القاهرة ـ «القدس العربي»: بين ملاحقة المؤسسات المستقلة، ومطالبات مئات العاملين مؤقتاً في الصحف القومية بالتعيين، تتأرجح أوضاع الصحافة في مصر، التي لم تعد تقتصر على تراجع الحريات والتضييق على العمل الصحافي، بل تمتد إلى تدهور الأوضاع المهنية والاقتصادية للعاملين في القطاع.
وعقد المجلس القومي لحقوق الإنسان لقاءً مع مجلس نقابة الصحافيين، لمناقشة عدد من الملفات المتعلقة بأوضاع الحريات الصحافية، في مقدمتها أزمة المواقع الإخبارية التي تقدمت بطلبات للحصول على التراخيص منذ سنوات دون حسم موقفها، وأوضاع الصحافيين المحبوسين احتياطيًا، والتشريعات المقيدة للعمل الصحافي، فضلاعن ملفي المواقع المحجوبة والصحافيين المؤقتين في المؤسسات الصحافية القومية.
وجاء اللقاء وسط تصاعد الجدل بشأن الحكم القضائي الصادر بإغلاق موقع «مدى مصر» وتغريم رئيسة تحريره لينا عطا الله ثلاثة ملايين جنيه، بدعوى إدارة الموقع دون ترخيص، إلى جانب القبض على فريق تحرير منصة «متصدقش» لتدقيق الأخبار.
وقال محمد أنور السادات، نائب رئيس المجلس، إن الأخير يتواصل بصورة مستمرة مع جهات مختلفة بشأن الملف الصحافي، خاصة الأزمات الأخيرة المتعلقة بموقع «مدى مصر» والقبض على صحافيي منصة «متصدقش».
وأضاف، في تصريحات صحافية، أن هناك مساعي ومشاورات مع أطراف مختلفة للسماح للمواقع المحجوبة بالعمل، طالما تقدمت بأوراقها واستوفت الشروط اللازمة للحصول على الترخيص، دون فرض قيود أو موانع تحول دون ممارسة عملها.
في السياق، حذرت «المفوضية المصرية للحقوق والحريات» من تحول مسألة عدم حصول المواقع الصحافية على التراخيص إلى مدخل لملاحقة العاملين فيها، رغم أن بعض هذه المؤسسات تقدم بطلبات الترخيص منذ سنوات دون تلقي رد حاسم من الجهات المعنية.
وقالت المنظمة، في قراءة نشرتها على خلفية التحقيق مع لينا عطا الله، إن تهمة إدارة موقع دون ترخيص تكررت للمرة الثانية خلال أقل من شهر، بعدما واجه صحافيو منصة «متصدقش» اتهامات تتعلق بالوضع القانوني للمنصة وطبيعة عملها، قبل توجيه الاتهام ذاته إلى رئيسة تحرير «مدى مصر».
وبينت أن القضيتين تكشفان عن حلقة مغلقة يتحمل العاملون في الصحافة المستقلة تبعاتها؛ إذ يلاحق الصحافي بسبب عمله في مؤسسة غير مرخصة، رغم أن المادة السادسة من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 تجعل مسؤولية الترخيص على من يؤسس الموقع ويديره، وليس المحرر، ثم تلاحق إدارة المؤسسة نفسها بسبب عدم حصولها على ترخيص سعت إليه ولم تحسم الدولة طلبه.
وأضافت أن الأجور التي يتقاضاها الصحافيون تحولت إلى مادة للاتهام تحت مسمى التمويل، كما أصبحت الأسئلة المتعلقة بالهيكل الإداري والرواتب جزءًا من التحقيقات، بما يضع علاقة العمل ذاتها موضع شبهة.
واعتبرت أن ذلك يتعارض مع قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، الذي ينظم علاقة العمل ويقر حقوق العامل حتى في غياب العقد المكتوب، فضلاعن المواد الدستورية التي تكفل الحق في العمل وتحمي حقوق العمال، والمادة 70 من الدستور التي تنص على أن إصدار الصحف يكون بمجرد الإخطار.
اجتماع بين النقابة والمجلس القومي لحقوق الإنسان
ولا تقف تداعيات هذه الملاحقات عند حدود المحتجزين، حسب المفوضية، بل تمتد إلى آلاف العاملين في المواقع الإلكترونية، الذين يعمل كثير منهم دون عقود أو تأمينات أو قيد نقابي يحمي حقوقهم، في مؤسسات يمكن أن تتحول في أي وقت إلى موضوع لقضية، بينما تستنزف القضايا والكفالات المتراكمة قدرة المؤسسات المستقلة على دفع الأجور والحفاظ على الوظائف.
وفي الجانب الآخر من أزمة الصحافة، يواجه مئات الصحافيين العاملين في المؤسسات القومية أوضاعًا وظيفية صعبة، بعد سنوات طويلة قضوها في العمل بنظام المكافأة الشهرية، دون تعيين رسمي أو تأمينات اجتماعية أو ضمان للحصول على معاش. وتقدر أعداد الصحافيين المؤقتين في المؤسسات الصحافية القومية بأكثر من 300 صحافي، بعضهم أمضى نحو 15 عامًا في العمل، وشارك بصورة منتظمة في إنتاج المحتوى الصحافي والتغطيات الميدانية، دون أن يحصل على الاستقرار الوظيفي الذي يتناسب مع سنوات خبرته. وتعود جذور الأزمة إلى 26 يناير/كانون الثاني 2020، عندما تقرر، خلال اجتماع لمناقشة خطة تطوير وتحديث المؤسسات الصحافية القومية، وقف التعيينات في جميع المؤسسات، ومنع التعاقدات الجديدة، وعدم مد الخدمة بعد سن المعاش إلا في حالات الضرورة القصوى ولعدد من كبار الكتاب.
