أمريكا وإيران: حرب المقترحات!


منذ إعلان وقف إطلاق النار بين أمريكا / إسرائيل وإيران في 7 نيسان / إبريل الماضي، وفشل جولة المفاوضات التي كان مزمعا عقدها في العاصمة الباكستانية إسلام أباد، شهد الميدان الدبلوماسي «حرب مقترحات» بين الطرفين، كان آخرها مقترحا أمريكيا يرد على مقترح إيراني سبقه بأيام.
قدّمت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما يمكن اعتباره دفعة مهمة لسير المفاوضات وذلك بتراجعها عما سمّته «مشروع الحرية» لفكّ الحصار الإيراني على قرابة 800 سفينة عالقة في الخليج بالقوة العسكرية، وهو ما دفع باكستان، الوسيط الرئيسي بين الطرفين حاليا، إلى إعلان التفاؤل بقرب التوصل إلى اتفاق، وكان لافتا أيضا مشاركة الإعلام الإسرائيلي في ترجيح هذا الاحتمال (مع الحديث عن أن القوات الإسرائيلية حافظت على مستوى استعدادها لاستئناف الحرب).
تظهر المقارنة بين المقترحين الأخيرين إلى وجود تقارب حول مسألة إنهاء الحرب، وفتح مضيق هرمز، ورفع الحصار والقيود عن إيران عبر الإفراج عن الأصول المجمدة، وبدء مسار تفاوضي خلال 30 يوما.
وفيما أشار موقعا أكسيوس ورويترز عن شمول البنود في المقترح الأمريكي الجديد وقفا مؤقتا للتخصيب بالتزامن مع رفع العقوبات وفتح مضيق هرمز، فإن وكالة أنباء تسنيم الإيرانية أبرزت تركيز المقترح الإيراني السابق على إنهاء الحرب وتقديم ضمانات والانسحاب العسكري الأمريكي وتأجيل التفاوض على الملف النووي.
يركز الجانب الإيراني إذن على مطلب الإنهاء الدائم للأعمال القتالية وليس على هدنة مؤقتة يمكن أن تكون غطاء لأعمال حربية، على شاكلة ما تقوم به إسرائيل من انتهاكات خطيرة في قطاع غزة ولبنان، وهو أمر يبدو أن المقترح الأمريكي يحاول تدوير الزوايا فيه.
استخدم المقترح الأمريكي اصطلاح إنهاء الحرب لكنه حافظ على «حق واشنطن» في استئناف الحصار أو العمليات العسكرية في حال فشلت المفاوضات، وواجهت اقتراح إيران الوقف المؤقت للتخصيب 5 سنوات، بوقفه 20 سنة، وبذلك فتح الطرفان مجالا لتسوية محتملة بين 12 إلى 15 سنة مع محاولة تذليل مطلب إيران الاعتراف بحقها في التخصيب السلمي.
يشير المقترح الأمريكي إلى تجاوب مع مطلب إيران الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، وإلى اقتراب حذر من مطلب إيران رفع الحصار الأمريكي باعتباره جزءا أساسيا من إنهاء الحرب حيث تقترح واشنطن رفعا تدريجيا للحصار مع إمكانية إعادة فرضه إذا انهارت المفاوضات. يتضمن التقارب أيضا ما يبدو أنه تأجيل أمريكي لموضوع الجبهات الإقليمية، والذي يقابله مطلب إيران شمول الهدنة الأعمال العسكرية على لبنان.
يشير المقترح الأمريكي إلى تباعد حاد في موضوع وجود القوات الأمريكية قرب إيران، وفي عدم تعهد أمريكا الواضح بعدم الحصار واستئناف العمليات العسكرية، وهذا التجهيل ينسحب أيضا على مطلب طهران منع إسرائيل من الاعتداء مجددا، فيما يبدو التباعد أقل في قضية الجبهات الإقليمية، التي تطالب إيران بشمولها بالهدنة، وهو أمر أقلّ أهمية لواشنطن، لكن مساراته قد تتحرك إذا حصلت هدنة في الخليج.
تظهر الورقة أيضا نقاط تباعد حول مدة وحجم وقف التخصيب، وإن كان التفاوض حول ذلك سيتم فورا أم يؤجل، وهل تحصل إيران على حق التخصيب السلمي، وهل تنسحب القوات الأمريكية من محيط إيران، وهل تقدّم أمريكا وإسرائيل ضمانات عدم اعتداء، وهل تدفع أمريكا تعويضات عن الحرب، وهل يحق لها استئناف الحصار أو الحرب إذا فشلت المفاوضات.
الخلاصة المبكرة هي أن نقاط التقارب إجرائية واقتصادية: فتح المضيق، رفع الحصار، إطلاق الأموال، بدء التفاوض، أما نقاط التباعد فهي سيادية وأمنية وتقرّر توازن القوى في المنطقة والعالم. وقف إطلاق النار سيخفّف التوتّر العالمي وسيمثّل انفراجة مطلوبة للمنطقة، وللاقتصاد العالمي، ولكن أسباب الحرب ستبقى فاعلة ومرتبطة إلى حد كبير بطبيعة الأطقم الحاكمة في أمريكا وإسرائيل… وفي إيران أيضا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *