نواكشوط ـ «القدس العربي»: حين وضعت حابي بنت رباح على كتفها وشاح النواب الموريتاني، بألوان العلم الوطني، كانت تحمل معه حكاية أطول من المسافة بين باب الجمعية الوطنية ومقعدها تحت القبة: حكاية امرأة أمضت نحو ثلاثين عاماً من حياتها في العبودية، قبل أن تصل إلى أعلى مؤسسة تشريعية في البلاد.
في القاعة نفسها، تجلس حابي اليوم كتفاً إلى كتف مع نواب ينحدر بعضهم من أسر وقبائل ذات وجاهة ونفوذ، وآخرين وصلوا إلى البرلمان بفضل مواقعهم السياسية أو إمكاناتهم المالية. أما هي، فقد جاءت من عالم حُرمت فيه، وفق شهادتها، من الحرية والتعليم والحقوق الأساسية.
وتختصر هذه الصورة تحولاً يتجاوز تجربة امرأة واحدة، في بلد طالما أثرت فيه المكانة الاجتماعية والانتماء القبلي والمال والتعليم في فرص الوصول إلى مواقع التمثيل والقرار.
طفولة في خدمة الآخرين
تقول حابي، في شهادات أدلت بها من قبل، إنها أُخذت من أمها وهي طفلة في الرابعة من عمرها، ونُقلت إلى منطقة المذرذرة، جنوب موريتانيا، حيث أمضت سنوات طويلة في خدمة الأسرة التي استعبَدتها.
هناك، عرفت الرعي وجلب الماء والأعمال المنزلية وهي في سن مبكرة، وحُرمت من التعليم ومن التواصل الطبيعي مع أسرتها، وفق روايتها؛ ولم تستعد حريتها إلا عام 2008، بعد تدخل شقيقها وناشطين حقوقيين.
كانت حابي قد تجاوزت طفولتها وشبابها حين بدأت حياة جديدة في نواكشوط. وهناك حصلت، بحسب شهادتها، على أوراقها المدنية، وشرعت في تعلّم القراءة والكتابة، بعد سنوات حُرمت خلالها من المدرسة، كما انخرطت في العمل الحقوقي ضمن حركة «إيرا» المناهضة للعبودية.
لم تحمل حابي إلى الساحة العامة شهادة جامعية أو رصيداً من المناصب الرسمية، بل تجربة شخصية قاسية، وإصراراً على الحديث عما عاشته والدفاع عن أشخاص تقول إنهم يواجهون أوضاعاً مشابهة. وقد عبّرت، حين ترشحت للبرلمان عام 2018، عن رغبتها في أن تكون صوتاً للمستعبَدين والفئات المهمشة.
من قائمة انتخابية إلى مقعد تشريعي
جاء دخول حابي البرلمان بعد مسار حقوقي وسياسي امتد سنوات؛ فقد سبق أن ترشحت في انتخابات 2018 ضمن لوائح حزب الصواب، في إطار تحالفه مع حركة «إيرا»، قبل أن ترد لاحقاً ضمن لائحة انتخابية للحزب بوصفها خلفاً لنائبة أصلية.
وفي تشرين الأول/اكتوبر الماضي، شغلت حابي مقعد النائبة قامو عاشور سالم، بعد فقدان الأخيرة عضويتها البرلمانية إثر حكم قضائي نهائي ترتب عليه حرمانها من ممارسة حقوقها المدنية. وتم الاستخلاف وفق ترتيب اللائحة والإجراءات القانونية المعمول بها.
ويحسب أنصار بيرام الداه اعبيد له هذا الوصول، باعتباره اختار وضع حابي في موقع يؤهلها لخلافة النائبة الأصلية عند شغور المقعد؛ ويرون في ذلك امتداداً لنضاله في قضايا الاستعباد والتمييز، ونقلاً لهذه القضايا من هامش المجتمع إلى قلب المؤسسة التشريعية.
لكن في المقابل، يعتبر بعض أنصار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أن دخولها البرلمان يعكس أيضاً مناخ الانفتاح والتهدئة السياسية الذي يقولون إن البلاد شهدته منذ وصوله إلى السلطة عام 2019.