وأدى استمرار وقف التعيينات إلى تراكم أعداد المؤقتين، في وقت تواجه فيه المؤسسات القومية أزمة في تجديد كوادرها، مع ارتفاع متوسط أعمار العاملين في بعض الإصدارات واقترابه من الخمسين عامًا، وتزايد الاحتياج إلى دماء جديدة قادرة على مواصلة العمل وتطوير الأداء الصحافي.
وطالبت النائبة ثريا بدوي بإنهاء معاناة الصحافيين المؤقتين، متسائلة عن آليات تنظيم أوضاعهم الوظيفية بما يتوافق مع قانون النقابة، فيما دعا النائب حسين هريدي إلى تحديد موعد نهائي لحسم الملف، وتنفيذ التوصيات المتعلقة بتعيين العاملين غير المعينين ودعم المؤسسات الصحافية القومية بالكوادر الشابة.
وطالب ممثلو الصحافيين المؤقتين وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان بعقد لقاء عاجل معهم، ووضع جدول زمني واضح لإنهاء الأزمة. وأكد الصحافيون، في نداء موجه إلى الوزير، أن مطالبهم لا تتعلق بالحصول على امتيازات استثنائية، وإنما بتسوية أوضاعهم الوظيفية والتأمينية، وضمان حقوقهم في التعيين والمعاش، بعد سنوات من العمل المنتظم وتحمل المسؤوليات التحريرية داخل المؤسسات التي يعملون بها.
وشددوا على أن استمرار أوضاعهم الحالية، في ظل تدني المكافآت وارتفاع تكاليف المعيشة، فاقم معاناتهم المهنية والاجتماعية، خصوصًا مع تقدم أعمار بعضهم وصعوبة البحث عن فرص عمل بديلة بعد سنوات طويلة قضوها في خدمة المؤسسات الصحافية.
وفي تطور جديد، تقدم النائب حسين هريدي بطلب إحاطة إلى مجلس النواب، موجه إلى وزير الدولة للإعلام، بشأن عدم تنفيذ التوصية البرلمانية الخاصة بتعيين الصحافيين المؤقتين، إلى جانب المطالبة بزيادة قيمة بدل التدريب والتكنولوجيا.
وبين هريدي أن البرلمان سبق أن أوصى بتقنين أوضاع الصحافيين المؤقتين وتعيينهم خلال ثلاثة أشهر، بما يتيح لهم استكمال إجراءات القيد بنقابة الصحافيين، إلا أن التوصية لم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن.
فيما قال محمد سعد عبد الحفيظ، عضو مجلس نقابة الصحافيين، إن أزمة المؤقتين كان من الممكن حسمها منذ أكثر من عامين، بعدما توصلت النقابة والهيئة الوطنية للصحافة إلى تفاهمات بشأن آليات تعيين المستحقين، وبدأت بالفعل خطوات تنفيذية شملت إعداد كشوف بأسمائهم وإخضاعهم لاختبارات لتقييم مستواهم المهني، قبل أن تتوقف الإجراءات بصورة مفاجئة دون توضيح الأسباب.
وبين أن الاختبارات أجرتها لجنة شكلتها الهيئة الوطنية للصحافة، وضمت رؤساء تحرير وعددًا من كبار الصحافيين، إلى جانب ثلاثة ممثلين عن نقابة الصحافيين، مشيرًا إلى أن هذه الخطوات عززت اعتقاد النقابة بقرب انتهاء الأزمة، خصوصًا مع التوقعات بتوفير الاعتمادات المالية اللازمة لاستكمال إجراءات التعيين.
وأضاف أن النقابة واصلت مخاطبة الحكومة ووزارة المالية خلال الفترة الماضية، للمطالبة بتنفيذ التعهدات السابقة وتوفير المخصصات المطلوبة لتعيين الصحافيين الذين أمضوا ما بين خمس وعشر سنوات في العمل داخل المؤسسات القومية.
وشدد عبد الحفيظ على أن استمرار هؤلاء الصحافيين في العمل لسنوات طويلة يمنحهم أولوية في التعيين، لا سيما أنهم يؤدون مهامهم بصورة منتظمة ويشاركون في التغطيات الميدانية وإنتاج المحتوى الذي تعتمد عليه مؤسساتهم، رغم غياب الاستقرار الوظيفي والحقوق المرتبطة بالتعيين.
ولفت إلى أن تسوية أوضاع المؤقتين لا تمثل مجرد استجابة لمطالب العاملين، بل ترتبط أيضًا في حاجة المؤسسات الصحافية القومية إلى تجديد كوادرها وضخ دماء شابة قادرة على تطوير الأداء الصحافي، متسائلاعن استمرار تعطيل الملف بدعوى عدم توافر المخصصات المالية، رغم سنوات العمل التي قضاها هؤلاء الصحافيون داخل مؤسساتهم.