أرانبك فرت منك وميكروفون الأمم المتحدة لن ينفعك 


تسفي برئيل

غداً سيلقي نتنياهو خطابه على منصة أشد عداء له من شبكات التخويف في إسرائيل. منصة تعتبر فيها إسرائيل دولة منبوذة، ومن يقف على رأسها مجرم حرب. حسب رأي نتنياهو، فإن قائمة “جرائم” هذه المنظمة لا تنتهي. فقد اعترفت بخطة إقامة الدولة الفلسطينية، وحكمت أن الاحتلال غير شرعي، وأصدرت محكمة العدل الدولية، التي تعمل ضمن إطارها، مذكرة اعتقال دولية ضده، ووظفت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل الفلسطينيين “الأونروا” نشطاء من حماس.

هذا بالتحديد ما يحب نتنياهو أن “يقدم فيه عرضاً”. لكن إذا كان هو النجم البارز، بحيله وشعاراته وأقلامه ولافتاته، ويستند إلى السور الأمريكي، وجدول أعماله مليء باللقاءات مع زعماء العالم ومنقذيه، فسينظر إليه غداً كشخص غير مرغوب فيه وكنجم آفل، في أفضل الحالات.

إن الانهيار السياسي والاستراتيجي – لا توجد طريقة أخرى لوصف التدهور الحاد الذي دفع فيه نتنياهو إسرائيل في السنوات الثلاث الأخيرة – لا ينعكس فقط في الشرخ المدني والأكاديمي والثقافي والاقتصادي، الذي اتسع بينها وبين كثير من دول وشعوب العالم. ربما لا تهمه أوروبا “المعادية للسامية” أو الباحثون الإسرائيليون الذين لا يمكنهم عرض أبحاثهم في جامعات مشهورة، أو السياح الإسرائيليون الذين يخافون من التحدث باللغة العبرية، أو مئات الآلاف، الذين جميعهم يساريون بالطبع، الذين هاجروا من إسرائيل، أو العقوبات الاقتصادية. كل ذلك أمور تافهة بالنسبة لهذا الزعيم المتشدد. ولكن عندما يمتنع الرئيس الأمريكي أيضاً عن الالتقاء معه، وتصرح الإدارة الأمريكية علناً أن مصالح إسرائيل وأمريكا غير متوافقة، تتصاعد رائحة استياء في الأجواء.

الأمر الأخطر أنه عندما يتلاشى التهديد الكبير الذي بناه في مسيرته السياسية لسنوات، وهو التهديد النووي الإيراني، لا يعود بإمكانه الادعاء أنه يهتم بأمن إسرائيل. أهم إنجاز استراتيجي له، حشد المجتمع الدولي ضد إيران، انهار كلياً، بعد أن تبين أن المنتج الذي روج له، وهو إسقاط النظام في إيران، بات منتجاً معيباً لـ “الهراءات”، مثلما وصفته الـ سي.آي.إيه. لقد أدى نجاح عملية اغتيال القادة في إيران إلى عكس ما توقعه وما خطط له.

إن من أعلن أنه “غير وجه الشرق الأوسط”، خلق بالفعل شرق أوسط جديداً، لكنه شرق أوسط فقدت فيه إسرائيل هيمنتها ونفوذها وسلطتها. صحيح أنه ما زال بإمكان إسرائيل شراء آلاف أطنان القنابل والطائرات القتالية المتقدمة والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، ولكن لم يعد قرار كيفية استخدامها في أيديها.

لا يمكن لأي خطاب بليغ ومنمق في الأمم المتحدة إخفاء تدمير القيم السياسية، الأمر الذي يعرض إسرائيل لخطر وجودي. صحيح أن الأمم المتحدة لم تعد الإطار الذي يشكل النظام العالمي ويحدد قواعد اللعب، التي حلت مكانها تحالفات وشراكات إقليمية وعسكرية وسياسية، والمجبرة على إيجاد البدائل، حيث فشلت الهيئة الدولية.

كان يجب على إسرائيل أن تكون، بل وكان يمكنها ذلك، عنصراً أساسياً في هذه التحالفات. ولكن إغراء الحدود المطاطي و”الخطوط الصفراء” التي تمتد إلى أراضي دول جارة مثل سوريا ولبنان، ودعم وتشجيع عصابات المستوطنين الذين يثيرون أعمال الشغب ويطلقون النار على السكان الفلسطينيين، والمماطلة في تنفيذ خطة ترامب في قطاع غزة، والقطيعة الدبلوماسية مع دول مثل مصر والأردن، اللتين وقعتا على اتفاقات سلام مع إسرائيل، كل ذلك حوّل إسرائيل إلى دولة مهدِدة.

سيصعد نتنياهو إلى المنصة غداً وسيخاطب العالم وكأن إسرائيل ما زالت في موقع قيادي. ولكن القيادة الدولية لا تقاس بقدرة الشخص على حمل الميكروفون وإخراج الأرانب، بل بعدد الدول المستعدة للوقوف إلى جانبه بعد انتهاء الخطاب. بعد انتهاء الخطاب ستكتشف إسرائيل أن المشكلة لم تعد موقف المجتمع الدولي منها، بل المشكلة في هوية الزعيم الذي سيخوض المجتمع الدولي الحرب معه.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *