تشير الأنباء الأخيرة القادمة من إسرائيل أن غادي آيزنكوت، زعيم حزب «يشار» ذا الأصل المغربي، حصل على أصوات 67 نائبا منتخبا للكنيست الجديد وهو ما يعني حصوله على التكليف بتشكيل الحكومة، وهو ما يفتح احتمالا كبيرا على انتهاء حكم بنيامين نتنياهو، ذي الأصل البولندي، والذي يعد أطول زعماء إسرائيل حكما من دون منازع.
كان فوز الأحزاب العربية بتسعة عشر مقعدا في الكنيست الأخيرة إحدى المفاجآت الكبيرة التي غيّرت موازين القوى، غير أن آيزنكوت وضع أربعة شروط لقبول هذه الأحزاب في ائتلافه الحكومي. تتضمن هذه الشروط: الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، والالتزام بمبادئ إعلان «استقلالها»، وقبول الخدمة العسكرية أو المدنية أو الوطنية، والاعتراف بـ»حماس» منظمة إرهابية وبضرورة تفكيك قدراتها العسكرية والحكومية، من دون أن تتضمن هذه الشروط أي التزام بإنهاء الاحتلال للأراضي الفلسطينية، أو حتى بإجراءات محددة لمعالجة التمييز الذي يعاني منه الفلسطينيون داخل إسرائيل.
رغم إعلان منصور عباس، رئيس «القائمة العربية الموحدة»، عن قبوله شروط آيزنكوت، فقد اعترض خلال مشاوراته مع رئيس إسرائيل، اسحق هرتسوغ، على إخضاع السياسيين العرب لاختبارات متكررة لإثبات ولائهم لإسرائيل، والتمسك بدعم حل الدولتين. أما «القائمة المشتركة» فقد أوضحت أن توصيتها بتكليف آيزنكوت تهدف لمنع عودة نتنياهو، ولا تعني الموافقة على شروط المشاركة الحكومية.
تابع الإعلام نقاشا مشابها جرى في الولايات المتحدة، عندما سئل عبد الرحمن السيد، المرشح الديمقراطي الذي انتخب لاحقا أول مسلم في مجلس الشيوخ الأمريكي، قبل ساعات من فتح صناديق الاقتراع، في مقابلة مطولة مع قناة «سي بي إس» عن حق إسرائيل في الوجود. المنطق الانتخابي التقليدي حول تقديم إجابات دبلوماسية والابتعاد عن «التابو السياسي» الغربي الشهير «حق إسرائيل في الوجود». قام السيد بقلب الطاولة على مقابله، روس دوثاث، وسأله: «لماذا لا يسأل أحد بالطريقة نفسها إن كان لفلسطين الحق في الوجود؟»، وعندما أجاب دوثاث بأنه يؤيد إقامة دولة فلسطينية في غزة والضفة، رد السيد بسؤال أخطر: غزة والضفة فقط؟ متابعا: غزة التي تعرضت لدمار هائل، والضفة التي تتآكل يوما بعد يوم تحت ضغط الاستيطان. هل هذا «تقرير المصير» الذي يُعرض على الفلسطينيين؟
تكشف المقارنة بين النقاشين اختلافا جوهريا في شروط الاعتراف السياسي، ففي أمريكا، استطاع مرشح من أصل مصريّ أن يعيد صياغة سؤال طالما قُصف به المدافعون عن الحقوق الفلسطينية مطالبا باعتماد المساواة أساس النقاش، أما في إسرائيل، فيُطلب من ممثلي المواطنين الفلسطينيين، أصحاب الأرض الأصليين، قبول تعريف الدولة وشروطها الأمنية مسبقا، ومن دون أي التزام بالحقوق الوطنية للشعب الذي ينتمون إليه.
لا يلغي ذلك اختلاف موقع منصور عباس عن موقع السيد، أو حقيقة أن المشاركة البرلمانية قد تتيح تحسين الخدمات والميزانيات للمدن والبلدات الفلسطينية، ومواجهة الجرائم والتمييز. يبقى السؤال حول الثمن السياسي المطلوب من الأحزاب العربية للمشاركة في الحكم، ومدى قدرة المشاركة على تغيير القواعد التي أنتجت إقصاء الفلسطينيين وتهميشهم داخل إسرائيل، وآلة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في غزة والضفة.
أظهرت الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية، بفارق أيام قليلة، تحولات مهمة في الخطاب السياسي المتعلق بفلسطين وإسرائيل، مع فوارق كبيرة ومهمة، ففي أمريكا تحوّلت إسرائيل إلى عبء سياسي باهظ انتقل من الحزب الديمقراطي إلى الجمهوري، أما في إسرائيل نفسها، فإن إزاحة نتنياهو قد تشكّل إنجازا مهما للفلسطينيين، ولكن الطريق يبدو واسعا بين النخب المؤثرة في إسرائيل وإخراج الفلسطينيين من محرقة الصراع الوجودي، وإخضاع العلاقة معهم للمبادئ الأمنية التي تسبّبت بفظاعات ليس للشعب الفلسطيني فقط بل لكل المنطقة العربية.