الطريق منذ خمسين عاماً»، وأن أهوالاً آتية وسيدفع أثمانها العرب!
جنبلاط وكما عادته أيضاً أطلق مواقف يريد لها أن تنتشر ومنها: اليوم عدنا إلى ما هو أسوأ من العام 1983 لأن اتفاق الإطار بدأ ضعيفاً، في حين أن إسرائيل توسّع من خرائط أطماعها وانتشارها. وعلينا التمسك بالمبدأ والحدود وهدنة العام 49. ودعا الدولة إلى العقلانية بدل الهرولة، مشيراً إلى وجود رأي عام لبناني يؤيد التطبيع. مع أن المنطق التوراتي الذي يحرك إسرائيل يريد تدمير تراثك وذاكرتك وما يحدث في الجنوب من تدمير، وحدث في غزة، ويحدث في الضفة ينطلق من هذا المنطق التوراتي الافتراضي الذي يعود إلى 3 آلاف سنة.
وحول ما يُطرح للجنوب من حلول تساءل جنبلاط: إذا كنا ودعّنا ياسر عرفات والفلسطينيين إثر اجتياح 1982 باعتبارهم غرباء كما وصفهم الانعزال اللبناني، فكيف لنا أن نودّع حزب الله وهم أبناء هذا البلد ومنه، مع ان بينهم عناصر من الحرس الثوري؟ وحذر من عدم حصول ضغط أمريكي على إسرائيل، واستطرد: ولن يحصل. واستذكر حصول ذاك الضغط مرة واحدة بعد العدوان الثلاثي على مصر العام 1956. وكان ضغطاً أمريكياً لمصلحتها فقط، وإبعاداً للنفوذ البريطاني والفرنسي عن المنطقة.
وحذّر من إزالة عقيدة الجيش اللبناني العربية بضغط أمريكي. «هذه العقيدة التي كنا وضعناها مع الرئيس الراحل رفيق الحريري». وأعرب عن مخاوفه أن يكون هناك شرط أمريكي بإلحاق لبنان بإسرائيل، مستبعداً أن يتم ذلك مع سوريا.
ودعا جنبلاط: إلى تقوية الوحدة الوطنية. وإلى تقوية العلاقة مع سوريا لأنها من مصلحة لبنان. وأعلن عن «وجود رجالات من نظام الأسد البائد في لبنان، وبحماية شبه رسمية، ومنهم علي المملوك وجميل حسن وبسام الحسن».
أما القنبلة الأخيرة التي فجّرها جنبلاط فكانت إعلانه «صعوبة تطبيق إلغاء الطائفية السياسية التي وردت في اتفاق الطائف». ورفض أي تعديل على الاتفاق لأنه يفتح أبواباً لن تُغلق.
وفي مقاربات دينية ودنيوية معاً، ثبّت وليد جنبلاط «مع تقدمي بالسن» إيمانه بالتقمص لدى الموحدين الدروز، «إنما الشك يساورني… نحن لا نتقرّب من الله إلاّ عندما يساورنا الخوف». وأعلن إيمانه بوجود خالق لهذا الكون معلقاً «الله يحسن آخرتنا»، وضجت القاعة بالضحك.
في الإرث العائلي الزعاماتي والحزبي عبّر الزعيم الدرزي عن رضا داخلي يغمره في تسليم الراية إلى ابنه تيمور «بدون دماء». وشدد على وجوده إلى جانبه في «تبادل الأدوار خلال الحرب على غزّة… القدر زمطني من الموت.. ومستقبل تيمور مش هين».
بتوجيه السؤال لوليد جنبلاط عن التطبيع ولقاء لبنانيين مع صهاينة والدورة الكاملة التي دارتها الحياة السياسية عندنا، ردد لازمة يقولها البعض «تعبنا من الحرب». وعاد إلى غياب أي تفسير «لاحتلال أرض فلسطين ولبنان.. وتبشير السفير الأمريكي الصهيوني لدى الكيان هاكابي بالتمدد نحو الأردن». ولفت جنبلاط للعودة الجارفة إلى التوراة بعد 7 اكتوبر، ووجد في «كتابات توماس فريدمان دروساً في اصولها.» وتوقف عند خطورة «المنطق الافتراضي التوراتي الذي يحرّك الأمور، وإلى المسيحية الصهيونية القوية في الولايات المتحدة».
لم يُعلّق وليد جنبلاط على الحلف الجديد السعودي/ التركي/ الباكستاني، إنما نبّه إلى «عدو جديد متربص بالمسلمين هو الهند».

حشود انتظرت التوقيع

خُتم الحوار بين وليد جنبلاط والزميل جاد غصن، وتوجه إلى قاعة المكتبة حيث حوصر بجمع غفير من المحازبين، والمحبين يتأبط كل منهم كتابه، ويمنّي النفس بتوقيع صاحبه، فيما كانت وفود الرسميين تغادر قاعة المحاضرات إلى حيث سياراتهم.
تيمور جنبلاط: «بوجود الوالد هو من يحكي». هكذا أجاب رداً على سؤال إن كان كتاب «قدر في هذا المشرق» قد زاد العبء الملقى عليه كرئيس للحزب التقدمي الاشتراكي، ووريث للزعامة الجنبلاطية؟ وعن رأيه بالكتاب قال: لي رأيي الخاص واحتفظ به لنفسي الآن، وعندما يحين الوقت سأقوله. وكذلك اعتذرت نورا جنبلاط بكل لطف عن قول أية كلمة حول الكتاب أو اللقاء برمته.
سألنا جاد غصن: لماذا أنت المحاور؟ قال: اتصلوا بي من مكتبة انطوان سائلين إدارة الحوار. سبق وحاورت وليد جنبلاط في العام الماضي على شاشة التلفزيون العربي. حددوا زمن الحوار بـ25 دقيقة، وخلالها ليس لي أكثر من طرح أسئلة عامة كما تابعتم. وتركت لنفسي متابعة الإجابة على السؤال أكثر من طرح المزيد من الأسئلة. لم يستغرب جاد غصن عدم طرح كثير من الأسئلة من الحضور. إذ قال: غلبت الشخصيات السياسية على الحضور. ولكلٍ من هؤلاء علاقته الخاصة بوليد جنبلاط، ولست أدري مدى استعدادهم لطرح السؤال في العلن، طالما هم قادرون على طرحه في الكتمان؟
سألنا النائب والوزير السابق وائل ابو فاعور كعضو قيادي وفاعل في الحزب التقدمي الاشتراكي عن الجديد الذي قاله له كتاب «قدر في هذا المشرق»؟ بالتأكيد قال لي جديداً. بالنهاية وضع وليد جنبلاط بين دفتيه خلاصة تجربته السياسية في خدمة الأجيال، ليتعرفوا إلى مدى تعقيدات واقعنا السياسي، وكم عليهم بأنفسهم أن يكونوا مسالمين ووطنيين. بالتأكيد أعطاني جديداً، ثمة تفاصيل كنت على علم بها، وأخرى أجهلها، وتبقى الرسالة هي الأهم. وهل في الكتاب ما يخيف الأجيال التي تحدّثت عنها؟ قال: ليس فيه ما يخيف، بل هو يعطي أمثلة للأجيال في بلد مضطرب.

جنبلاط للشاعر شوقي بزيع:
«بنام منيح»
عنوان الكتاب حفّز الشاعر شوقي بزيع ليسأل وليد جنبلاط لو كان عنوانه «قلق في المشرق والسلم المتأرجح أو السلم المستحيل؟» أليس أفضل؟ والسؤال الثاني «بتنام منيح»؟ وليد جنبلاط بدوره عبّر مباشرة شاكراً لبزيع على إلقاء قصيدة «جبل الباروك» في مهرجان الشعر الذي عُقد للمرة الأولى في الشام بعد سقوط نظام الأسد.
طمأن جنبلاط بزيع والجميع «بنام منيح»، وبقي الشرق قلقاً لا ينام ومرتهنا للمشروع الصهيوني، يحرك بوصلته بين صعود وهبوط، بين حرب بالكاد تخمد والاستعداد لأخرى. وشوقي بزيع بدوره أكّد لـ«القدس العربي» وبـ»البونط العريض» على ضرورة فعل المقاومة وأهميته، وبمعزل عن تحفظاته على حربي الإسناد، ودعم حزب الله لنظام الأسد. فيما كان بزيع يطمع بجواب من وليد جنبلاط «حول الحالة الفصامية المستعصية في لبنان، الذي يجتهد في اختراع صراعاته، تارة بين مسيحي ومسلم، وبين مؤيد لقضية فلسطين ومناهض لها تارة أخرى، وبين سيادي وممانع تارة ثالثة، وبين 14 آذار و8 آذار تارة رابعة. ولهذا أشرت على وليد جنبلاط بتسمية كتابه «قلق في المشرق». ولكل ما سبق ذكره، كان طبيعياً سؤاله عن نومه؟ وكيف يتعايش مع هذا القدر من الترنّح؟
وسألت «القدس العربي» تفصيلاً عن واقعة الشعر في دمشق والتي تحوّلت إلى فيديو يوزّع على وسائل التواصل الاجتماعي؟ قال: ألقيت قصيدة «جبل الباروك» في افتتاح مهرجان الشعر في الشام، ولهذا أهمية رمزية كبرى. في هذا المهرجان كنت مُكرماً إلى جانب خلدون الشمعة، وهو ناقد سوري مُعارض أمضى 50 سنة بعيداً عن سوريا. وقد بلغ التسعين من العمر وبات متعباً في حركته. في هذا المهرجان كنت أهتم بتقديم نفسي كشاعر حديث، وسط حشد كبير من الشعراء المدعوين إلى المهرجان، ومعظَمهم من أنصار القصيدة العمودية الكلاسيكية. في الواقع كنت موزعاً بين خيارين، أن ألقي قصيدة تمثلني وتمثّل اللحظة التي نعيشها ولها صلة بأسئلة الحياة، أو أقرأ مقاطع من «جبل الباروك». ولأن لكل مقام مقال اخترت قراءة القصيدة التي رثيت بها كمال جنبلاط، الذي أوعز النظام البائد باغتياله.
ويتابع شوقي بزيع لـ«القدس العربي»: أما بالنسبة لردي على وزير الثقافة السوري في تقديمه لي، فقد كان أقرب إلى التوضيح بأن ارتكاب أي حزب مقاوم للأخطاء، أو القيام بحروب في غير مكانها، لا يعني أن علينا التنصل من فعل المقاومة وروحها، خاصة بالنسبة لمن اُحتلت أرضه وهُدمت مدنه وقراه. كما تساءلت من على المنبر عن الجدوى من تعميم نموذج واحد في الشعر، الأمر الذي يشبه تعميم نموذج الحزب الواحد والزعيم الواحد. ولمصلحة من يتم التراجع عن الحداثة، وخاصة في دمشق قابلة الحداثة التي أنجبت نزار قبّاني ومحمد الماغوط. ويضيف بزيع: لقد قدّرت ما قاله معالي وزير الثقافة بخصوص الحزب الذي أساء للشعب السوري، لكنني أكدت أن مقاومة الاحتلال ليست مرهونة بهذا الحزب أو ذاك وتنتهي إن أخطأ.
يذكر أن الشاعر شوقي بزيع ليس كاتباً لقصائد المناسبات. كتب «جبل الباروك» لأن كمال جنبلاط كان زعيماً للحركة الوطنية التي عمّها اليتم بعد استشهاده.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *