بعكس ما كان الوزير الإسرائيلي المتطرف، إيتمار بن غفير، يأمل بتحقيقه، كان مشهد نشطاء أسطول الصمود الذي كان متجها لغزة، وهم أسرى لدى الإسرائيليين، معبّرا عن معاني الخير والكرامة والإنسانية والظلامة من جهة، ووحشية الاحتلال الإسرائيلي وانعدام إنسانيته من جهة أخرى.
هؤلاء البشر لم يكونوا من طلّاب الدنيا ولا الباحثين عن الشهرة، بل هم مناضلون إنسانيون يسعون لإشباع بطون أهل غزّة التي عمد الاحتلال لتجويعها بالحصار ومنع وصول الطعام والشراب إليهم. الوزير المذكور لم يكن يوما محبوبا، بل كان العالم ينظر إليه بامتعاض خصوصا عندما يقوم بأعمال استفزازية تعمّق الظلم والكراهية والتنافر. فقد اقتحم المسجد الأقصى عشرات المرّات منذ أن أصبح وزيرا، مستفزا بذلك أهل فلسطين. كان آخرها الخميس 14 مايو، برفقة مستوطنين. وحظي اقتحامه بحماية مشددة، رافعا علم الاحتلال الإسرائيلي داخل باحات المسجد الأقصى. نشطاء الإغاثة الذين اعتقلهم الإسرائيليون جاؤوا من كل حدب وصوب، ممثلين لعدد من دول العالم، ليقدّموا شهادتهم للتاريخ، ويتركوا بصمتهم على قضية فلسطين التي يشعر المناضلون بشرف الانتماء إليها والعمل من أجلها. فكل مستضعفي الأرض هم من هذا الصنف الذي تدفعه إنسانيته للتفاعل الإيجابي مع أهل فلسطين، منذ النكبة التي مرّت هذا الشهر ذكراها الثامنة والسبعون. وإذا كان الإسرائيليون وداعموهم في الغرب قد تكلّست مشاعرهم حتى أصبحت مشاهد الجياع واللاجئين لا تلامسها، فما أكثر البشر الطيّبين على وجه هذا الكوكب الذين لم يتجهّموا للقضية يوما، بل وجدوا فيها منطلقا لعمل الخير من جهة، والتصدي للقوى الاستعمارية والاستكبارية من جهة أخرى. فبدأت حملات الإغاثة لكسر ذلك الحصار، برغم علم المشاركين فيها بوحشية القوات الإسرائيلية.
بعض القادة الإسرائيليين يعتقد أن بإمكانه اعتقال كل من يحاول اختراق الحصار المفروض على غزّة، وأن أمريكا جاهزة لدعمهم عندما يصطدمون بمعوّقات عملياتية أو سياسية. وفي الوقت الذي يساعدهم هذا الافتراض على الاستمرار في تصدّيهم للفلسطينيين وداعميهم من كافة أنحاء العالم، فإنه يفتح لهم أبوابا للمشاكل التي ستحاصر أمريكا كذلك. فقد نجم عن الصلف الإسرائيلي ارتكاب حماقات كبيرة ضمن محاولات إحكام الحصار. فبعد مشاهد الجوع والفاقة في غزّة التي هزّت ضمير العالم قبل خمسة أعوام، استيقظ أصحاب الضمائر على واقع غير إنساني في الأراضي المحتلّة، وأدركوا وجود تفكير استئصالي مستعد لممارسة الإبادة في ظل الحماية الأمريكية. ولكن الضمير الإنساني حال دون تحقق ذلك. فجاءت أساطيل الإغاثة لتبلور موقفا دوليا رافضا للحصار، نجم عنه مواقف سياسية لم تكن في حسبان المحتلّين. فبعد تجربة متكرّرة لإيصال المعونات إلى جياع غزّة، توسعت دائرة المشاركين في حملات الإغاثة. في البداية انحصر المشاركون فيها بالنشطاء من كافة الأطياف الأيديولوجية، ولكنها توسعت لتشمل شخصيات مهنية وسياسية مرموقة، الأمر الذي من شأنه أن يضيّق الخناق على الإسرائيليين. ففي الأسبوع الماضي أعلنت رئيسة أيرلندا، كاثرين كونولي، رسمياً عن اعتقال شقيقتها، الطبيبة والناشطة الحقوقية مارغريت كونولي، برفقة عدد من المواطنين الأيرلنديين، واصفة الحادثة بأنها «اختطاف غير قانوني» في مياه دولية. إن اعتقالا من هذا النوع من شأنه أن يفاقم الأزمة السياسية التي ستواجه قوات الاحتلال، بعد أن امتدّت أيدي الإسرائيليين لشخصيات غير فلسطينية ذات ثقل سياسي. فقد أعربت الرئيسة الإيرلندية عن «فخرها الشديد» بموقف شقيقتها الإنساني، بينما حذر مراقبون دوليون من أن اعتقال شخصية طبية وحقوقية بهذا الثقل، ترتبط بصلة قرابة مباشرة برأس الدولة في أيرلندا، سيضع إسرائيل وجهاز الموساد في مواجهة أزمة دبلوماسية غير مسبوقة مع الاتحاد الأوروبي، ويُعمق من عزلتها الدولية.
وهكذا تتحوّل أنشطة الإغاثة إلى وقائع سياسية تتحدّى الإسرائيليين وداعميهم. والسبب واضح: أن «إسرائيل» تضع قرارها باستخدام الطعام والشراب سلاحا ضد غزّة موضع التنفيذ، معوّلة على انشغال العالم بقضايا أخرى وعلى استمرار الحماية الأمريكية كذلك. إن اعتقال شقيقة رئيسة دولة أوروبية يمثل تحولاً جوهرياً في طبيعة الصدام بين إسرائيل وحركات التضامن الدولي، مما يجعل الأيام القادمة حاسمة في تحديد مستقبل العلاقات الأيرلندية الإسرائيلية المتوترة أصلًا. والواضح أن هذه السياسة لم تنجح، بل ربما ساهمت في توسيع دائرة الصراع ووضعت قوات الاحتلال في مواجهة العالم. البعض يقول أن هذا الواقع ليس جديدا، وأن كيان الاحتلال كان معزولا على نطاق واسع منذ قيامه حتى ما بعد حرب 1973، وبالتحديد بعد أن تحدث المرحوم ياسر عرفات من على منبر الأمم المتحدة. فقد ألقى الرئيس الفلسطيني ياسر بصفته رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية، خطاباً تاريخياً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 1974. كان هذا الخطاب الأول من نوعه الذي يلقيه ممثل عن حركة تحرر وطني أمام الأمم المتحدة.
كل مستضعفي الأرض هم من هذا الصنف الذي تدفعه إنسانيته للتفاعل الإيجابي مع أهل فلسطين، منذ النكبة التي مرّت هذا الشهر ذكراها الثامنة والسبعون
وانطلاقا من شعور بعض مسؤولي الاحتلال بالغطرسة والتفوق العسكري، فقد تجاوز بعضهم حدود اللباقة والحصافة السياسية، واقتحم دائرة الصراع من أوسع أبوابه. فعلى مدى سنوات عديدة قام بن غفير بإجراءات عديدة ساهمت في بلورة موقف دولي ضد حكومته. ومن هذه الخطوات الاستفزازية: اقتحاماته المتكررة للمسجد الأقصى، مدعوما بالقوات الاسرائيلية، ومثيرا للاستنكار الدولية وطرح الاتهامات بخرق الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس. كما أن مواقفه المتطرفة الداعية إلى طرد الفلسطينيين، وتوزيع آلاف قطع السلاح الناري على المستوطنين في الضفة الغربية والمدن المختلطة، إلى جانب دعواته المتكررة لتسريع وتيرة البناء الاستيطاني جاءت ضمن سياقات مرفوضة عالميا ومناقضة للقانون الإنساني الدولي. يضاف إلى ذلك أنه اتخذ اتخذ إجراءات صارمة ضد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، تضمنت تقليص فترات الاستحمام، والحد من الزيارات، وإلغاء بعض حقوقهم الأساسية، وهو ما فاقم التوترات. وحتى حلفاء الاحتلال لا يُخفون الآثار السلبية لسلوك بن غفير على مسارات السلام الذي ما يزال «سرابا» في نظر الكثير من أهل فلسطين الذين لا يثقون في كيان الاحتلال أو في إنسانيته.
مرّة آخرى، يقفز الجوع إلى قائمة أسلحة المقاومة ضد الاحتلال. في السابق استخدم الفلسطينيون هذا السلاح ضد الاحتلال، ولكنه في أغلب الأحيان حقّق بعض مطالب المضربين عن الطعام، أو وصل إلى طريق مسدود. وقد بدأت «معركة الأمعاء الخاوية» الجماعية الكبرى في أبريل 2012. ولجأ إليها الأسرى – مثل خضر عدنان وسامر العيساوي- ضد الاعتقال الإداري والظروف التعسفية، مما أدى إلى ارتقاء شهداء للحركة الأسيرة. وقد أتقن الفلسطينيون، نتيجة نضالهم التاريخي الطويل، أساليب المقاومة غير المسلّحة، وكثيرا ما حاصروا قوات الاحتلال سياسيا وإخلاقيا. ولذلك استمر الدعم الدولي للقضية الفلسطينية حتى أصبح ذلك الدعم عابرا للقارّات ومخترقا الحدود الزمانية والمكانية. ونظرا لعدالة قضيتهم فكثيرا ما توفر لها دعم دولي، خصوصا من الجهات المناضلة التي عانت من شرور الاستعمار والاحتلال والاستغلال. ويتسابق المناضلون في شتى بقاع العالم لدعم قضية فلسطين بشكل عملي. وكان من نتائج ذلك توسع دوائر رفض السياسات الأمريكية حتى لم يبق لدى نزلاء البيت الأبيض من خيارات سوى التلويح الدائم باستخدام القوّة الغاشمة ضد معارضيهم.
الأمر المؤكّد أن مشروع سفن الإغاثة للجياع الفلسطينيين يعتبر من أهم المشاريع الإنسانية التي تهدد سياسة الحصار والتجويع الإسرائيلية، ولذلك تهرع قوات الاحتلال للتصدّي لتلك السفن واحتجاج النشطاء والتنكيل بهم ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. ولا شكّ أن المشروع الإغاثي قد أحرج الأوروبيين كثيرا لأنه أظهر عجزهم السياسي وتلكؤهم الإنساني وعدم استعدادهم لاتخاذ مواقف قويّة لكسر الحصار الإجرامي الذي ينهش من أجساد المحرومين من الغذاء والدواء. أمّا المتطوّعون الذين بادروا للالتحاق بأساطيل الإغاثة فقد سجّلوا أسماءهم في ملفات البطولة والإقدام وأثبتوا عمليّا وفاءهم لمشاريع الإغاثة بهدف إنقاذ أهل غزّة من المجاعة التي تهددهم بدون رحمة.
٭ كاتب بحريني