نسرين طفلة من غزة تهزم صمت الحرب بكاميرا وتحمل أحلام الأطفال إلى العالم


غزة – «القدس العربي»: في مثل سنها، يقضي الأطفال أوقاتهم في اللعب وتصوير تفاصيل حياتهم البسيطة، لكن نسرين سكيك وجدت نفسها أمام واقع مختلف، تتداخل فيه أصوات القصف مع الخوف والنزوح والجوع. فلم تكن تملك سوى هاتفها الصغير، لكنها قررت أن تستخدمه لتوثيق حياتها وحياة الأطفال والعائلات في غزة، ومحاولة إيصال أصواتهم إلى العالم.
واليوم، بعد ثلاثة أعوام من بدء رحلتها، وصلت نسرين، البالغة من العمر 11 عاماً، إلى نهائيات جوائز صنّاع المحتوى الرقمي العالمية لعام 2026، حاملة معها قصص أطفال لم تتح لهم الحرب فرصة عيش طفولتهم كما ينبغي.

لسنا أرقاماً

«إحنا أطفال غزة ما بكسرنا الموت ولا الوجع ولا التعب ولا النزوح، وإحنا قادرين نصنع معجزات من وسط الظلام والخوف»

تقول نسرين إن دافعها الأساسي لصناعة المحتوى كان رغبتها في أن يعرف العالم أطفال غزة بوصفهم بشراً لهم أسماء وأحلام وطموحات، وليسوا مجرد أرقام تتناقلها الأخبار.
وتوضح: «أول شيء بدي الناس تعرفه أننا مش مجرد أرقام، إحنا أسماء، إحنا آمال، إحنا أحلام وطموح، إحنا حياة ومستقبل. ما شفنا غير الموت والنزوح والجوع والخوف، وبدنا يعرفوا إننا زينا زيهم، زي أطفالهم وأولادهم، إحنا من لحم ودم».
وتضيف أن لكل شخص فقد حياته حكاية واسماً وقصة تستحق أن تُروى، وأنها تحاول من خلال مقاطعها نقل تفاصيل الحياة اليومية للأطفال والعائلات، بما تحمله من وجع وخوف، إلى جانب ما يتمسكون به من أمل.
وتقول إن رحلتها بدأت بمقطع عفوي صورته عندما شعرت أنها تريد الحديث عما تعيشه، من دون أن تتوقع أن ينتشر على نطاق واسع. لكن تفاعل الجمهور مع الفيديو، ثم انتشار مقاطع أخرى، فاجآها وجعلاها تدرك أن هناك من يريد الاستماع إلى أطفال غزة ورؤية حياتهم والتعرف إلى قصصهم.

«أول شيء بدي الناس تعرفه أننا مش مجرد أرقام، إحنا أسماء، إحنا آمال، إحنا أحلام وطموح، إحنا حياة ومستقبل»

وشعرت نسرين حينها أن صوتها أصبح مسموعاً، وأن عليها مسؤولية مواصلة الحديث عن واقع الأطفال واحتياجاتهم وأحلامهم.
وتقول: «بدأت صناعة المحتوى بالحرب، وكل شيء على صفحتي نابع من حياتنا. من ثلاث سنوات، حياتنا كانت خوفاً ونزوحاً ووجعاً وألماً وجوعاً، لكن كنت دائماً أحاول أزرع الأمل وأبتسم، عشان أعطي اللي قدامي طاقة يصبر ويحاول يحلم بيوم أفضل وواقع أجمل من اللي إحنا عايشينه».

«ما شفنا غير الموت والنزوح والجوع والخوف، وبدنا يعرفوا إننا زينا زيهم، زي أطفالهم وأولادهم، إحنا من لحم ودم»

كاميرا الخوف

ولم تكن عملية التصوير بالنسبة إلى نسرين مهمة سهلة، إذ كانت تحاول توثيق اللحظات وسط القصف وتحليق الطائرات، فيما لم تكن تعرف إن كانت ستتمكن من إكمال التصوير، أم ستضطر إلى الهرب بحثاً عن الأمان.
وتستعيد بعض اللحظات التي بقيت عالقة في ذاكرتها، قائلة إن كثيراً من المرات كانت تمسك الكاميرا لتوثيق مشاهد تحمل الأمل، ثم يفاجئها القصف بالقرب منها، فتغلق الكاميرا وتهرع إلى حضن والدها ووالدتها، قبل أن تجلس وتبكي من شدة الخوف.
وتشير إلى أن الحرب أثرت في جميع جوانب حياتها، بما فيها قدرتها على صناعة المحتوى ونشره. فالحصول على اتصال بالإنترنت كان يتطلب قطع مسافات طويلة، وقد تنتظر ساعة كاملة حتى تتمكن من تحميل مقطع واحد بسبب بطء الشبكة.
أما الكهرباء، فكانت عائقاً آخر، خصوصاً في الليل، حين لا تتوفر الإضاءة أو تكون بطارية الهاتف فارغة ولا تجد وسيلة لشحنه.
وتقول نسرين إن أصعب ما في التجربة أن تحاول توثيق معاناة الناس بينما تعيش المعاناة نفسها، مضيفة: «كيف بدي أصور وأنا جوعانة، وكيف بدي أصور وأنا خايفة، وكيف بدي أصور وأنا أحس إن البيت هينزل على راسي؟».
كما تستحضر لحظة اضطرارها إلى مغادرة منزلها تحت تهديد القصف، حين أُبلغت العائلة بأن أمامها خمس دقائق فقط، فخرجت خلال دقيقة واحدة وهي تشعر بالرعب والخوف.
ورغم هذه الظروف، واصلت نسرين التصوير كلما استطاعت، محاولة أن تمنح قصص أطفال غزة مساحة تصل من خلالها إلى العالم.

«كيف بدي أصور وأنا جوعانة، وكيف بدي أصور وأنا خايفة، وكيف بدي أصور وأنا أحس إن البيت هينزل على راسي؟»

إلى العالمية

كان وصول نسرين إلى نهائيات جوائز صنّاع المحتوى الرقمي العالمية لعام 2026 لحظة استثنائية بالنسبة إليها. فلم تتمالك دموعها من شدة الفرح، ولم تنظر إلى التأهل بوصفه إنجازاً شخصياً فحسب، بل شعرت بأنه تقدير لجهدها ومعاناتها، ورسالة تؤكد أن ما وثقته لم يمر من دون أن يراه أحد.
وتقول: «أكيد فرحت كثير، ووصلت لمرحلة حسيت فيها إن الجائزة مش لنسرين بس. صحيح الجائزة باسمي، لكن أنا حملت حلم أطفال غزة ووجعهم. حسيتها مكافأة لتعبي ووجعي، وحسيت كأن الناس بتحكيلي يا نسرين، إحنا شايفين وجعك وألمك، وشوفنا فيديوهاتك، وإنتِ مش بتمري علينا مرور الكرام، إنتِ في قلبنا وذاكرتنا ودعواتنا».
وترى نسرين أن وصولها إلى هذه المرحلة العالمية، رغم صغر سنها والظروف الصعبة التي تعيشها في غزة، يحمل معنى كبيراً، لأنه يؤكد أن صوتها وصل إلى أشخاص مستعدين للاستماع إلى ما تقوله.
وتؤكد أن لديها طموحاً بأن تصبح طبيبة أسنان.
وتوجه رسالتها إلى أطفال غزة قائلة: «ضلّكم احلموا وطاردوا أحلامكم، وضلّكم عيشوا بنفس الطموح. إياكم تتخلوا عن أي حلم، حتى لو كانت الظروف صعبة. إحنا أطفال غزة ما بكسرنا الموت ولا الوجع ولا التعب ولا النزوح، وإحنا قادرين نصنع معجزات من وسط الظلام والخوف. لا تتركوا طريقكم في تحقيق أحلامكم، ذات يوم حتوصلوا وتحققوا اللي بتتمنوه، لأنكم مش مجرد أطفال، أنتم معجزات على شكل أطفال».
وبينما لا تزال نسرين تعيش طفولتها في واقع مثقل بالفقد والمعاناة، تحاول أن تمنح الآخرين مساحة لرؤية غزة من خلال عيون أطفالها، وأن تقول للعالم إن وراء كل رقم اسماً، ووراء كل اسم حكاية، ووراء كل طفل حلماً يستحق أن يعيش من أجله.

«صحيح الجائزة باسمي، لكن أنا حملت حلم أطفال غزة ووجعهم. حسيتها مكافأة لتعبي ووجعي»



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *