رأب الذاكرة
تُعد المذكرات من أشكال الكتابة الذاتية، يولي صاحبُها الأهمية فيها للأحداث التاريخية التي عايشها، فتكون إخبارا عما شاهده وسمع به، أو إخبارا عما حدث وتحدث فيه، بخلاف السيرة الذاتية التي هي إخبارٌ عن الأحوال التي كان عليها المؤلف. فكاتب المذكرات، سواء كان أديبا أو مثقفا أو سياسيا، أو ذا وضع اعتباري ما في مجتمعه، فلا يكتفي بوصف انطباعاته وآرائه إزاء الأحداث التي كان شاهدا عليها، أو فاعلا فيها، بل يتعداه إلى الكشف عن صفحات مطوية من التاريخ القريب بما ينطوي عليه من حوادث وملابسات ترتبط بشخصية الكاتب وبالمرحلة التي عاشها، فيصير التوثيق لهذه الأحداث جزءا من التاريخ العام ومن ذاكرة الناس وأيامهم الخوالي، بشرط توخي الصدق والموضوعية والابتعاد عن العاطفة الزائدة والمبالغة التي من شأنها الإضرار بالحقيقة، وإن كان يصعب أن نفصل كل ذلك عن مشكلات تسريدها. فالراجح أن المذكرات تخص محكيات الحياة التي يهيمن فيها التأمل السياسي والفلسفي، مثلما أنها تُقدم الأحداث والوقائع في سياقها التاريخي.
صحيحٌ أن الحديث عن هذا الشكل يظل إشكاليا من حيث تحديد حدوده الأجناسية، وطابعه المرجعي- التوثيقي، وتقويم قيمته الأدبية، وتمييزه من السيرة الذاتية واليوميات والاعترافات ومحكيات الحياة ووثائق المعيش، لكن مكمن خطورته في أنه يستنطق أو يفسر ما سكت عنه التاريخ ويسد اختلالات الذاكرة الجماعية تحت ظروف قاهرة (الحرب، الاستعمار، النزوح، الاستبداد، التهميش)، وبالتالي يمكن أن يساهم في إعادة بناء الماضي وتشكيل الهوية من منظور الحاضر.
عفا الله عما سلف

على غرار أجناس هذه الكتابة، لم تحظ المذكرات بكبير اهتمامٍ إنتاجا وتلقيا؛ فهناك عدد غير قليل من كتب المذكرات، وبعضها الآخر يتسلل في كتب التاريخ أو يتداخل مع فني اليوميات والسيرة الذاتية، وقد بقيت في دائرة البوح الأسير و»محظورات» الواقع السياسي والاجتماعي معا، ولم يُلق الضوء عليها إلا بعد «انفراج» الحياة السياسية في بعض البلاد العربية وازدياد الاهتمام بالتدوين الذاتي وتحرير الذاكرة الفردية كما الجماعية تحت تأثير وسائط الفضاء الرقمي، فشهدت طفرة في النتاج الأدبي والثقافي خلال العقدين الأخيرين. وهو ما أخذ يقطع اليوم مع مقولة «عفا الله عما سلف»، وينزع إلى تحرير ذاكرته ويقاسم الأجيال الجديدة ما شهدته وعاشته واضطلعت به في مراحل ماضية من حياته الشخصية، التي اشتبكت مع ما هو جمعي على نحو ما.
