عمان ـ «القدس العربي»: «عقلاء» الدولة الأردنية يدركون مسبقا بأن الرهان على وجهة نظر خصوم التيار الإسلامي «الدائميين» في بناء تصور «رسمي قانوني» قد لا يشكل «المدخل الملائم» لحل ومعالجة معضلة «التعايش والتكيف» مع الحزب الوحيد المتبقي للإسلاميين في الخريطة المحلية، أي «حزب الأمة».
والعقلاء أنفسهم يعلمون مسبقاً بأن «التحريض» ضد الإسلاميين مجددا قد لا يخدم أهداف الدولة، وإن كان يبقى، كما يقرأ المحلل السياسي مروان الفاعوري، تعبيرا عن مساس بمعادلة الاستقرار العام بعدما أظهر حزب التيار الإسلامي الوحيد في المعارضة الوطنية قدرة فائقة على «التكيف القانوني» المطلوب.
مؤخراً، ورغم أن حزب جبهة العمل الإسلامي «سابقا»، سجل «استجابة سياسية لاشتراطات الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات إذ غير اسمه لـ «حزب الأمة» وأجرى تعديلات جوهرية على نظامه الأساسي، برزت أصوات «تحريضية»، يقدر الفاعوري، وهو يتحدث لـ «القدس العربي» أن هدفها إبقاء الجميع «على الحافة» ومنع «حالات مصالحة وطنية» تتطلبها طبيعة «التحديات الجوهرية» الإقليمية التي تواجه البلاد والعباد والمؤسسات.
وظهرت ملامح «الاسترسال في التحريض» طوال أسبوعين، وارتدت أكثر من «ثوب»، كما يلمح الفاعوري، لكنها ركزت بصورة مركزية على «قشور « ما حصل في المؤتمر العام الأخير لحزب التيار، وليس على جوهر رسالة التكيف بتغيير الاسم وتعديل النظام الأساسي.
تلك «القشور» هي التي حضرت في مقالات وطروحات تعزف مجددا على وتر «التحريض على الإسلاميين»، حيث تسلطت الأضواء أولاً على «مخالفة مفترضة» قانونيا بالاسم الجديد فكرتها عدم الالتزام بمعيار «عدم التطابق» مع اسم وشعار حزب آخر.
وتركز، ثانيا، على مجموعة من كوادر الحركة الإسلامية بعد اختيار «حزب الأمة» وقفت في هتاف يعلن «مبايعة الاسم الجديد» حيث صنفت المشهدية بـ«استفزاز مقصود» رغم أنها لا تتجاوز «مألوف الإسلاميين» في الهتاف خصوصا في لحظات «الإحباط» الناتجة عن مرحلة ما بعد «حظر الجماعة» حيث الابتهاج العلني العفوي الإنساني بتوفير طريق «قانوني» لمغادرة الأزمة مع السلطة ليس أكثر ولا أقل.
طبعا كان يمكن الاستغناء عن «هتاف حماسي بعنوان مبايعة»، ينسجم مع ثقافة وتراث الإسلاميين، لكن حصول «ذلك الهتاف» في كل حال لا ينبغي أن يقود إلى استنتاجات متسرعة مرتبطة بـ«رسالة ما»، مقصودة لأن التعبير كان عفويا ويمكن هضمه.
يمكن رصد الوزير والبرلماني السابق المخضرم بسام حدادين أحد أبرز خصوم التيار في الساحة في «جملة تحريضية» بامتياز يعبر عن قناعاته في مقال نشرته الجمعة صحيفة «عمون» الإلكترونية ومضمونه «كأنك يا أبو زيد ما غزيت» وأن ما فعله «حزب الأمة» هو «ضحك على الذقون»، معتبرا أن «الإخوان في حالة تحد للدولة».
الأدلة التي قدمها حدادين هنا لا تتجاوز «ظهور الصقوري همام سعيد في الصف الأول» في استعراض إشهار حزب «الأمة» وترديد ما أسماه «قسم الفكر الإخواني علنا».
عمليا تلك أدلة «ضعيفة للغاية» وغير مقنعة في ترويج تهمة «تحدي الدولة» وفيها قدر من الالتقاط المغرض القائم على «خصومة إيديولوجية» معلنة من صنف لا يحكم ولا ينبغي أن يحكم «اعتبارات الدولة».
الدولة دوما لها حساباتها، ومواقفها المعلنة «بعد حظر الجمعية» ركزت حصرا على «إجراءات قانونية» محكمة تنسجم مع معايير ونصوص قانون الأحزاب.
والدولة تنصح عبر «حوار وطني» عن بعد مع الإسلاميين مغادرة «أزمة الاسم» بإضافة كلمة «أردني» إلى «حزب الأمة» حسما للجدل القانوني.
تلك خطوة ممكنة للإسلاميين ولغيرهم، ولا يوجد ما يمنعها إذا تفاعل عقلاء التيار مع عقلاء المؤسسات الرسمية على أساس أن «أردنة» الأدبيات والسلوك والأسماء ليست تهمة لا بل تجاوب وطني متزن يساعد عقلاء الصف الرسمي لاحقا على توفير «حماية» للمكون الإسلامي الداخلي على أساس الدستور والقانون، خصوصا بعد هجمات مؤسسات التشريع الأمريكية وتوابعها التي يعرفها الجميع.
موقف الدولة التي يحاول بعض المقالات تحريضها بصياغات ركيكة ومتسرعة، «واضح ومباشر». التموقع الرسمي يدفع في اتجاه طرح سؤالين على اليساري المخضرم حدادين هما: أين تريد أن تجلس قامة من وزن الدكتور التسعيني همام سعيد في مؤتمر عام للحزب الذي كان أهم مؤسسيه إذا لم تجلس في الصف الأول؟
السؤال الثاني: ما هي مشكلة اليساريين عموما مع عبارة» الجهاد سبيلنا والموت في سبيل ألله أسمى أمانينا» خصوصا في بلد تحاصره إسرائيل استراتيجيا، وتقصفه أحيانا صواريخ إيران؟
هنا يبدو واضحا أن جملة استعراضية عفوية «يمكن الاستغناء عنها «طبعا ودوما ركب موجتها متحمسون من أبناء الحركة الإسلامية خلال مؤتمرهم العام الأخير، تقابلها فعاليات يسارية وأخرى متلونة بخطاب تحريضي قيد المبالغة والشطط النقدي، وهدفها الحرص على «تهميش» منجز التيار الجوهري الذي تمثل في القدرة وبجرأة على تغيير الاسم وتعديل النظام الأساسي الداخلي، فيما الهدف المتوقع من الحراك المضاد للإسلاميين بعد تجاوز قراءة «الاستفزاز المحتمل» باعتباره «تحديا للدولة» السهر مع الحرص على «بقاء الأزمة الرسمية مع الإسلاميين» الذين يعلم الجميع أنهم «مكون أساسي» في خريطة السياسة والأحزاب وعمق المجتمع. وأن «شرعية» حضورهم الشعبي لا يمكن التشكيك بها خصوصا من إسلاميين سابقين أو يساريين طامحين استمتعوا لسنوات في «أحضان السلطة» ومزاياها.
ما اقترحه هؤلاء في أبعد مكان ليس عن «الواقع فقط» ولكن عن «ما تريده أو تخطط له السلطة».
ولا أحد من المتخاصمين مع الإسلاميين يجيب بعد على السؤال الأهم: كيف وعلى أي أساس يفترض المتفاعلون أن سيناريو «تأسيس حزب إسلامي- مدني» وبعد «100» عام من استقرار أدبيات الإخوان في البلاد وبين العباد ممكن أو منطقي؟
المقاربة الرسمية العميقة بخصوص جذب الإسلاميين للشرط القانوني الخالص تحتاج في جزئية الأدبيات حصرا إلى «المزيد من الوقت».
والأهم تحتاج لتحرير الواقع الحزبي- الشعبي من أوهام «حافلة الحكومة» الوحيدة المتاحة أمام الناخبين عبر إنضاج «البديل المقنع»، قبل ذلك سيتحول التشكيك بحكماء التراث الإخواني ومعه المطاردة إلى مجرد «تسلية» بلا معنى وغير ملزمة للمؤسسة الرسمية..
لذلك يصبح السؤال الختامي: من يضحك حقا على ذقن من؟