ويربط هؤلاء بين صعود شخصيات من خلفيات اجتماعية مهمشة والسياسات الاجتماعية التي تبنتها السلطات.
ويظل تحديد نصيب كل طرف من الفضل موضع جدل سياسي، فيما تحقق وصول حابي عملياً عبر ترشيحها في اللائحة ثم شغور المقعد وتطبيق إجراءات الاستخلاف.
معنى الاعتراف
وتجد حابي نفسها، بعد سنوات الحرمان، في موقع يتيح لها الاستفادة من الحقوق والامتيازات المرتبطة بالنيابة البرلمانية؛ وقد أشار مدوّن معارض، في تعليق على وصولها، إلى حصولها على جواز سفر دبلوماسي وراتب قدره مليون ونصف المليون أوقية، معبّراً عن سعادته بما اعتبره انتقالاً من التهميش إلى موقع الاعتراف والتمثيل.
وكتب، بعد مشاهدته إحدى مداخلاتها، أنه سعيد وفخور بوصول امرأة عانت العبودية والظلم والتهميش في صغرها إلى البرلمان، داعياً إلى عدم التنمر على طريقة كلامها أو التقليل من شأنها.
واعتبر أن بساطة تعبيرها أو عدم إلمامها ببعض الموضوعات التي تناقشها لا ينبغي أن يُتخذ ذريعة للسخرية منها، إذ لم تتح لها، كما قال، فرصة مواصلة التعليم بسبب الظروف القاسية التي مرت بها، وهي ظروف رأى أنها تطرح مسؤولية جماعية أوسع.
كما أشاد بدور الحقوقي بيرام الداه اعبيد، معتبراً أنه ساهم في إخراجها من حياة الظلم والتهميش إلى مواقع صنع القرار. وأعرب عن أمله في أن تؤدي النائبة الجديدة مهمتها على أكمل وجه، وأن تجد في البرلمان مساحة لقول ما تراه حقاً والدفاع عن المظلومين.
مقعد يكسر الصورة المألوفة
وتكتسب تجربة حابي قوة رمزية من التناقض بين ماضيها والموقع الذي تشغله اليوم: فالمرأة التي روت أنها عاشت سنوات من دون حرية أو تعليم أصبحت عضواً في جمعية يُفترض أن تمثل جميع الموريتانيين، وأن تناقش القوانين التي تنظم حياتهم وتحمي حقوقهم.
ولئن لم يكن البرلمان الموريتاني حكراً رسمياً على الأغنياء أو أبناء الأسر الوجيهة، فإن الوصول إليه ظل متأثراً، في تجارب كثيرة، بنفوذ المال والعلاقات والانتماءات الاجتماعية؛ ومن هذه الزاوية، يبدو حضور حابي كسراً لصورة ربطت، طويلاً، النيابة البرلمانية بالثراء أو النسب أو التعليم العالي.
وأثار وصول حابي إلى البرلمان نقاشاً بشأن قدرتها على أداء مهمتها، في ضوء حرمانها الطويل من التعليم؛ لكن آخرين يرون أن تجربتها تمنحها معرفة مباشرة بأوضاع فئات قلّما تجد من ينقل معاناتها من داخل المؤسسات، وأن تقييم دورها ينبغي أن يستند إلى عملها ومواقفها، وما تتيحه لها الجمعية الوطنية من أدوات للمشاركة.
فالتشريع والرقابة يحتاجان إلى المعرفة والدعم الفني، كما يحتاجان إلى الإصغاء لمن عاشوا آثار الظلم والتهميش. وبين هذه المتطلبات يتضح التحدي الذي ينتظر النائبة الجديدة: كيف تحوّل تجربتها الشخصية إلى مساهمة في النقاش العام والدفاع عن الحقوق؟
وتبقى صورة حابي رباح، بوشاح البرلمان على كتفها، مشهداً يحمل أكثر من دلالة: امرأة انتقلت من سنوات العبودية إلى مقعد تحت قبة التشريع، ومجتمع يواجه، من خلال قصتها، سؤال المسافة التي قطعها نحو المساواة، والمسافة التي لا تزال تفصله عن تكافؤ الفرص والكرامة لجميع أبنائه.