إذا قصرنا كلامنا على السياق المغربي، فقليلةٌ هي «المذكرات»، لا سيما من طبيعة تاريخية وسياسية وفكرية؛ مثل الذي كتبه عبد الله الجراري في «هذه مذكراتي»، ومحمد داود في «على رأس الأربعين»، وعبد الكريم غلاب «في مذكرات سياسية وصحافية» وغيرهم، بل وجدنا مجموعة من الزعماء السياسيين، لا سيما أثناء الانفراج السياسي والحقوقي الذي عرفه البلد خلال العقدين الأخيرين، يصدرون مذكراتهم التي تميط اللثام عن معطيات مهمة في التاريخ السياسي والاجتماعي المغربي، وتملأ بعض الفراغات في كتابة هذا التاريخ وتردم الفجوات لفهم بعض الأحداث الغامضة والمواقف الحساسة والصفقات غير المعلنة التي كان يصعب البوح بها في سياقها التاريخي وقتئذ. نستشهد هنا، على سبيل التمثيل، بمذكرات عبد الرحمن اليوسفي «أحاديث في ما جرى» (2018)، ومحمد اليازغي «سيرة وطن.. مسيرة حزب» (2012)، ومحمد بنسعيد آيت إيدر «صفحات من ملحمة جيش التحرير بالجنوب المغربي» (2001) و «هكذا تكلم محمد بنسعيد…» (2018)، وعبد الواحد الراضي «المغرب الذي عشته: سيرة حياة» (2017)، ومحمد بوستة «الوطن أولا.. مذكرات في السياسة والحياة» (2021).
ولا مندوحة من القول إن هذه المذكرات، سواء كتبها أصحابها بأنفسهم أو أملوها على غيرهم أو نُشرت بعد رحيلهم، باتت تشكّل مصدراً مهماً للمعلومات التاريخية، ووسيلة للكشف عما أغفلته الرواية الرسمية، وفرصة لإعادة قراءة التاريخ المغربي من زوايا مختلفة، قبل الاستقلال وبعده. ويشمل ذلك مفاوضات إيكس ليبان، وعلاقة الحركة الوطنية بالقصر الملكي وبقية القوى الوطنية، ودور جيش التحرير، وتطور اليسار المغربي، وصولاً إلى تجربة حكومة التناوب. أما اختلاف طرق تدوين هذه المذكرات ونشرها، فيثير إشكالية أخرى تتصل بقيمتها الأدبية، وآليات كتابتها، وطرائق تمثيل الذات والهوية فيها.
مذكرات غير شخصية
ضمن المذكرات المغربية ذات الشأن الكبير، لا يمكن أن نغفل عن مذكرات العلامة عبد الله كنون (1908 – 1989)، الذي شرع في كتابتها مطلع الثمانينيات كما يذكر في حوار مع مجلة «الكرمل» (عدد يناير/كانون الثاني 1984)، ويفسر لماذا نعتها بـ»مذكرات غير شخصية»: «هذه مذكرات لا تزال تحت القلم عنوانها «مذكرات غير شخصية»، أسجل فيها بعض الأشياء التي يغفلها الناس، أو ربما يحرقونها، وفيها ما يتعلق بالطفولة، ولا أذكرها لأنها تتعلق بي، بل أذكرها لأنها تصور كيف كان المجتمع المغربي. وفيها ما يتعلق بالدراسة، والمقصود هو كيف كانت الدراسة. أتحدث فيها أيضا عن الحياة والمسؤولية والعمل والعقبات التي يلاقيها الإنسان وصدامه مع محيطه.. هناك النشاط الثقافي والسياسي والاجتماعي، وعمل بعض الأفراد والاتصالات التي كانت لي بهم. هي مذكرات قريبة جدا مني، ولكنها أيضا مرتبطة بما عاشه المغرب الحديث، من خلال عاداته، وطموحاته، ولذلك فهي غير شخصية، إنها تذكرة لزمن ولأهله».
غير أن المنية عاجلته فلم يتممها، ويبقى ما ورد في طبعتها المتاحة التي صدرت عام 2020 بالغَ الأهمية؛ ليس لأنها صادرة من أحد رجالات الحركة الوطنية المشهورين وحسب، بل لأن صاحبها نسيج وحده اجتمع فيه السياسي والمفكر والأديب والمصلح الاجتماعي، وما شهده المغرب قبل الاستقلال وبعده كان شاهدا عليه وفاعلا فيه بأياديه وأفكاره ومساره النضالي على الميدان الثقافي بوجه خاص.
لم يكن عبد الله كنون، وهو يدون مذكراته تحت إلحاح معارفه، ينوي أن يكتب عن حياته ويستعيد ما مضى منها، إلا ما كان يستدعيه التاريخ المشترك، لأنه لا يعتبر أن حياته الشخصية ـ كما يقول في تقديمه للكتاب بتواضع العلماء، «تستحق التدوين بالتفصيل الذي تستدعيه كتابة المذكرات، إلا إذا كنت سأثقل حواشيها بالتوافه التي لا قيمة لها، أو الادعاءات العريضة التي لا نصيب لها من الحقيقة، كما يفعل بعضهم». فهو كان يتهيب من الوقوع في «التزيد ومخالفة الواقع»، أو في «التلفيقات والافتراضات التي تصبح أحكاما هدفها الوحيد تحطيم الشخصية الإنسانية للمترجم». فمن وراء هذا القصد العارف، كانت مذكرات عبد الله كنون تتجاوز ما هو شخصي، لتنفتح على حقائق التاريخ ووقائعه، إذ شهد عليها وأراد أن يرويها بصدق وموضوعية وينقلها للأجيال، لأن الرسالة الحضارية التي حملها مع أبناء جيله من بناة النهضة الثقافية يجب أن تتواصل ويرسخ معناها في ذاكرة المستقبل. فالرجل كان في طليعة هذا الجيل منذ وقت مبكر من حياته، وقادته مواهبه ومؤهلاته وشخصيته الاعتبارية إلى السبق والتفرد، من دون أن يغلقها عن الانفتاح على روح العصر وثمارها الممكنة، وكان ذا وعي حضاري متطلع واجه الاستعمار وأدواته المغرضة بشجاعة آرائه ووطنيته المخلصة، بحيث نذر عمره للكفاح الوطني و»إعداد الشعب ماديا وروحيا لمواجهة خصوم البلاد» بتعبيره. ولهذا تتقاطع في نسيج المذكرات وقائع التاريخ والأحداث الوطنية وشواغل الفكر الإصلاحي والشأن الاجتماعي العام.
صحيح أن صاحب المذكرات يتحدث عن بعض مراحل حياته منذ مولده في مدينة فاس من عائلة عريقة اشتهرت بالعلم، ودخوله الكُتاب (المسيد) في سن الخامسة، وينقل أصداء الطفولة في فاس قبل أن يغادرها والأهل إلى طنجة مع من غادروا «فرارا بدينهم من الفتنة وعزوفا عن الخضوع لحكم الأجنبي المعتدي»، بعد أن دخلها الفرنسيون وقصفوا بعض مبانيها بالمدفعية الثقيلة وأحدث أعوانهم الخونة الخوف والذعر في نفوس الناس، واستقراره في طنجة، حيث تلقى علوم العربية وأصول الدين، ولكن من دون يشتط به الحال إلى تضخيم الأنا واستعراض تفاصيلها الخاصة، بل إنه لولا هذه الشخصية العصامية والمندمجة بكل يسر ونكران ذات مع محيطها الاجتماعي، لما تهيأت لها أسباب نجاحها حين بزغ نشاطه السياسي أيام انخراطه مع النخبة الوطنية في مقاومة الاستعمار بالفكر والوعي الوطني، أو نشاطه التربوي والإصلاحي الذي تجلى في عمله بالتدريس في عدة معاهد علمية في طنجة وتطوان (المعهد الخليفي، المعهد الديني العالي)، وتأسيسه للمدرسة الإسلامية الحرة في طنجة (1936)، وكيف نهض لمشروعه الكبير في نهضة الثقافة والأدب المغربيين، ابتداء من تأليفه لكتاب «النبوغ المغربي في الأدب العربي»، الذي طُبع في تطوان عام 1937، وكانت السلطة الاستعمارية الفرنسية قد أصدرت أمرا عسكريا يحظر بيع الكتاب وعرضه وتوزيعه.
إذن، لا يخطئ قارئ المذكرات تجليات الكتابة عن الذات؛ الذات الجماعية التي استحقت شرطها التاريخي وارتفعت في لحظات الأزمة على آلامها وأصغت لأشواق أمتها المكتومة في صراعها ضد قوى الاستعمار والإمبريالية، وحولت اهتمامها بأسئلة الفكر وقيم الثقافة إلى واجب أخلاقي ومعرفي ما زال إلى اليوم ينادينا من أمكنة متعددة، إذا أردنا استئناف شروط «نبوغنا» الآخر.
كاتب مغربي