غزة – القدس العربي: لم يعد ذلك بيت أحمد أبو ريدة، المسقوف بالخرسانة وسط منطقة قروية شرق مدينة خان يونس، يعيش ذات الأجواء التي كانت تتكرر سنويا مع اقتراب حلول عيد الأضحى، ويستذكر هذا الرجل النازح وعائلته في خيمة غرب المدينة، خروف العيد الذي كان يشتريه في بداية أيام شهر ذي الحجة، ويربطه في فناء منزله الذي دمر في بدايات الهجوم البري الإسرائيلي على المدنية في الشهر الثالث للحرب على غزة.
وبدلا من النظر في حقول زراعية تحيط منطقة سكنه السابقة قبل الحرب، يطل أحمد من بوابة خيمته البلاستيكية على مشهد تتكدس فيه آلاف خيام النازحين من أمثاله الذين فقدوا منازلهم خلال الحرب، أو تقع مناطق سكنهم داخل «الخط الأصفر»، فيما تعلو على مقربة منهم أكوام من القمامة، التي حولت حياتهم مع بدايات فصل الصيف إلى جحيم لا يطاق، فعلاوة عن انتشار الحشرات والأمراض، بات الجميع هناك يخشى خطر «القوارض» التي تنتشر بأعداد مخيفة، مسببة الأمراض للنازحين.
ذكريات قبل الحرب
ويقول أحمد لـ «القدس العربي» «هذا العيد الثالث (الأضحى)، الذي لم أشتر فيه أضحية»، وعاد بالذكريات قليلا وهو يتحدث عن العيد ما قبل الحرب، وقد وقف من حوله اثنان من أبنائه، فيما كانت زوجته جالسة جوار خيمة النزوح على مقعد خشي صنع يدويا، وتقوم بأعمال منزلية، وقال والجميع يشاركه الاهتمام، وقد كان يعبر عن مشاعرهم «ما في لا بيت ولا خروف»، ويضيف «وضعنا تبدل، بدل ما أربط الخروف أمام المنزل، اليوم شوف (انظر) هذا الموجود أمام الخيمة»، وقد أشار إلى غالونات مياه وبعض معدات الطهي.
تدخلت زوجته في الحديث، وهي لا تزال تنجز بعض الأعمال المنزلية «كنا قبل العيد نقوم بتزيين المنزل، ويوم العيد نوزع حصص الأضحية»، وبحسرة أكلمت حديثها وقد غالبتها دموع انهمرت على وجنتيها فجأة «اليوم تبدل حالنا، بعد البيت أصبحنا نعيش في خيمة»، ومع حشرجة في صوتها صمتت فجأة وكتمت حديثا يؤلب عليها الذكريات، ويذكرها بتلك الأيام التي تبدلت بفعل الحرب التي قلبت حياة الغزيين رأسا على عقب.
الحصار السبب
وللعام الثالث على التوالي يحرم سكان قطاع غزة من أضاحي العيد، بسبب الحصار المشدد الذي تفرضه إسرائيل على غزة، وتحرم بموجبه دخول الخروف والعجول، بعد أن دمرت أغلب مزارع القطاع الحيوانية، وفي هذا الوقت يباع ما يتوفر من الخراف والعجول، بمبالغ مالية كبيرة جدا، فيما يشتكي السكان من الفقر وتفشي البطالة بشكل كبير.
عيد جديد فاقد لأجواء البهجة
وحتى قبل هذه الحرب التي بدأتها إسرائيل في تشرين الأول/أكتوبر 2023، كان تجار غزة يستوردون ما بين 10 آلاف و20 ألف عجل، ومن 30 ألفاً إلى 40 ألف خروف سنوياً لموسم عيد الأضحى، حسب ما أعلنت وزارة الزراعة، الجهة التي تشرف على عمليات الاستيراد، وتؤكد أنه بسبب الحرب وصل استيراد الأضاحي الحية إلى صفر، في ظل استمرار إغلاق المعابر، ومنع إدخال المواشي والأعلاف والأدوية البيطرية.
وتعرض في بعض مناطق قطاع غزة خراف بمبالغ يفوق ثمنها ما كان عليه قبل الحرب بعشرة أضعاف، وبسبب ندرتها لم تعد أسواق البيع المخصصة لها قائمة حاليا، رغم أن الأسواق والمزارع كانت تعج بالباحثين عن شراء الأضاحي في هذه الأيام. ويقول عبد نبهان، أحد تجار الخراف في غزة لـ «القدس العربي» إنه كان يجني أرباحا كثيرة في موسم عيد الأضحى، من كثرة المشترين، ويشير إلى أن عمله توقف في الأشهر الأولى من الحرب، حين نفذ ما كان لدى التجار الكبار وأصحاب المزارع من رؤوس ماشية، وقال «الي بيتوفر اليوم ما حد من الناس بقدر على ثمنه».
