بفيلم روائي طويل رابع، صار لمؤيد عليان مكان معلوم في المشهد السينمائي الفلسطيني اليوم. لا فوارق زمانية طويلة بين فيلم وآخر، نوع من الاستقرار يلمّ الأفلام الأربعة، وهو يمتاز عن غيره في التعاون للسيناريو في أربعتها، مع رامي عليان، بخلاف معظم التجارب في السينما الفلسطينية حيث يحصر المخرج كتابة الفيلم بنفسه، ما جعل ضعف السيناريو واحداً من ميزات السينما الفلسطينية. يتعاون مخرج الفيلم هنا مع آخر لكتابة السيناريو، مبدئياً هذا أفضل من السائد فلسطينياً، لكن من دون أن يكون شرطاً لقصة وحوارات جيدة.
وبخلاف عموم أعمال هذه السينما، ينوّع عليان في مواضيعه، وفي محاولة دمجها بأنواع سينمائية، كوميدْيا في أولها، تشويق في ثانيها، فانتازيا في ثالثها، وطبعا جميعها مندمج، بنسبٍ متفاوتة، مع واقعية الحالة الفلسطينية. وفي رابعها، اليوم مع «حوار مع البحر»، نحن أمام ما يقارب «فيلمَ طريق»، حيث يبحث الأب عن ابنه من خلال بحثه عن خبر حوله. لكن، هذا التنوع في المواضيع ليس، هو الآخر، شرطاً لمقاربة جيدة.
في كل الأحوال، وإلى جانب هذه المحاولة الجيدة لعليان في تنويع المواضيع، وفي الالتزام المهني متعاوناً مع كاتب سيناريو، فإن النتيجة الإجمالية، أي النظرة حيال الفيلم كمنتَج نهائي خرج إلى الشاشة، تبقى مسألة أخرى، ولا تقابل بالضرورة مهنيّة المسارَين.
لا ينفي الفيلمُ ما أسّسته أفلامُ عليان الثلاثة، فهو لا يخرج عمّا دون المتوسط في المقاربة السينمائية للقصة والشخصيات. «حوار مع البحر» يؤكد ما صرّحت به الأفلام الأربعة من حيث المستوى، ولم يسعفه لا التنويع في الموضوع ولا المشاركة في سيناريو. كما أن الاعتماد على مصورين ومحررين أجانب مختصين، كان عاجزاً عن ترميم خلل عام تحكمه الحوارات.
يأسف أحدنا أن ذلك كان مع فيلم رابع. النشاط كذلك لا يعني الجودة، فإن كانت عناصر عدّة حضرت هنا ولم تسعف الفيلم، فإن آخر أبعد من الفيلم ذاته، وهو النشاط الإخراجي لعليان، كذلك لا يعني أننا أمام تجربة جيدة. ويمكن لأحدنا أن يفضّل حالةَ فيلمين لأحدهم في 11 عاماً، المدة ما بين أول أفلام عليان الطويلة وفيلمه الرابع، وتكون مصنوعة بإتقان ورويّة، على الإسراع بإنتاج 4 أفلام، ثالثها كان، فقط، قبل 3 سنوات من اليوم. النشاط هذا لم يعنِ سوى تراكم كمّي يؤكد مستوى أقل من العادي لأفلام كان يمكن لصانعها أن يمنحها، كغيرها فلسطينياً، مدة أطول وبالتالي احتمالاً أكبر في جودة ليست هي، في كل الأحوال، مضمونة حتى بذلك. لكن، هذه الإمكانية في إيجاد شراكات تمويلية أوروبية، بسرعة، مقرونة بالضرورة بما ستتناوله الأسطر اللاحقة، من الحضور الإيجابي الدائم للإسرائيلي في أفلام مؤيد عليان، وذلك لحسن الحظ، بخلاف عموم السينما الفلسطينية.
فإن كان أحدنا يرى عناصر إيجابية في تجربة عليان، التنويع مثلاً، فإن النتيجة النهائية، الفيلم، ينفي هذه العناصر واضعةً، بأربعة أفلام، سقفاً يصعب توقّع علوٍّ لعليّان عنه، بفيلم خامس ربما، يكون بعد أعوام قريبة جداً. بأربعة أفلام يمكن لنا باطمئنان القول، إن هذا سقف أفلامه وإن حدودها السينمائية وتواضعها الحكائي قد ترسّخا. ما لم يَخرج لنا عليان لاحقاً بمفاجأة بعيدة عمّا بناه بأربعة أفلام. يمكن دائماً لمحاولة التنويع في المواضيع والتشارك مع كاتب سيناريو أن يفتحا معاً نافذة لاحتمال مستقبلي، مأمول، لذلك.

«حوار مع البحر» المشارك في مهرجان فينيسيا هذا العام، قسم «بقعة ضوء»، يحكي عن رجل، خبّاز مقدسي، يمضي الفيلم في البحث عن حقيقة اختفاء ابنه، بعدما وصله إشعار بدفع ديون متراكمة، للتأمين الصحي. بالنسبة له فإن ابنه مات غرقاً، لكنه لم يكن حاضراً، والصور لا تؤكد هويته، ولا شهادة وفاة، فيمضي الفيلم بالبحث عن معارف له ليصل إلى الحقيقة أخيراً.
القصة بهذا الشكل يمكن أن تكون أساساً لحبكة جيدة، لكن الرتابة تعمّ حين تُمطّ فكرةٌ جيدة إلى سيناريو لفيلم روائي طويل، من دون جماليات بصرية على الأقل ترمّم بعض الخلل في الحبكة. يمضي الفيلم من شخص إلى آخر. هذا هو الفيلم أخيراً، نراه يطرق باباً ثم يطرق آخر. مع كل تقدّم في الفيلم يزيد الشعور بالرتابة، وبالتكرار الناتج عن شخصية رئيسية عالقة في مكانها، كأن كاتبها يرميها من مكان إلى آخر من دون أن تتقدم فعلاً. مع كل مشهد جديد في عملية البحث للأب، ندرك أن أكثر احتمال أن يكون السيناريو قد مرّ بانسدادات متتابعة، فكانت كل عشر دقائق محاولة للخروج من الدقائق السابقة، من دون تحرّك فعلي للحبكة يمكن البناء عليه، كأن كل فترة زمانية كانت نوعاً من المطّ لتلك السابقة لها، نوعاً من تمرير المَشاهد حتى تصل صفحات السيناريو إلى رقم يسمح لها بأن تشكّل فيلماً طويلاً.
الرتابة لا تخطئها العين، ولم يتمكن أداء كل من كامل الباشا وعامر حليحل أن يخفف من وطأتها. هذه مسؤولية المخرج، فبصناعة عامة للفيلم تكون متواضعة، لا يمكن لا لمصور جيد، أو ممثل أو محرر، أن ينتشل الفيلم من سقفه السردي والجمالي المنحسر.
لكن، مرة ثانية، لم يكن هذا ما يؤخذ حقاً على الفيلم. وإن كان الكلام أعلاه متضمّناً إشارات إيجابية تجاه الفيلم، إلا أن جانباً سلبياً يتوجب الوقوف عنده، خاصة أنه متكرر في أفلام عليان.
تكاد السينما الفلسطينية تكون معدومة، الروائية منها تحديداً، من دون فضيلة الإنتاج الأوروبي المشترَك، ويمكن لهذا التمويل، الفرنسي والألماني والهولندي وغيره، أن يكون حاجة وضرورة لهذه السينما، وهو كذلك، بسبب اعتمادٍ عام لسينما دول الجنوب، وتحديداً للسينما الفلسطينية، على إنتاجات مشترَكة، أي على هذا التمويل. ولأن السينما الفلسطينية سياسية بالدرجة الأولى، فالممول الأوروبي يفتح عينيه على مفردة «فلسطينية» قبل انتباهه إلى مفردة «سينما» في هذه العبارة. قد يفرض شروطاً وقد يلقي تمنّيات، وقد لا يحتاج إن عرف صانعُ الفيلم كيفية الاستجابة إلى الشروط والتمنيات، من دون حاجة للتصريح بها من قبل الأوروبي. النتيجة في أفلام عليان: حضور شخصية إسرائيلية تكون إيجابية.
في كل أفلام عليان نجد الإسرائيلي الجيّد، وإن كان لا بد من سمة بارزة ومتواصلة على طول أفلامه الأربعة فهي حضور الإسرائيلي الإيجابي في سياق قصة فلسطينية. وفيلم كهذا فقط، مثلاً، يمكن أن يدخل في اللائحة القصيرة لجائزة أكاديمية الفيلم الأوروبي بوصفه إنتاجاً مشتركاً هولندياً، على رداءته مقارنة مع باقي الأفلام المتنافسة.
في الفيلم أكثر من شخصية إسرائيلية جيدة، فإضافة إلى صديقة سابقة اسمها عنات، ولم يكن حضورها بهذا البؤس، سوى في كونه لشخصية إسرائيلية جيدة حاضرة في أفلام عليان كافة. كانت هناك تلك الشخصية الكارثية، رجل يستضيف في بيته الأبَ الباحث عن صديقة سابقة لابنه. كان شديد اللطف، بشكل مبالغ فيه. حتى الجانب السردي، الشخصياتي، لا يبرر لهذا الحاضر لدقائق، كل ذلك اللطف، في استضافة الأب ومحاولة إشراكه في حوار على مائدة طعام شمل الحوار، واحداً من أكثر الأسطر ابتذالاً في الأفلام الفلسطينية خلال الأعوام الأخيرة، وكان عن نبيذ جيّد كان يُصنع في غزة. هذه العبارة كذلك، وربما أكثر من الحضور شديد اللطف لهذا الإسرائيلي، هي في موقع متقدّم لإثارة اهتمام وإعجاب الممول والمبرمج والمحكم والمصوت الغربي. فغزة التي كانت تنتج نبيذاً ممتازاً في كل المنطقة، صارت اليوم مرتعاً لإسلاميين، لا رسالة غيرها يمكن لهذا المشهد المريع أن يقدمّه، خاصة مع لقطة سريعة لاحقة، للرجل البليد ذاته، يتذوّق من كأسه بتلذذ، في ما بدا إعلاناً تلفزيونياً تسعينياً كيتشيّاً، صار في 2026 مثاراً للضحك سخريةً. قد لا يكون ذلك أسوأ ما في المشهد، إن ذكرنا أن الرجل ذاته، بزناخة فوّاحة، يستعيد عبارة لمحمود درويش من فيلم لجان لوك غودار هو «موسيقانا»، في أن العالم يهتم بالفلسطينيين لأنهم، اليهود، أعداؤهم، وأن الفلسطينيين لذلك محظوظون لكنهم كذلك ولذلك غير محظوظين. فكرة شديدة العمق والرمزية لدرويش، تهشّمت هنا على لسان «الإسرائيلي الجيد» المحتفي بـ»النبيذ الغزي»، اللطيف بشكل لا تستوعبه السينما الجيدة إلا كون المشهد كاريكاتيرياً، كونه سخرية من هذه الشخصية، فإن لم تكن كذلك كانت السخرية من الفيلم الذي قدمها بجدية، وهو حال فيلمنا هذا.
ما بعد ذلك، أو حضور «الإسرائيلي الجيد»، النموذج المتنقّل من فيلم لآخر لعليّان، لا يجد أحدنا أهمية في الإسهاب في أي مكمن خلل في الفيلم. جعل المشهدُ ما لحقه وسبقه باهتاً، لشدة الرتابة في ما دون، وشدة الكاريكاتيرية فيه. فيمرر أحدنا مسائل من دون الحاجة إلى التوقف عندها، لهامشيتها رغم سطحيتها، كتصوير القدس بعين سياحية، فإن كانت هي مدينة صانع الفيلم ويعرفها أكثر من غيره، إلا أن هذه العين السياحية كانت بعين أوروبية، عين الهولندي، ما يحب أن يراه من القدس فصوَّره له صانع الفيلم العارف لمدينته. الكعك المقدسي، الفلافل والحمص للضرورة، ومتضامنون أجانب يهتفون ضد الاحتلال، حاملين رسما لبطيخة. نعم، رسما لبطيخة في الحارة القديمة في القدس. ثم، لا بد من تعايش إسلامي مسيحي من بعد الشخص اليهودي الجيد، فالقدس تبقى لدى الأوروبي مدينة السلام والتعايش بين الأديان الثلاثة. في مقبرة يقف الأب، رجل يمر ويقول إنها بوابات الرحمة والناس تدخل مباشرة من هنا إلى الجنة، في اللقطة التالية، الأب الذي كنّا رأيناه يصلي ويقرأ القرآن، يرى أمامه مسيرة بصليب كبير محمول على الأكتف، ينضم إليها خاشعاً.
«حوار مع البحر» نموذج للفيلم الفلسطيني السياحي، والسياحية هي النقيض من السياسية فلسطينياً، تمحو السياسيّة وتسطّح معنى الحياة في المدن والقرى والمخيمات. بذلك فقط، بالرموز الاستهلاكية، بالإسرائيلي الجيد، بالتعايش الديني، بالنبيذ الغزي المتضمّن إشارة تنديد بأي مظهر إسلامي مقاوم، بإزالة أي أثر للمقاومة أو حتى للصمود، بدور الأب العاجز، الفلسطيني الذي لا يمل من إدارة خده من بعد كل كفّ يتلقاه، بذلك يمكن للفيلم أن يجد صناديق أوروبية مفتوحة، ومهرجانات، وبقليل من الحظ في رغبة المحكمين بالتضامن مع فلسطيني هلامي، جوائز. بذلك، بالنظر إلى فلسطين من عين الأوروبي، سيّحَ الفيلمُ عناصره الفلسطينية، جعل الهوية الفلسطينية فيه مسيَّحة وسياحيّة. ولكل ذلك ثمن واضح لا غبار عليه، هو تمييع السردية الفلسطينية، هو المياعة.

كاتب فلسطيني سوري