تُقدّم القدرة على المساومة، والوصول إلى حلول وسط، بصفة الفضيلة في كثير من الأحيان، خاصة في المجتمعات ذات المؤسسات الليبرالية، إذ تبدو أقرب لنوع من التسامي على الذات، لأن من يدخل في مساومة من ذلك النوع يتخلّى عن جانب مما يريده، مقابل ملاقاة الآخر في منتصف الطريق، ما يتيح استمرار العيش المشترك والاعتراف بالآخر. بالطبع، يفترض هذا الرأي عن الفضيلة نموذجاً شديد التبسيط، عن مجتمع فيه وحدات مستقلة (أفراد طبيعيون وأفراد اعتباريون، مثل الشركات والمؤسسات والنقابات) قادرة على حساب مصالحها، والدخول في تعاقدات حرة في ما بينها، لا بد من أن تحوي بعض التنازل، لتجاوز رذيلة التطرف، التي تدمّر مصالح الجميع. وعلى الرغم من أن هذا النموذج لا يستقيم حتى في الفلسفات الليبرالية الأكثر عمقاً، فما بالك بالأفكار الناقدة لليبرالية، إلا أنه يبقى دائماً في خلفية الحديث عن فضيلة المساومة.
الخبرة العملية في مجالات النزاعات وحلّها غالباً ما تتجاوز ذلك النموذج، فمثلاً طرح ميشائيل شتاينر، وهو دبلوماسي ألماني معروف، عمل في يوغسلافيا وأفغانستان ومناطق نزاع عديدة، منظوراً مختلفاً بعض الشيء عن المساومة والقدرة التفاوضية: لا فائدة من الدبلوماسية إذا رأت نفسها طريقة لعقد صفقات بين طرفين، يتنازل كل منهما عن شيء من مطالبه، كما لا يمكن التعويل على أن يتعب طرفان من الحرب، لدفعهما إلى التنازل المتبادل، والأمور لا تعمل بهذه الطريقة، فهناك نزاعات ترسّخت، بل وتعفّنت، وأدت لخسائر مروّعة، من دون أن يميل أي طرف من أطرافها لتقديم التنازلات. الدبلوماسية تبدأ عندما تصبح هنالك إمكانية لنشوء شيء جديد، لم يكن مُتضمّناً أصلاً في أي من مطالب الطرفين المتنازعين، يفتح أفقاً لإعادة تعيين الأدوار والأفكار والتوقعات نفسها.
تبدو الفكرة أقرب للفلسفة منها للدبلوماسية، وربما تليق بمسؤول ألماني من الطراز الكلاسيكي، فما يعنيه شتاينر هو بالضبط «شرط إمكان» التفاوض، وهو يقوم على تغيّر الافتراضات القبْليّة الأساسية للأطراف الداخلة في النزاع، وليس تقسيم الأرباح والمطالب على أساسها، وهذا التغيير يتطلب تحوّلاً في ذات الفاعلين في التفاوض، إذ لا أحد يدخل في مفاوضات جديّة ويبقى تعريفه لذاته بعدها كما كان قبلها. أما كيف ينشأ «شرط الإمكان» هذا، المُؤدّي للجديد الذي لم يكن داخلاً في حسابات الطرفين في الأصل، فهو أمر لا يمكن توقعه مسبقاً، ومهمة الدبلوماسية التقاطه، ومحاولة تكريسه، ومساعدة الطرفين على الوصول إلى إنهاء الصراع على أساسه. ولذلك لا يعوّل شتاينر مثلاً على الدبلوماسية في الحرب الروسية الأوكرانية، حتى اللحظة، فلا شيء يتغيّر في منظورات الروس والأوكرانيين إلى أنفسهم وقضيتهم.
هذا يعني أنه يجب إعادة بناء القضايا ومفاهيم الذات لكي نصل إلى النزعة «الوسطيّة»، وليس فقط أن نختبر قدرتنا على المساومة والتنازل، ولكن مجدداً: ما شروط إمكان هذا؟
تاريخ «الإمكان»
ربما يمكن البحث عن «شرط إمكان» أي حل تفاوضي في الاعتراف المتبادل على أساس المساواة، أي أن يفترض الطرفان المتنازعان أنها يتمتعان بحقوق متساوية، وشرعية كاملة في الوجود، وهذا يتطلّب أيضاً نوعاً من الحد الأدنى من التكافؤ في القدرات، إذ لن يجد أي طرف نفسه مضطراً للاعتراف بآخر، إذا لم يقتنع بأنه يتمتع بالقدرة على الدفاع عن وجوده وحقوقه. ويستلزم هذا بدوره الاعتراف بتعقيد العالم، والاقتناع بأنه لا توجد أي قوة قادرة على اختزال هذا التعقيد إلى مبادئ بسيطة، ومنظور واحد، وكذلك يتطلب إيجاد أطر مناسبة لإدارة هذا التعقيد. وذلك يعني أساساً أن شروط المساومة والتفاوض، وكل ما يُعتبر «وسطية» ذات فضيلة، لا تتعلّق بفاعل أو ذات مستقلة، تتنازل في سبيل الوصول إلى حل، وإنما بوجود أطر ومؤسسات تتيح لها الاعتراف بالوجود والحقوق، وتمنحها القدرة والقوة، أو على الأصح: إمكانية نيل القدرة والقوة، وتعظيمها، بما يجعلها طرفاً متكافئاً مع الآخرين. والأهم وجود شكل من اللغة والعقلانية المشتركة، التي تتيح تفسير كل إجراء بوصفه منصفاً للجميع، بغض النظر عن موقعهم وقدرتهم الحالية، وإذا لم تتوفر كل هذه الشروط، فيجب السعي لأجلها، والعمل على تجسيدها مؤسساتياً. وهنا نكون أمام المنظور الليبرالي الأعمق، القائم على ثلاثة أسس: إدراك التعقيد الاجتماعي، وضرورة الاعتراف، وفتح المجال ليس فقط للمساواة الشكلية، وإنما أيضاً للإنصاف، حتى لو لم يكن متحققاً واقعياً في كل لحظة وحقبة تاريخية.
ولكن هذا النموذج المجرّد يواجه صعوبة أساسية، وهو تفسير كيف يمكن أن ينشأ، والقوى المؤدّية إليه؛ وأيضاً كيف يمكن أن يدافع عن نفسه، ويمنع طغيان قوى ترفض التعقيد والاعتراف والإنصاف. هنا غالباً ما يصبح الفكر الليبرالي، والتنويري المعتدل، فريسة سهلة للهجمات من اليمين واليسار السياسي، خاصة أن العنصر الأقوى في التفكير الليبرالي، وهو فهم تعقيد المجتمعات الحديثة، ومحاولة ابتكار حلول لإدارته، لا يمكنه أن يبرهن على أن التعقيد سينتج نمطاً من التوازن، وإنه ليس أكثر من أزمة دائمة، ستؤدي إلى اضطرابات وصراعات، تدمّر المؤسسات الليبرالية نفسها. وبالتالي فإن هناك شكوكاً جديّة في إمكانية الليبرالية على الإجابة عن سؤال «شرط الإمكان»، الذي يتيح نجاح المساومات، ويمكن أن ينتج «الوسطية».
قد تكون الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية، محاولة لتقديم إجابات أكثر متانة، من دون التضحية بكامل العناصر الإيجابية في الفكر الليبرالي، خاصة في المجال الحقوقي، فهي لا تقتنع بالنموذج الفرداني المعياري، العقلاني والمؤسساتي والوظيفي، وإنما تنطلق من معيارية الاجتماعي، مؤكدةً أن المجتمع هو المنتج الأول، ليس فقط للثروة، وإنما للقيم والأفكار والهويات والوجود الحيوي، وبالتالي فإن «شرط إمكان» أي سلم اجتماعي، و»وسطية»، هو أن يكون المجتمع قادراً على استملاك العالم الذي ينتجه، وهذا «الاستملاك» يعني ما هو أكثر من «العدالة في توزيع الثروة»، أي السيطرة على القرار، وتوجيهه لمصلحة المنتجين، وابتكار أنماط من التمثيل الحقيقي لهم، وحصولهم على المؤسسات اللائقة بهم، في كل المجالات، من السكن وحتى الصحة والتعليم والثقافة، وهذا لا يتطلب مجرد مواجهة لـ»جشع القلّة» المسيطرين، بقدر ما يقوم على إعادة بناء شاملة للسلطة والمؤسسات وأنماط الإنتاج. وإعادة البناء هذه تتراوح راديكاليتها بين تحقيق تمثيل ضاغط لمصالح العمل بكل أشكاله (وهو الظاهرة الأبرز في «الاجتماعي») وصولاً إلى نزع الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. وبهذا المعنى فإن المجتمع المنظّم والمسيطر، والمعترف بتعدديته وتعقيده نظراً لتنوّع مجالات وعلاقات إنتاجه، هو الضامن الأساسي لاستقرار المؤسسات والأطر، التي يمكن من خلالها إنتاج مجال «الوسطية»، والدفاع عنه.
وقد عملت الديمقراطية الاجتماعية تاريخياً، على اختلاف ونزاع تياراتها، على بناء مؤسسات تتجاوز اختلال القوة في تعاقدات المجتمعات الليبرالية، وعلى رأسها النقابات، التي تتيح للعمال الأفراد شخصية اعتبارية جماعية، تضاهي الشخصية الاعتبارية للشركات والحكومات، وتمكّن من الدخول في مساومات تحقق الحد الأدنى من شروط التكافؤ، وبهذا تم التخفيف من شرط «الحرية المزدوجة» التي يعيشها العاملون، حسب تعبير ماركس، فهم لم يعودوا يدخلون في علاقات غير متكافئة «حرة» في السوق، لا تهتم بالحد الأدنى من شروط استمرارهم الحيوي، و»متحررين»، في الوقت نفسه، من أي رابطة اجتماعية تحميهم وسط هذه الظروف، بل باتت لديهم الذات الجماعية، التي تمكّنهم من التفاوض وتغيير الأطر السياسية والاقتصادية والثقافية لمصلحتهم. عُرفَ هذا في التاريخ الأوروبي بـ»بمبدأ التفاوض الجماعي ثلاثي الأطراف»، أي التفاوض بين النقابات والحكومة وأرباب العمل. وحتى سبعينيات القرن الماضي، كان مبدأ الديمقراطيين الاجتماعيين واضحاً: لا استقرار اجتماعي، أو إمكانية مساومة، في حال تم الإخلال بالحد الأدنى من هذا التكافؤ بين تلك الأطراف الثلاثة. وبالتالي، لا يمكن أن تكون المساومة إطاراً مشروعاً لإنتاج تسوية مستقرة وعادلة، إلا إذا كانت شروطها ديمقراطية سلفاً. وإذا لم تكن كذلك، فلا يكون المطلوب تحسين مهارات التفاوض، أو البحث عن نقطة وسط، بل تغيير علاقات القوة والإطار السيادي والمؤسساتي التي تجري المساومة داخلها. يشير كل ذلك بوضوح إلى أن الوصول إلى إمكان «الوسطية» قد يتطلّب أولاً نوعاً عنيفاً من الصراع، ربما يكون بالغ الدموية، وهو ما خاضه كل من الليبراليين والديمقراطيين الاجتماعيين في مراحل تاريخية مختلفة، فقد عرف التاريخ الحديث ثورات متعددة لم تنقطع، كان شكلها الجنيني «الانتفاضة الهولندية»، التي بدأت في القرن السادس عشر، ثم «عصر الثورة الإنكليزية» في القرن السابع عشر، ووصلت إلى ذروتها في الثورة الأمريكية في القرن الثامن عشر، التي يمكن اعتبارها التأسيس الدستوري الثوري الأشمل للقيم الليبرالية؛ أما القرن التاسع عشر والعشرين فقد كان عصر انتفاضات الطبقة العاملة، على أسس ديمقراطية اجتماعية، تصل إلى حد الانتفاضات الشيوعية والأناركية. بالطبع لم تنتج هذه الثورات المساواة مرة واحدة، وإنما فتحت صراعات متعاقبة حول من يستحق الاعتراف والمساواة، ومن يُستبعد منهما. وبالتالي فإن «شرط الإمكان» يأتي من قوى اجتماعية مؤسِّسة، تقاتل لأجل السيادة، والملكية، والحق، والاعتراف السياسي/الثقافي.
ولكن ماذا عن الحالات التي يُطالَب فيها البشر بالتزام «الوسطية»، في شروط الاختلال الهائل في القوة، وعدم الاعتراف بالوجود والحقوق المتساوية، وعدم توفّر الأطر والمؤسسات القادرة على تحقيق «شروط الإمكان»؟ هل يمكن بالفعل نشوء «ِشيء جديد» لم يكن واراداً في حسبانهم، ويغيّر ذواتهم؟
الأرسطية الهزليّة
مبدئياً، فإن الدخول في أي مساومة، لا تشترط اعتراف كل طرف بالآخر بوصفه متساويا في الحقوق، وأولها حق الوجود، سيكون نوعاً من عقد الإذعان، وبالتالي فلن يكون «وسطية»، وإنما تسليماً بسيادة الطرف الأقوى، ما يجعله أقرب لـ»تطرف» لمصلحته. وهذا يظهر مثلاً في أي مساومة مع أيديولوجيات دينية أو قومية، ترى لهويتها، وأتباعها، ومعتقدها، امتيازاً على كل الآخرين. ما الذي يمكن التفاوض عليه هنا؟ المدى الذي سيقر به الطرف الآخر بعدم تساويه، أو تدني درجته مثلاً؟
وعلى هذا الأساس فإن العلمانية، أي تحييد الامتياز الديني، والإقرار المبدئي بالمساواة أمام القانون، وحرية المعتقد والضمير، هي شرط لازم وضروري لأي إمكانية لـ»وسطية»، وكل التيارات والصراعات الاجتماعية المذكورة أعلاه، ساهمت في نشوء الشرط العلماني، ما استلزم، في لحظات تاريخية كثيرة، موقفاً صارماً من المؤسسات الدينية، التي ترفض مبدئياً المساواة، كما أن معظم التطورات اللاحقة، من تحرير العبيد وتجريم العبودية، وتوسيع الحقوق إلى منعدمي الملكية، والنساء، والشعوب المستعمرة، تم على تلك الخلفية، ما وفّر أيضاً، في مراحل لاحقة، إمكانية الاصطدام بكل من النزعة الاستعمارية، والأحادية القومية.
أيضاً لا يمكن الحديث عن إمكانية للتفاوض والمساومة من دون الاعتراف المبدئي للآخر بحق الوجود، ليس فقط البيولوجي، وإنما السياسي. أما الدخول في صراع لأجل الإلغاء فهو مقدمة لحروب لا تنتهي. وهذا يعني أيضاً أن الرد على نية طرف بالإلغاء، لا يكون بشن حملة إلغاء مضادة بحقه، وإنما السعي لتغيير الشروط والأطر التي تجعل تفكيره في الإلغاء «إمكانية» أصلاً. ولعل هذا من أهم ما يميّز الحركات السياسية الساعية للتحرر الجماعي عن الأصوليات القومية والدينية، التي لا ترى في صراعاتها إلا مراحل من رواية تاريخية طويلة، لن تنتهي إلا بفرض سيادتها، وإفناء الأعداء أو استعبادهم.
وضمن هذه الشروط، فإن أي حديث عن «وسطية»، فعلية، وأيضاً قيم التسامح والاعتراف، يتطلّب أولاً صراعاً، هو في عمقه صراع سيادي، لأجل تشكيل رؤية العالم نفسه، وبالتالي فربما يكون طرح «الوسطية»، والإلحاح عليها، قضية زائفة من الأساس، إذا تجاوز نقاش أبعادها السيادية: ما رؤية العالم، والأطر المؤسساتية والسياسية، ومفاهيم الذات والهوية، التي نحدد على أساسها ما هو وسطي؟
يميل دعاة الوسطية إلى تكرار جملة من التعريف الأرسطي للفضيلة، وهي «الفضيلة وسط بين رذيلتين»، إلا أن التعريف الأرسطي، الوارد في الكتاب الثاني من «الأخلاق إلى نيقوماخوس»، أعقد من هذا: «الفضيلة إذن هي حالة من حالات الخلق تبدأ بالاختيار، وتقع في وسط بالنسبة إلينا، يحدده العقل، وعلى النحو الذي يحدده به الإنسان الحكيم، وهي وسط بين رذيلتين». وهذا يعني، مبدئياً، أنه يجب اولاً تحديد «الرذيلتين»، وإثبات أنهما كذلك بالفعل، عبر محاكمة عقلية مستقلة، في سياق القدرة الذاتية على الاختيار، التي تنبني على «الحكمة العملية» Phronesis، أي الملكة العقلية، التي تمكّن الإنسان من الحكم السليم، وإدراك الغايات الإنسانية الجيدة، بناء على الخبرة والعادة والتنشئة الاجتماعية، وبالتالي فإن ما هو «وسطي»، لا يمكن فصله عن الشروط الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي تنتج القدرة على الحكم، كما أن نقد نمط من «الوسطية»، قد يكون نقداً لتلك الشروط، وتجاوزاً لفضائلها الزائفة.
كما أن أرسطو يؤكد أن هناك أفعالا لا «وسط» فيها، مثل السرقة والقتل. وبالتالي فليست «الفضيلة» مجرد اختيار حسابي لنقطة وسط بين موقفين، واعتبار أنها الموقف الأخلاقي الصحيح، لمجرد موقعها ذاك. ولا يمكن مثلاً تصوّر «فضيلة» في اتخاذ موقف «وسطي» تجاه سلطات ترتكب المجازر الجماعية، أو تلوّح بها، وتنبني على الامتياز الديني والقومي، وترفض المساواة في العمق؛ أو أن يعتبر رفض تلك السلطات جذرياً نوعاً من الرذيلة، التي يجب اتخاذ مسافة منها، فهذا موقف منافق، وغير عقلاني، ولا يصبّ في النهاية إلا في تثبيت وترسيخ أكبر الرذائل، ولذلك لا يمكن أن يكون أخلاقياً، بل يتسم بنفاق مفرط.
الطريف أن هنالك «نوعاً كتابياً» كاملاً، نشأ في العربية المعاصرة، تقوم بنيته على تعيين موقفين، ثم اتخاذ موقف «وسط» بينهما، ما يعتبر بحد ذاته برهاناً على صحة ذلك الموقف، وهذا لا يمكن وصفه إلا بالهراء، فقد تستلزم الحقيقة موقفاً «متطرفاً»، يكون، حسب التعريف الأرسطي نفسه، شرط إمكان الفضيلة، أي مناهضاً بشكل جذري لكل بنية سلطوية، لا تتيح المجال للعقلانية، والحكم المستقل، والحق في الاختيار.
النسخة الهزلية من الفضيلة الأرسطية، الدارجة في بعض الكتابات العربية، قد لا تكون مجرد تأويل ضعيف وجاهل، وإنما أيضاً تفكيراً من داخل رؤية العالم، والإطار السيادي، الذي يقوم عليه الامتياز القومي والديني المناهض للمساواة، وبالتالي فهي إسهام تام في «الرذيلة»، وضمان استمرارها وإعادة إنتاجها.
الإرهاب الوسطي
يمكن في منطقتنا ملاحظة تصاعد الخطابات عن «الوسطية» كلما ازداد التطرّف، إذ كانت الفترة بين أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، مروراً بصعود تنظيم داعش، والإبادة الإيزيدية، وصولاً إلى مجزرة السويداء في سوريا عام 2025، هي عصر ازدهار التأكيد على المواقف «الوسطية»، في الدين، والتعامل مع قوى الإسلام السياسي، وأيضاً ما يهوى البعض تسميته «ثقافة الشعب». وعندما كانت الصور المروّعة عن الإبادة الإيزيدية تنتشر حول العالم، بدا الحديث عن «وسطية الدين» أقرب لتعويذة، تمنع طرح الأسئلة الأكثر إحراجاً، عن البنى السياسية والاجتماعية والثقافية، التي أنتجت هكذا إبادة، لقد كان من الممكن الاكتفاء بالقول: «نحن وسطيون، وهذا لا يُمثّل»، كما أن تعيين الفضيلة بوصفها «وسطاً بين رذيلتين» كان شاملاً للجميع، بما في ذلك تنظيم داعش نفسه، الذي أعلن محاربة بعض «الغلاة» في صفوفه، مؤكداً بذلك موقفه الوسطي بين المغالاة (ولا ندري كيف يغالي أي طرف على داعش) وبين التفريط بالدين.
هذا النوع من التلازم بين «الوسطية» والتطرف ليس تلازماً عارضاً، فالأولى تؤكد الثاني بشكل بنيوي، إذ أنها تحدد موقعها داخل الإطار المنتج للتطرف، وجرائمه ومآسيه، وتعمل على سد أي أفق خارجه، ما يضمن إعادة إنتاجه؛ كما أن التلويح بالانتقال إلى موقع متطرف كامن في قلب «الوسطية»، إذ يُلمح في خطابها دائماً تهديد مبطن، بأن الوسطيين قد يتطرفون إذا لم تراع وسطيتهم، بوصف ذلك «ردة فعل» طبيعية وحتمية، قد تصل إلى درجة ارتكاب أفعال مثل القتل الجماعي، والخطف/السبي، والتعذيب. وهذا يعني، مجدداً، أن الداعشية موجودة بالقوة في قلب الوسطية، ويمكن، في شروط معينة، أن تتحقق بالفعل، بوصف ذلك أفقاً لـ»ردود الفعل» الممكنة، التي يحسن بالآخرين التراجع لتجنّبها. يمكن القول إن «الوسطية» إذن لا تحدد موقفها في وسط إطار سيادي قائم على الامتياز القومي والديني فحسب، بل أميل دائماً للانتقال إلى جانبه الأكثر تطرفاً، وهذا من تكتيكاتها السياسية والخطابية الدائمة. ضمن هذا المعنى فإن «الوسطية»، من هذا النوع، هي المظلة الأساسية التي تتيح إنتاج المتطرفين، وتبريرهم، والتهديد بهم.
وإذا وافقنا على افتراض الدبلوماسي الألماني ميشائيل شتاينر بأن من يدخل في مساومة جديّة لا تعود ذاته بعدها كما كانت قبلها، فأي ذات سينتجها القبول بالدخول في مساومات ضمن ذلك الإطار؟ غالباً كل مساومة ستنبني على الاعتراف المبدئي بامتياز المتطرفين، وشرعنة سيطرتهم وممارساتهم، وبالتالي تخفيض احترام الذات، والإساءة للكرامة الإنسانية، التي تفترض مبدئياً التساوي مع الآخر، والتسامح مع الجرائم، والتنازل عن الحقوق والحريات الأساسية، والاضمحلال الشامل للحس الأخلاقي والجمالي. باختصار: هذا النوع من «الوسطية» قد أنتج لنا كماً ممن لا يستحون من مناشدة سلطات إجرامية، وقادة إرهابيين، وبالتالي فمواجهتها، وقبل أي حساب سياسي، محاولة للحفاظ على الكرامة الإنسانية.
كاتب سوري