ويشير نبهان إلى أنه في السوق الواحد، كانت تتواجد آلاف رؤوس الأغنام، بخلاف العجول، ويوضح أن ما يتوفر اليوم في كافة مناطق غزة، لا يقارب بأقل كمية في أصغر أسواق غزة قبل الحرب، ما أدى لارتفاع أثمانها بشكل خيالي.
ويقول سائد حجاج ويقطن مدينة غزة، إنه صعق عندما سمع بأثمان الأضاحي هذا العام، وقال متسائلا «مين بقدر يضحي، الأسعار خيالية».
وتطال أزمة الأضاحي أيضا المواطنين العاديين والأسر الفقيرة، والتي كان موسم العيد يوفر لهم كميات من اللحوم التي لم تكن تقدر على شرائها بكميات كبيرة قبل العيد، وتقول أحد السيدات اللواتي تعاني أسرهن من الفقر، لـ «القدس العربي» «أسرتي ما أكلت لحوم من شهرين»، وتضيف «آخر مرة أكلنا لحمة كانت من خلال مؤسسة خيرية وزعت وجبات طعام»، وحين عادت بالذاكرة إلى ما قبل الحرب، قالت إن أكثر من 30 كيلو من اللحوم كانت تصل إلى أسرتها من المضحين والمؤسسات الخيرية، وتضيف «اليوم كل اشي تغير للأسوأ»، وأضافت «الحرب مسحت كل اشي جميل في غزة».
وقالت وزارة الزراعة في قطاع غزة، إن أكثر من مليوني فلسطيني سيستقبلون عيد الأضحى للعام الثالث على التوالي بلا أضاح، وذلك بسبب الدمار الذي طال قطاع الثروة الحيوانية جراء حرب الإبادة الجماعية واستمرار الحصار الإسرائيلي، «في مشهد غير مسبوق يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلقتها الحرب والحصار المستمران على القطاع».
وأوضحت كذلك أن شح الأعلاف وارتفاع أسعار المتوفر منها تسببا في «القضاء على ما تبقى من الثروة الحيوانية»، وأكدت أن غياب الأضاحي هذا العام «لا يمثل فقط فقدان شعيرة دينية، بل يعكس حجم المجاعة والمعاناة التي يعيشها فلسطينيو غزة، خاصة مع اعتمادهم قسرا على كميات محدودة من اللحوم المجمدة، في ظل غياب أي مصادر إنتاج محلية».
اللحوم المبردة
وبسبب المشكلة التي لم تجد حلا بسبب السياسات الإسرائيلية تجاه غزة، أصدر مجلس الاجتهاد الفقهي بوزارة الأوقاف في غزة فتوى شرعية، دعا فيها الميسورين ومن يملك الأموال إلى التوسعة على الفقراء بالصدقات وتقديم اللحوم المبردة والسلال الغذائية في ظل انعدام الأضاحي بقطاع غزة.
وأكد في قراره الفقهي الذي أصدره في ظل انعدام المواشي في غزة للعام الثالث على التوالي، أن ذلك «لا يُجزئ عن الأضحية» التي تقوم في أصلها الشرعي على «إهراق الدم»، وأكد أن الأغنياء وأصحاب السعة «مأمورونَ بالتقرُّبِ إلَى اللهِ تعالَى بالصَّدقةِ علَى الفقراءِ بكلِّ أشكالها؛ كتقدِيم اللحومِ المجمدةِ، والسلالِ الغذائية»، في ظل حرمان غزة من إدخال بهيمة الأنعام.
هذا وقد أطلق مركز الأمل للتنمية ورعاية الأيتام، في غزة، مشروعا خيريا لتوفير اللحوم المبردة للأسر المتعففة والنازحين داخل قطاع غزة، بهدف رسم بسمة عيد، وإعادة الأمل إلى القلوب، وقال إنه للعام الثالث على التوالي، يأتي عيد الأضحى، وآلاف الأسر النازحة والأيتام يعيشون بلا أضاحي، وبلا فرحة عيد، فيما «أطفال ينتظرون وجبة لحم قد لا تصل، وعائلاتٌ أثقلها النزوح والجوع وفقدان الأمل».