لا يمكن قراءة «أسياد الخرابة» للكاتبة المصرية عزة أبو الأنوار، من دون استحضار تراث ممتد من أدب «التحولات»؛ بدءاً من «مسخ الكائنات» لأوفيد، و»ألف ليلة وليلة»، مروراً بحكايات شعبية لا تُحصَى، وصولاً إلى «المسخ» لكافكا وأعمال معاصرة أخرى؛ إذ يعد الانمساخ وأحوال الجسد العنوان الأبرز لنصوص المجموعة القصصية الصادرة مؤخرا عن دار ساراي للثقافة والفنون.
لكن ذلك لا يعني أننا أمام نصوص تحاكي ما سبق أن قرأناه، فالقصص مبتكرة ومكتوبة بفنية عالية، لتقدم طرحاً أليغورياً غير منفصل عن واقعه المحلي، إذ ينغرس فيه ويحيل مشكلاته وتحدياته إلى استعارات تمكننا من فهمه على نحو أعمق.
في نصوص كهذه، لا بد من أن يلعب الجسد دور البطولة، لكنه يحضر – بطبيعة الحال- عبر النقص والتشوه والانمساخ، ما يعني أنه في حالة من السيولة والتحول والالتحام بغيره. ومن الطبيعي كذلك أن يستدعي الانمساخ اللعنة، وصنوف السحر كافة، كما أنه يتجلي في أغلب قصص المجموعة كوسيلة للسيطرة على الجسد الأنثوي وقولبته وتحجيم تمرده وخروجه على السائد.
ففي قصة «منابت الشوك» نصادف جسداً بلا أصابع، وبفعل تعويذة تنبت لصاحبته أصابع من شوك. ثم سرعان ما يلتحم هذا الجسد بالطبيعة؛ حيث دُفِنت ذراعا البطلة في الرمل فنبت في موضعهما صبّار. وعبر تعويذة ثانية نبت على لسانها شوك وعلى جبهتها وردة. ولأن المعنى الخفي في «الأليغوريا» أهم من القصة الظاهرية، وما يكمن بين السطور أبعد من الكلمات المكتوبة، فإن «منابت الشوك» في جوهرها تتمحور حول العزلة المفروضة على المختلفين عن السياق العام، والمسافات الشائكة بين الذات والآخر.
وفي قصة «عروس النيل»، تنبت زعنفة على ظهر مقتب. تضمر الأطراف وتكبر الزعنفة، وحين يقصها الأب، تتوقف الابنة عن المشي وتتقلص قدماها لينمو مكانهما ذيل مغطى بالقشور، منتظرةً أن ينبت لها خيشوم لتقفز في النهر. نقرأ القصة فنرى فيها التحجيم والتقليم للإناث سواء على مستوى الجسد أو الوعي.
أما في «أيام النسي»، فيجد القارئ نفسه أمام نرجس مضاد، فإذا كان الأول قد استحال إلى زهرة نرجس بعدما استغرقه تأمل جماله منعكساً في الماء، فإن بطلة القصة ترى غولة منعكسة في ماء «الزير» و»الكوز»، بعدما أكلت ثمرة خوخ توغلت في جسدها، لينتهي بها الأمر وقد تحولت إلى شجرة خوخ كاملة النضج بوخز طفيف في قلبها. تعيدنا «أيام النسي» مجددا إلى ثيمة الانمساخ وسيولة الهوية البشرية، لا سيَّما الأنثوية، والتحام الجسد بالطبيعة ممثلة هنا في عالم النبات. لكن ما يُحسَب للكاتبة أنها – رغم التناص مع أسطورة نرجس في مستوى من مستويات قصتها – تظل كتابتها منغرسة في الثقافة الشعبية المصرية، بدءاً من الاعتماد في بنية النص على التقويم القبطي وربطه بتحولات البطلة، وصولاً إلى ارتباط معظم تفاصيل القصة تقريباً بالبيئة المحلية. وهو أمر نلاحظه في المخيلة الكامنة خلف نصوص الكتاب كلها، إذ تنهل من التراث الشعبي المصري بأساطيره وخرافاته، ومن تقاليد الحكي في قصصه الفلكلورية.
بالعودة إلى «أيام النسي»، فأهم ما نلاحظه فيها هو براعة الإنهاء، فالجملة الأخيرة» :أظهرت الأشعة طفلا ينمو في قلبي»، تفتح باباً لتأويل آخر أبعد، مفاده أن هذه التحولات – وما تحمله من ارتباك علاقة الذات بجسدها، ومن ثم بالعالم – قد تكون تمثيلاً فنياً مراوغاً للحمل والأمومة وكيف يخلخلان الجسد الأنثوي.
وهذه الثيمة مركزية في نصوص مجموعة عزة أبو الأنوار، ولا غرابة في ذلك؛ إذ للكاتبة عمل سابق بعنوان «قاموس الأمومة»، بخلاف أن تجربة الحمل، بما تحمله من تغيرات جسدية وهرمونية ونفسية، وثيقة الصلة بالجسد المتحول، وهو – كما أشرت – الخيط الرابط بين أغلب قصص «أسياد الخرابة».
في هذا السياق، من الطبيعي أن تطل الأمومة برأسها في قصص عديدة، وإن تباينت صورها ومساحات حضورها، كأن تمتزج في قصة «سوأة الحزن» بالغيبيات والمعتقدات الشعبية، ويُنظَر إلى الحمل كذنب لا تعرف البطلة متى اقترفته، أو كأن تحضر الأمومة في قصة «رحم» عبر غيابها، إذ يلفظ الرحم نطفه، ويغدو الجسد الأنثوي عبئاً وفخاً، فالراوية «مفخخة دوما بالفضيحة»، على الأقل من وجهة نظر أمها، لمجرد أن جسدها يحوي رحماً.
وتأخذنا قصة «أسياد الخرابة»، المروية على لسان الكلاب، إلى أمومة قاتمة تأكل فيها الأم قلب الابن لتثقل جوفه بالحياة كي يرسو على الأرض. وتأتي عبارة الختام لتؤكد مجدداً براعة الكاتبة في إنهاء نصوصها: «إحنا ولاد الكلب!»، موضوعة بين قوسين، مع إحالة في الهامش إلى قصيدة عبد الرحمن الأبنودي «الأحزان العادية». يثير هذا الهامش تساؤلاً ينبغي عدم تجاهله: لماذا حرصت الكاتبة على نسب هذه العبارة الشائعة للأبنودي؟ ولعل الجواب يكمن في أن التذكير بقصيدة صاحب «جوابات حراجي القط»، يدفعنا لاستحضار العبارة، كما وردت في سياقها الأصلي، بإضافة الكلمة المحذوفة: «إحنا ولاد الكلب الشعب!»، وهو ما يفتح أفقاً تأويلياً للقصة، يربطها بالثورة المصرية ومآلاتها، لا سيما أن ثمة إشارات بين السطور تؤيد هذا التأويل.
وثمة بُعد أمومي آخر يطبع نصوص المجموعة، إذ تتصدر أدوار البطولة فيها البنات والأمهات، وأحياناً الجدات. واللافت للانتباه أن الجدة يُشار إليها في أحد النصوص بوصفها «أُم أُمي»، أي أن حضورها هي الأخرى مرتبط بأمومتها. في المقابل، يتأرجح دور الأب بين الغياب والتهميش، أو ممارسة الضبط الاجتماعي والجسدي، كأن يقص الزوائد الجسدية في حالة الانمساخ، كما تُقص فروع الأشجار. ومع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة أن الكاتبة تضع النساء في صراع مباشر مع الرجال، فكثيراً ما يظهر الطرفان أسيرين للتقاليد والقيود المجتمعية البالية. ففي قصة «غرزة مفتوحة»، على سبيل المثال، يحول القصر النساء إلى دُمى، لكننا لسنا هنا أمام مواجهة بين الجنسين، فمن تتحكم في خيوط اللعبة في القصة هي الملكة، لذا فالأمر يمس الشعب برمته؛ متجلياً هنا عبر حلقته الأضعف، في مواجهة سلطة تسعى لقولبته. أما في نص «آخر بنات الغضب»، فتولد البطلة بندبة غائرة تشبه طعنة قديمة بسكين ثَلِم، وهي ندبة موروثة عن أمها التي ورثتها بدورها عن جدتها، وتمثِّل العلاقة بالحبيب إصلاحاً لخراب العالم المحيط، وشفاءً لثمرة هذا الحب من إرث الندوب.
من جهة أخرى، تشتبك النصوص مع الموروث الديني، خاصة قصتَي «أول من سمع البشارة» و»الفويسقة»؛ ففي الأولى تُروَى قصة الطوفان وفُلك نوح من وجهة نظر الفئران، وفي الثانية يمتلك الوزغ صوتاً، ويدافع عن نفسه ضد التهم التي وُجهت له، انطلاقاً من دوره المزعوم في محاولة حرق النبي إبراهيم، وما جلبه هذا عليه من لعنة لم يبطلها تعاقب القرون.
في النهاية، تصلح أفكار الناقدة والكاتبة البريطانية مارينا وارنر حول الانمساخ في الأدب وعلاقته بسرد الهوية الذاتية، مدخلاً لقراءة نصوص عزة أبو الأنوار الأليغورية، إذ ترى وارنر في الانمساخ مبدأً ديناميكياً للتغيير وهشاشة الهوية الإنسانية، التي تتسم بالسيولة والتدفق، ما يعكس التدفق الدائم للكون نفسه، وعدم ثبات الجسد الإنساني في هيئة نهائية. فالجسد الممسوخ يكسر الحدود الصارمة بين البشر والجمادات والنباتات والحيوانات والطبيعة ككل، وهو ما يتحقق في نصوص «أسياد الخرابة».
كاتبة مصرية