من ميشيغان الى تل أبيب: هل تتغير القواعد؟


استشرف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مبكّرا مؤشرات الخسارة الكبيرة التي سيتعرّض لها حزبه الجمهوري، وهو شخصيا، عندما أعلن عن أن بلاده ستتوقف عن تقديم دعم مالي لإسرائيل يقارب الأربعة مليارات، في الوقت الذي انعكس “أثر إسرائيل” الفاشل على الناخبين الأمريكيين في الانشقاق الذي أعلنته هالي ستيفنز، زميلة المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد، لصالح خصمه الجمهوري مايك روجرز، من دون فائدة.
لم تكن الهزيمة الواسعة التي مني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد عقاب لترامب، أو تكرار للظاهرة التاريخية التي يفقد فيها حزب الرئيس مقاعد في الكونغرس، وهو أمر تكرر منذ عام 6491 حتى الآن (باستثناء ولايتي بيل كلينتون وجورج دبليو بوش). أحد عناصر هذا الاختلاف هو صعود اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي، وكذلك صعود نجم المسلمين الأمريكيين بنتائج ملفتة في مجلس الشيوخ وعلى مستوى حكومات وبرلمانات الولايات.
انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وحققوا انتصارات في ولايات ظلت معاقل جمهورية لعقود، في انتخابات كشفت عن تحولات اجتماعية وسياسية في أمريكا كما توقع سياسيون كثيرون أن يمتد تأثيرها إلى العالم، مثل رئيس وزراء اسبانيا بيدرو سانشيز، الذي قال إن هذا ما “حدث في البرازيل، وحدث في الولايات المتحدة، وسيحدث قريبا في اسبانيا”، ورئيس جنوب افريقيا سيريل راموسا الذي قال إن النتائج “ستدشن حقبة جديدة في العلاقات الدولية”، فيما قالت نائبة رئيس البرلمان الأوروبي إن “كل شيء سيتغير الآن نحو الأفضل. سيدعم أوكرانيا، والتحوّل الأخضر، والعلاقات مع بقية العالم”.
كانت تكاليف المعيشة وأرقام التضخم والفساد من أبرز دوافع الناخبين، لكن الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران أضافت إلى الغضب الشعبي عبئا اقتصاديا وسياسيا، وقد اعترف ترامب نفسه بأن الحرب ساهمت في هزيمة حزبه، وبذلك أثقلت كلفة الحروب – التي اعتادت الإدارات الأمريكية خوضها بعيدا عن المساءلة الشعبية – صناديق الاقتراع بعدما انعكست آثارها على أسعار الطاقة والسلع وحياة الأمريكيين.
يتمثل التحوّل الأبرز، بالنسبة الى العالم العربي، في التصدّع المتزايد للتوافق السياسي الأمريكي التاريخي حول الدعم غير المشروط لإسرائيل، واللافت أن ترامب، عند إعلانه آنف الذكر عن وقف المساعدات المالية لإسرائيل، ذكر المرشح عبد الرحمن السيد، المسلم الأمريكي من أصول مصرية، الذي حقق فوزا تاريخيا بمقعد مجلس الشيوخ عن ميشيغان، رغم حملات التحريض التي شارك فيها ترامب شخصيا ضد هوية السيد الدينية ومواقفه المؤيدة لحقوق الفلسطينيين والمعارضة بشراسة لإسرائيل، ورغم الإنفاق الضخم لجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل ضد ترشحه في الانتخابات التمهيدية.
تتجاوز دلالة فوز السيد هويته العربية – الإسلامية، إلى نجاح مرشح تقدمي في تحدي واحدة من أرسخ القواعد غير المكتوبة في السياسة الأمريكية: اعتبار معارضة إسرائيل أو انتقاد نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لها مخاطرة قد تنهي المستقبل السياسي للمرشح، ويتضافر هذا التطور مع صعود التيارات الشبابية واليسارية التي باتت تربط العدالة الاجتماعية داخل أمريكا برفض تمويل الحروب والانتهاكات خارجها.
لا يعني إعلان ترامب، الذي لم تتضح آليات تنفيذه، نهاية للتحالف الأمريكي – الإسرائيلي، فيما يستمر التعاون العسكري وصفقات الأسلحة (“لتشتر إسرائيل ما تريد”، كما قال ترامب)، كما أن انتصار الديمقراطيين واتساع التيار اليساري داخل الحزب لا يضمن تحولا جذريا في السياسة الخارجية الأمريكية، فقيادات “الدولة العميقة” الديمقراطية ما زالت مرتبطة بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، ومؤسسات الدولة الأمريكية أكثر رسوخا من أن تتبدل وجهاتها بفعل انتخابات نصفية واحدة.
غير أن المفارقة تزداد وضوحا في إسرائيل نفسها، حيث جاءت الهزيمة الجمهورية بعد أسبوع من انتخابات فقد فيها ائتلاف بنيامين نتنياهو أغلبيته البرلمانية، لتواجه حكومته احتمال خسارة الحماية السياسية التي وفرتها له علاقته الاستثنائية بترامب، وقد سارعت المعارضة الإسرائيلية الى تحميل نتنياهو مسؤولية إضعاف التوافق الأمريكي بين الحزبين حول دعم إسرائيل، ولكن من دون اتفاق على مراجعة السياسات تجاه الفلسطينيين!
تكشف هذه المعادلات عن بداية تصدع في المعادلة التي أتاحت لإسرائيل الحصول على الدعم الأمريكي، بمعزل عن الاختلافات الحزبية والتحولات الاجتماعية، والأغلب أن تتسع الشقوق مع صعود جيل سياسي جديد يرى في القضية الفلسطينية مسألة عدالة وحقوق، وفي الحروب الخارجية استنزافا للموارد والحياة.
ما يجري من ميشيغان الى تل أبيب يطرح سؤالا يتجاوز مستقبل ترامب ونتنياهو إلى المعادلات الحاكمة بين أمريكا وإسرائيل، وبين إسرائيل والفلسطينيين، فهل تستطيع القوى الأمريكية الجديدة تحويل اعتراضها على الحروب والدعم الكارثي لإسرائيل إلى سلطة سياسية قادرة على تغيير قواعد العلاقة بين واشنطن والشرق الأوسط، وهل تستطيع النخب الإسرائيلية أن ترى أخيرا نهاية لنفق النزاع مع الفلسطينيين؟



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *