حنون مجيد في «حجر صغير»… من ريف ميسان إلى ذاكرة العراق


وضعت الموسوعة الأمريكيّة تعريفا موجزا للسيرة قالت فيه: (إنّها حياة الإنسان)؛ فهي محاولة لاستعادة جزء من حياة مضت، من خلال تقانة الاسترجاع التي شرطها الأساس؛ وعي الذاكرة بالعودة إلى أرشيفها المضمّخ بحكايات الأمس، وشجاعة السارد في القصّ، والاعتراف، ونقد الذات بقدر نقد الآخر.
قرأت سيرة القاص والروائي العراقي حنون مجيد التي صدرت عن منشورات اتحاد الأدباء والكتّاب في العراق ـ بغداد 2025 الموسومة بـ(حجر صغير)، فاستوقفني العنوان بوصفه عتبة أولى تحيل على علامة لغويّة تنفتح على دالّ يتضافر مع مدلول يمكن تأويلة بالرجوع إلى ما يكتنز من دلالة عامرة بالسرد أيضا، فالحجر في المعجم جسم طبيعيّ صلبٌ مكوّن من صخور أو كسارتها، وصغير ما قلّ حجمه، وحجر صغير: قطعة صغرى من الصخر، أو المادة الصلبة الطبيعية، وهو في دلالته السرديّة المضمرة في العنوان كناية عن صفة التقليل من شأن الذات موازنة بعظمة الموصوف الدال على شيء أكبر؛ هو الحياة بما فيها، وهذا تواضع جمّ من مؤلّف السيرة الذي أراد أن يقول: إن حياتي حجرٌ صغيرٌ في صرح عظيم ضمّ الحياة وما فيها من أدب وفن، وعلم، ومعرفة، وهذا ما أكّدته المقدمة التي وصفت السيرة بحجارة في تشكيل هيكل الهرم الكبير للحياة.

وحنون مجيد قاصٌ عراقيّ وروائيّ معروف، نشأ في أحضان الريف العراقي في ميسان، كانت الولادة في كوخ ريفي على نهر صغير فرع من نهر (المشرّح) المتفرع من الجانب الأيسر من نهر دجلة، أكمل دراسته في قسم التربية وعلم النفس: الجامعة المستنصريّة، ومن يقرأ مقدمة سيرته يدرك مقدار عنايته بالسيرة بوصفها نوعا أدبيّا، فهي في مدركه النقدي شهادة على العصر الذي يعيش فيه صاحبها، وهي تنفتح على وجود الناس، وحقائق الحياة، وأحداثها، فضلا عن اشتمالها على دروس، وعِبَر، وتجارب يمكن للمتلقي أن يفيد منها، شرط أن تكتب بضمير حيّ، ومسؤوليّة، وقد وضع نصب عينيه حضور القارئ في تلقيها، ولا سيما ذلك الذي كان على مسافة قريبة من حياته اليوميّة، والمؤلّف مأخوذ (بشرف الكلمة)، وهو يخوض غمار مغامرة الكتابة السيريّة.
شُغلت السيرة التي أنا بصدد قراءتها باستعادة الحياة الأولى لمؤلّفها، وهي تتوزّع على النشأة الأولى في ريف محافظة ميسان؛ بيتٌ من القصب جوار نهر، ووالدٌ فلاح معنيّ بضيوفه، وثمّة هاون يضربُ بيد صفراء تعلن بسيمياء الصوت عن موعد شرب القهوة المعتاد، فكان للطفل يومها أن تشبّعت ذاكرته بمئات القصص، والحكايات التي تدور في فلك البطولة، والكرم، والنبل، والحب: تلك التي كان يسمعها واصحابه، وهم على جانب من مضيف الوالد، وله أن يشير في السيرة عن قصص الكلاب التي رافقته في حياته الجنوبيّة، فكانت تلك الحيوانات الأليفة تتبع الأولاد أينما حلّوا، وصولا إلى المدرسة، فهي شريك الإنسان في حياته، وفي سرديّتها مثال على ذلك الوئام الذي يجمع بين الإنسان والحيوان.
روى الجاحظ في كتابه (الحيوان) حكاية الوفاء عند الكلب، باسطا للمتلقي شكل الألفة التي تجمع بين الإنسان، والكلب، مبيّنا قدرة ذلك الحيوان على التذكّر، والانتماء إلى البيئة التي عاش فيها، ففي (قصّ في وفاء كلب) كان الوفاء ثيمة الكلب التي برّزها الجاحظ، لتحيل على مضمر مؤداه قلّة وفاء الإنسان قياسا بوفاء الكلب، فقد اعتمدت الحكاية حالة الكلب، وهو يرصّد حضور صاحبه، بسروره الواضح، ومحبّته المفعمة بالوفاء، ويبدو لي أن ذلك الوفاء المتوارث في حياة الكلاب القرويّة هو الذي دفع سارد السيرة لأن يتحدّث عن (دراما الكلاب) التي فصّل في سردياتها عادّا إيّاها كائنا وديعا ذا معدن ثمين، وقد اتخذه رفيقا.

حفلت السيرة بمجموعة من الصدمات التي عاشها مؤلّف السيرة أولها: الرحيل إلى العمارة خلاصا من مشكلة واجهت الأسرة، ففي صباح يوم ما غادر زورق الوالد النهر محمّلا بالعائلة نحو مدينة (المشرّح)، ومنها اتّجه نحو مدينة (العمارة) بالسيارة، فكان للولد أن خسر بيته القصبي، وكلبه الوفي، وبقرته الحلوب، وعطر المكان الذي كان يملأ فمه زهورا، ونظارة، وفي العمارة أصبح الوالد صاحب دكان للعطارة، في شارع بغداد الرئيس في المدينة، ويبدو أن ذلك الشارع بما امتلك من اسم فخم أخذ العائلة إلى رحيل آخر نحو بغداد في صدمة جديدة قذفت بالولد العماري إلى محلّة الفضل أولا، ليكون في ما بعد حاضرا في شارع الرشيد، والمدينة كلّها كان ذلك في عام 1948.
نعود إلى طفولة مؤلّف السيرة، وقد شهدت حرمانا كثيرا؛ غياب الوالد -رحمه الله- وانشغال الأخ الأكبر بالعمل، وإعالة العائلة، وبكاء الأم الذي لا نهاية له، فكان عليه أن يشقّ طريقه مثل الأعمى المقود بيد نظيفة، كان صامدا أمام الصدمات التي تكرّرت كثيرا، وقد أخذت جزءا من اهتماماته، لكنّه – وهذا جزءٌ مهمٌّ في شخصيّته- كان متعلّقا بأمل مقبل؛ دخل متوسطة النظاميّة، وأحبّ السينما، وبدأت بواكير القراءة تسبغ على سيرته نمطا من التميّز، فكانت تلك المدرسة نقلةٌ مهمّةٌ في حياته، ولا سيّما تعرّفه على مجموعة من الأصدقاء أخذت به نحو الماركسيّة، فضلا عن قراءة الروايات، وقد أكمل الدراسة المتوسطة التي أهلته للدخول إلى دار المعلمين الابتدائيّة، وفيها قرأ الشيء الكثير من الكتب المختلفة، ولا سيّما المترجمة منها حتى قدّر له أن يتخرّج فيها ليعيّن معلما في العمارة مسقط رأسه.
لقد عدّ السارد انتقالات حنون من مكان إلى آخر (صدمات)؛ بسبب تعلّقه بتلك بالأمكنة الأولى، وحرصه على حضور الوهج العاطفي، والروحي الذي ربطه بتلك الأمكنة التي حوت مجموعة كبيرة من تجاربه، وذكرياته، ولا سيّما تلك التي تعلّقت بطفولته، وأول فتوته، فهي عصيّة على النسيان، تحضر في كلّ حين لتكون شاهدا على سعادة زالت، على الرغم من فقر الحال.

المعلم الشيوعي

في العمارة كان المعلم حنون جديرا بصداقة جديدة مع (صدام المنحوش) المسؤول الشيوعي المميّز بثقافته الواسعة، والفلاح الذي أشرف على زجّ المعلمين في حلقات السياسة التي أخذتهم نحو السجون، بعد الإطاحة بعبد الكريم قاسم، فكان نصيب المعلم التوقيف مرتين، والسجن ستة أشهر في سجن الحلّة بتهمة الاشتراك في انتفاضة حسن سريع، لقد أخذت السياسة بمختلف ألوانها من المثقف العراقي، ولم تعطه سوى الخيبة، والخذلان، والعناد الذي يقاوم من خلاله إشكالات الزمن، وهذا ما حدث للمعلم الذي أحبّ مهنته (حنون) الذي فُصل من وظيفته خمس سنوات بسبب انتمائه الحزبي، عاد إليها في عام 1968معلّما في (العمارة) أيضا، ثمّ قدّر له أن ينتقل إلى العاصمة بغداد.

أهواء

أعرف أن الأهواء ميلُ النَّفس إلى ما تحبّ، وتشتهي أو تميل، ونفس مؤلّف السيرة حضرت أهواءها في ثلاثة مفاصل مهمّة من حياته، أولها: صداقة الأدب: تلك التي تشير ضمنا إلى علاقة مؤلّف السيرة بالأدب بشكل عام، والكتب بشكل خاص، وقد نشأت منذ وقت مبكّر في حياة الأديب حنون مجيد، بسبب نزعته الثقافيّة في الحياة، فقد كان قارئا نهما لكلّ شيء، حتى قادته تلك القراءة إلى الكتابة فنشر أول مرة في جريدة «المنار» البغدادية (سارتر وجائزة نوبل مرة اخرى) في عام 1964، ثمّ قدّر لقلمه أن يشرع في نشر سرديّاته المختلفة في القصّة القصيرة فصدرت له: «تعاقب الفصول» (قصص) 1986، و»البحيرة» (قصص) 1988، و»الطائر» (قصص) 1998، و»تاريخ العائلة» (قصص) 2007، و»الخيانة العظمى» (قصص قصيرة جداً) 2014، و»السنونو» 2024، و»بصيرة البلبل» 2024، ثمّ أصدر الروايات الآتية: «المنعطف» 2001، و»مملكة البيت السعيد» 2011، و»المدونة الرقمية» 2015، و»بصيرة البلبل» 2015.
وثاني تلك الأهواء: صداقة الأدباء: فقد عرف عن مؤلّف السيرة صداقته الحميمة لكثير من الأدباء العراقيين والعرب، فهو على صلة بأدباء من سوريا، ومصر، والأردن، وله صداقة نادرة مع القاصّة المصريّة منة الله، وزوجها مصطفى عبد الله، وثالث الأهواء: محبّة النساء، فمنهن: اثنتان رمز لهما بحرفي (س): الشجرة الفرعاء الظليلة، والأخرى بحرف (ق) تلميذة كان متبرّعا في تدريسها، وثالث النساء معلّمة زميلة له في المدرسة لامس حبّها قلبه فكان الإعجاب متبادلا شبه صامت، لكنّه ظلّ يرفرف بعذوبة عميقة حتى تقاعده، وآخرهنّ أديبة قاصّة، وروائيّة شهقت روحه عند رؤيتها أول مرة، وآخر الأهواء: محبّة السفر؛ تلك التي مارسها في السبعينيّات من القرن العشرين إلى سوريا، ولبنان، وتركيا، واليونان، وبلغاريا، وقد تجدد السفر مرة أخرى إلى بلغاريا عام 1978صحبه زملاء له، وكان لهم أن عاشوا أياما أجمل ما فيها الصفاء.

نقصّ السيرة

ما ينقص السيرة التوثيق التاريخي الذي غاب عن كثير من الأحداث، مثالها؛ سنة الانتماء إلى الحزب الشيوعي، ونيل عضويّته، ويوم أوقف في مركز الشرطة، وساعة دخوله السجن، ويوم إطلاق سراحه، وغيرها من حوادث ظلّت من دون أن يحيل عليها تاريخ، ولعلّ ذلك النقص راجع إلى عدم تدوين يوميّاته بوعي أوّليّ، ولعلّه – في حينها- لم يفكّر أن تلك اليوميّات ستعينه في ما بعد على كتابة سيرته، فـ(اليوميّات) مدوّنة أساسيّة لمتن أي سيرة، وهي غنيّة في سردها؛ لأنّها معنيّة بتدوين الحاضر الذي سرعان ما سيغدو ماضيا، وهي تنفتح على التشبث بمفردات الزمن القريب.
كان حنون مجيد منصفا في آرائه، ولا سيّما السياسية التي تعلّقت بطبيعة المرحلة التي كان فيها عبد الكريم قاسم رئيسا لوزراء العراق، فلم يمجّد تلك الحقبة بما لا تملك إنما نقدها، فوصفها بتفتّت الصلات بين قادة البلد، ومحيطهم الداخلي والخارجي، حتى صار أمر سقوطهم، أو إسقاطهم يقينا لدى الجميع، وقال عن رئيس الوزراء يومها إنّه عسكريّ غير محنّك، يميل إلى فردانيّة الحكم، وهو بلا حليف، لكن السيرة من جهة أخرى كُتبت بلغة سرد شفيف مال إلى شعريّة تواءمت تماما وفضاء الوصف الذي شغل جزءا مهمّا من السيرة، فقد استعار من الشعر لغته، مثال ذلك: وصفُ بدويّ زار بيتهم بأنّ فيه ثمّة حاجة أشبه بلوعة صغيرة تحبس أنفاسه، ولكَ أن تقرا ما قاله عن مغادرة عائلته القرية؛ في صباح باكر مع فزّة الطيور على ندى أجنحتها… شقّ زورق والدي النهر، ولك أن تقرأ صورة احتراق البيت: كنت أشاهد النارَ تسعى بين ضفائر القصب كالأفعى بين الأدغال، ولها أزيز، وله أن يصف نساء مدينة العِمارة في أول رؤيته لهنّ: كنّ يتحرّرن من عباءاتهنّ، فأشاهد بياضَ وجوههن، وترفَ أجسادهن، وجمالَ عيونهنّ، والشعرَ الأسودَ اللامع َالمسرّحَ على أكتافهن، فترفّ براءة أعطافي، وتتداعى غيومُ أحلامي .
وبعدُ: فلي أن أرشّح سيرة (حجر صغير) للقراءة، فهي بسرديّتها المتواصلة مع الحياة بدءا من عام 1939 وحتى آخر سرديّة تحدث عنها السارد في الصفحات الأخيرة أعطتْ فكرةً تامّةً عن طبيعة الحياة التي عاشها، وقد ارتبطت بتاريخ العراق الثقافي المعاصر.

أكاديمي وناقد من العراق



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *