بين سحرية القص وواقعية السيرة تتحول اللعبة السردية عند هدية حسين إلى إجراء يقوم على التمثيل والمناورة السردية، وعلى محاولة الكشف عن الذات التي تعيش هواجس العالم من حولها، حيث الخوف من الوحدة والعزلة، ومن الموت وربما من الجنون الذي يجعلها أقل تلذذا بالتفاصيل التي تعيشها..
في رواية «زجاج الوقت»الصادرة عن دار نارة/ 2006 / عمّان، يتحول الإحساس بالمكان إلى وجود صاخب، تنصت إلى أصواته بصمت، أو تفكر من خلاله بالمعنى الغائب، وبالغريب الذي يمكن أن يأتي ليغير حياتها، ويمنح ذلك المكان طعما خاصا، والجسد وجودا فائرا، فهي تعودت أن ترى المكان من خلال الحرب، أو من خلال الخوف الذي رافق طفولتها وانكساراتها النفسية والعاطفية..
الرواية تحكي بواقعية رمادية عن حياتها، عبر ذاكرة تشبه السجن الذي يحبس الوجود والحياة، حيث يهجس الاستهلال الشعري دالا على أزمتها، من خلال عتبة اختارتها من قصيدة لعبد الرزاق الربيعي تلامس قلقها، حيث ثيمة «عودة الغريب من الليل»، تبدو وكأنها تورية لحياة مُهددة، قد تتعرّض إلى خرق وجودي، لتجعلها تعيش يومياتها وهي مأخوذة بذلك الخرق، حيث المجهول الذي يقتحم حياتها، وحيث يتحول «الحدث البسيط» للرواية إلى سردية متضخمة، تجرّها إلى واقع عدائي، لا أُلفةَ له، والى حكاية من الصعب أن تلّمس حدودها..
تبدأ الرواية من لقاء العمة التي تحمل اسمها «هداية» مع عابر السبيل الذي يسألها عن الاسم، كاشفا لها عن زمنه الشخصي، حتى يبدو هذا اللقاء المفتتح عتبة موازية تجعل من فكرة المجهول محورا سرديا، تشتبك أحداثه بغرابة، حتى تبدو وكأنها تقود أو تفتح الباب للتعرّف على عالم يخلط بين الواقعي والتخيلي، فالرجل العابر هو كائن اللعبة، ومحرك الحدث، إذ ينزع العمة من نسيانها إلى إيقاظ ذاكرة شاخت جرّاء العمر والحزن.
التماثل الإسمي بين الروائية والعمة يؤشر قرب الرواية من السيرة، لكنها تعمد إلى خرق هذا التأشير لتضعنا إزاء «رواية» يتصاعد فيها التخيل السردي، بوصفه تصعيدا نفسيا ووجوديا، فالعابر هو «العاشق القديم» الذي يتحول معه السؤال إلى استفزاز «أمر غريب أن لا تتعرفي عليّ» وإلى فعل سردي، يتحول فيه العابر إلى «صدمة سردية» تقوم على إيقاظ الزمن والجسد، حتى يبدو الاسم «يونس» ذا دلالة غامضة وساحرة، في سياق تتماهى فيه مع فعل العودة من الأسطورة إلى الواقع، وإلى الإشهار بأنه كائنها المُنقِذ، الذي يلبس قناع العاشق القديم، وأن عودته من زمنه الغابر ستكون عودة إلى زمنها الغامر بالاوهام، ومنها «وهم رجل أحبته في الماضي».
الحدث وخرق المألوف
يفقد الحديث واقعيته، ليتحول إلى فضاء سردي، يبدأ من خرق المألوف، حيث يحضر الرجل الذي أحبته في الماضي، بوصفه مفتتح الحكاية، التي تُعيدها إلى زمن مخفي، تشرع من خلاله بالانخراط في لعبة سردية، لها إحالاتها النفسية والتطهيرية، يشتبك فيها الوهمي بالواقعي، والسيري بالمتخيل، فيتحول حضور «عابر السبيل يونس» إلى زمن موازٍ، استعادت معه العمة إحساسها بالوجود، إذ انسحبت إلى زمنه، لتقوّض مسار الحدث، من خلال اللغة المناورة، ولكي تصنع عبرها وجودا متخيلا، تتمثله حكاية دعوة «ابنة الأخ» لتؤدي وظيفة الكشف عن «المخفي» في حياة العمة «هداية»، حيث عالم كتابتها السري، وحيث حكاية رفض أخيها لقصة حبها، وزواجها الفاشل من رجل آخر..
