يقول إدوارد سعيد في مقالته «اﻹذن بالرواية» (أو «السماح بالرواية» Permission to Narrate) «أذكر أنني أثناء حصار بيروت، كنت أحثّ أصدقائي وأفراد عائلتي هناك، بإلحاح، عبر الهاتف، على أن يسجّلوا تجاربهم ويدونوها»، ثم يضيف في موضع آخر من المقالة نفسها «الوقائع لا تتحدث عن نفسها على اﻹطلاق، إنما تحتاج إلى سردية مقبولة اجتماعيًّا، تستوعيها وتحافظ عليها وتتداولها»، وقد عمل الكثيرون على توثيق الوقائع، تأريخًا ودراسةً، وفنًّا من رسم ونحت وشعر وسرد وتمثيل…، أدّوا جميعًا أدوراهم في سبيل حفظ السردية، ولكن منهم من لم ينجح في التوفيق، فنًّا على وجه الخصوص، بين فنية أعمالهم والتوثيق، ومنهم، مثل زياد خدّاش نجح وأكثر، وهنا أتحدّث عن مجموعته القصصية «أنف ليلى مراد» (دار مرفأ للثقافة والنشر ٢٠٢٦).
مجموعة خدّاش أخذت على عاتقها التوثيق باﻷسماء واﻷماكن واﻷحداث، واﻷرقام، وسأعود إلى الأرقام ﻷهميتها لاحقًا، بدأ بإيهام فني جميل بأن اجتماعًا حصل بين أكرم هنية رئيس تحرير جريدة «اﻷيام» التي تأسست عام ١٩٩٦، وعيسى العيسى رئيس تحرير جريدة فلسطين التي تأسست عام ١٩١٦، وﻷن الصحفي زياد خدّاش عاش حياتين، سيروي قصصه من حياته اﻷولى والتي نشرها في جريدة «فلسطين». فكرة ذكية تبعد نصوصه عن المساءلة والتصنيف بين التاريخي والمعاصر وغير ذلك.
تنوعت القصص وموضوعاتها، تجمعها «السردية»، وما حمله خدّاش، الصحفي راوي النصوص، والكاتب الفعلي للكتاب، من همّ على عاتقه بأن يبحث ويتابع أخبار البلاد في تلك اﻷيام، ويجعل وظيفة العمل السردي «التوثيقية» حاضرة بشكل كبير وواضح، حتى وإن كان على حساب «القصّ» واﻷحداث أحيانًا، فهو يعمل بنصيحة إدوارد سعيد، وهو الممتلك لكل العدّة، الموهبة والحنكة واﻷسلوب واللغة ليكتب «قصة» جاذبة ومؤثرة، قام بالتدوين والتوثيق، وما ميّز نصوصه من هذه الناحية، توثيق اﻷسماء بتفاصيلها، أسماء الشخصيات وأدوارها وأفعالها، الكبير منها والبسيط، وأسماء اﻷماكن من مدارس ومسارح ومقاهٍ ومؤسسات وشوارع وأزقة ومدن، وجعل هؤلاء، ومن معهم من شخصيات واقعية متخيلة، يوثقون لحضورهم وتجذّرهم في البلاد، في فلسطين قبل النكبة، ويمر على النكبة وما بعدها طبعًا، ولكن ذلك كان هدفًا أساسًا من كل ما كتب وقدمه لنا، وورد في مقدمة النص بأن هذه القصص «من أبرز تجارب السرد الفلسطيني لتعيد كتابة المنسيّ من تاريخ فلسطين» ردًّا على أكاذيب «الصهيونية العالمية، إن هناك بلادًا هي لنا، غادرها أجدادنا وهي فارغة اﻵن، بلا أنا أو حضارة».
حضرت في قصص خدّاش شخصيات محلية كثيرة، وشخصيات عربية معروفة، خصوصًا الشخصيات الفنية، فريد اﻷطرش وليلى مراد وأم كلثوم، والجواهري… وهنا أنهي مع دور التوثيق وما أداه من مهمة ووظائف، وكانت ناجحة حدّ اﻹبهار، ﻷدخل إلى السردية والفنية.
غرائبية وواقعية سحرية كتبت فيها الكثير من القصص، واستمرت الواقعية في قصص كثيرة أيضًا، لم تطل القصص وكانت متناسقة، في حدود اﻷربع صفحات في معظمها، وفي الجزء اﻷخير «المفقودات» كانت القصص جميعها تقريبًا لا تتعدى الصفحة الواحدة. التناسق لم يكن في الكم وعدد الكلمات فقط، وهو عامل جاذب بالفعل يريح المتلقي، بل إن التناسق في اللغة ورشاقتها الذي يرافق جميع النصوص كان من العناصر اﻷقوى في المجموعة.
لم يقع خدّاش في فخ التوثيق وفي بناء القصة على أساس الحدث أو الوصول إلى النهاية، ولم يغرق في اﻹيهام والغرائبية حتى يُتعب ما يسعى إليه من توثيق، ولم يتكلف في إيجاد صور أو عبارات معينة، في المستوى نفسه الذي لم يجنح أسلوبه فيه نحو التأريخية أو «العامية»، بل كان التناسق حاكمًا متحكّمًا هنا أيضًا، فكنت تتأثر من القصة الواقعية، وتستغرب من المعلومة الحقيقية حول حدث أو حضور شخصية ما إلى مدينة فلسطينية في ذلك الزمن، وتُدهَش من غرائبية ترد بعذوبة وسلاسة دون تكلّف، فتكون القصة، كل قصة بذاتها، مصدر متعة خالصة، تحتاج أن تتوقف وتعطيها وقتها لديك، قبل أن تبدأ بالتالية، فأنا بالفعل قرأت الكتاب الذي لا يتجاوز المئة صفحة، في ستّ جلسات طويلة نسبيًّا، ﻷنني لم أكن أريد أن أتسرع وأحرم نفسي متعة القراءة والتلذذ بنصوص خداش اﻵسرة.
قصص كثيرة أثارت دهشتي وحركت مشاعري وأرّقت تفكيري بالبلاد، تاريخها وحاضرها ومستقبلها، ولكن ثلاثة منها كانت جواهر المجموعة بالنسبة إليّ، مقاتل برتقاليّ جريح» و»حديث متقطّعٌ ﻵلة كاتبة» و»اسمها زينب، اسمه سامي اﻷصفر»، ولعل العبارة اﻵسرة التي تنتهي القصة اﻷولى «حبيب السمك» بها، وكانت خير دليل على حنكة الكاتب في كيفية أسر المتلقي من الصفحات اﻷولى: «السمك أكل الطُّعم، وشخّ على صنّارتك».
أنهي مع التوثيق باﻷرقام الذي اعتمده الكاتب في قسم «المفقودات»، وهو أمر جديد لا تقرأ الكثير مثله عند غيره من القصّاصين والروائيين، فهو في قصص كثيرة وثّق لرقم هاتف (212) ورقم جواز سفر (237434)، ورقم درّاجة نارية (AJ92975)، ورقم باص الشغل (41825)، ورقم بندقية صيد (15434)، وقد تقصّدتُ إعادة كتابتها هنا أيضًا ﻷؤكّد على ما ستوحي به لمن سيقرأ المقال هذا أيضًا، بوصفها أرقامًا ﻷدوات حية ﻷحياء هم أبناء البلاد وناسها، في مواجهة اﻷرقام التي اعتدنا قراءتها لوثيقة لاجئ أو ﻷعداد شهداء أو أعداد أسرى… وهنا تكمن واحدة من أهم ما قدمه جدّاش من أجل حياة السردية الفلسطينية العظيمة.
كاتب لبناني