عالم ابنة الأخ يتحول إلى عالم تعويضي، إشباعي لثيمات الفقد والعطب النفسي، فبقدر تحولها إلى «أمٍ وجودية» لها بعد وفاة أمها، فإنها تحولت إلى شاهدة على زمن العمة، في علاقتها المتوترة مع الأخ، وفي تدوين يومياتها، التي ترقب العمة التي تكتب روايتها «مكعبات الثلج» المُشبعة بهواجسها، وبهلاوسها، والتي تتحول إلى أكثر من سيرة، إذ يوحي العنوان بتمثيل نفسي غامض، وبحضورٍ يتشظى بين الذاكرة، واستثارتها، حيث يمثل حضور الرجل إلى عالمها تفجيرا للمكبوت، ومواجهة العجز وعزلة الزمن «يفاجئها الوقت ذات نهار نيساني برجلٍ يقف قبالتها في شرفة منزلها.. رجلٍ يقول لها إنه غادر هذا الزمن قبل أن يشبع منه، وإنه كان يحبها في بداية القرن الماضي.. إذن.. الوقت يتساقط، ويتناثر زجاجاً من حولنا.. هل هو حلم أم كابوس.. ومتى ستستيقظ؟».
العنوان والازاحة السردية
عنوان الرواية «زجاج الوقت» يُفضي إلى تمثيل سردي، يقوم على الإزاحة السردية، فالزجاج هو الذات القابلة للكسر، والوقت هو الزمن الشخصي، الذي تتعرف من خلاله «حذام/ ابنة الأخ» على ما تتركه من فقد ووجع، وعلى ما تعيشه العمة، وهي أمرأة اضحوية يتماهى وقتها الشخصي مع «الوقت العراقي» الذي أكلته الحرب والفقد والعزل والموت.. قناع العمة هو مجال التورية، مثلما هو الحاجز عن فضح ما يجري، لا سيما في عالم أخيها الذي يحمل كثيرا من الشبهات في عمله وتجارته الممنوعة، لذا نجد أن القناع بدا وكأنه تمثيل سردي لوجودها، وتمثيل المخفي من شخصيتها المضطربة، التي تتوزع بين «كتابة القصة القصيرة التي نشرت أغلبها في الصحف والمجلات وأثارت اهتمام النقاد في حينها»، وبين أن تجد نفسها إزاء تناقض مريع، يجعلها تعيش واقعها باستلاب كبير، حيث الانكسار، والاستعداد للموت، إذ يدفعها لتنحاز إلى ابنة الأخ حتى تُكمل الخيارات المؤجلة، حيث الوجود عبر الكتابة، وحيث التطهير من الخوف والخذلان، وحيث يدفعها الغائب إلى البحث عن السحري الذي يسكنها، والذي يدفعها إلى التخيلات والهلاوس كما تقول ابنة الأخ، رغم أنها كانت تدون تفاصيل حياتها، وعلاقتها معها بعد وفاة أمها خلال الولادة.
النصف الثاني من الرواية يبدأ من يوميات حذام أو حنان التي تقرأ مذكرات عمتها، في محاولة للبحث عن سر غيابها، والبحث عما يجعلها تتماهى مع قناعها، حيث محنتها في «الوقت المكسور»، وحيث خذلانها العاطفي، وحيث تشاطرها لعبة الخذلان مع حبيبها «زكريا»، وعلى نحوٍ تتحول فيها تلك العلاقات إلى مرايا لفضح عري الواقع، وتحريك سردية المتخيل عبر البحث عن سر اختفاء العمة التي اعتقلتها جهة أمنية بسبب علاقتها بـ»جثة رجل مقتول وملقاة أمام بيتهم، هو يونس الذي ادعت العمة أنها تعرفه، وأنها التقت به، لتحال إلى مستشفى الأمراض العقلية. بعد سرقة الأوراق التي تخصّ رواية العمة».
هذه المفارقة السردية، ليس لتمثيل «الاكشن» وخلخة البناء السردي فحسب، بل للكشف عما يستغرقها من تشظٍ في ثنائية «المكان- الوقت» العراقيين، إذ هما مهددان بالمحو، والاختفاء، حيث تكرر ذلك مع اختفاء جارهم «سليمان» وهو ما يُعطي انطباعا بأن الواقع/ الجحيم العراقي يضع المصائر إزاء حدود متماثلة، فيصطنع لها المخيال السردي وقائع موازية للواقع، تقوم على ثيمة الغياب، وعلى النحو الذي يتصاعد معه التوتر السردي، عبر ملاحقة مصائر الشخصيات، وعبر إيجاد أسطرة نظيرة لمصائرها، فبقدر ما تحمله أسماؤها من علاقة بالغياب المقدس والأسطوري، «يونس، زكريا، سليمان» فإنها تبدو في الواقع مكسورة داخل دوستوبيا المكان، ومكشوفة على هزائم وفقدانات عاطفية ووجودية، يجعلها تعيش أزمة الغياب أكثر من رغبة الحضور.
كاتب عراقي