عندما وقع الرئيس الأمريكي ورئيس الحكومة الإسرائيلي على مذكرة التفاهم في أيلول 2016، كانت مساهمة بحجم غير مسبوق تبلغ 38 مليار دولار توزع على عشر دفعات في عشر سنوات. قال الرئيس براك أوباما في حينه: “هذا أغلى التزام عسكري قدمته الولايات المتحدة على الإطلاق، وهو تعبير عن التزام أمريكا بأمن إسرائيل”.
رغم سعي نتنياهو إلى مساعدة منافسه الجمهوري في الانتخابات الأمريكية، ميت رومني، لكن أوباما سيخلد في كتب التاريخ (إذا لم يكن في ذاكرة الإسرائيليين) باعتباره من قدم لإسرائيل أكبر مساعدة عسكرية في تاريخها. هذا أظهر دعم الحزبين لإسرائيل. ترك أوباما منصبه منذ ذلك الحين، ونجح نتنياهو وحده في تقويض الدعم الشعبي الذي كانت تتمتع به إسرائيل في الولايات المتحدة، بدءاً من اليسار، ثم اليمين. هو ساحر وبحق.
لا يتفاجأ أحد من إعلان ترامب عن إلغاء المساعدة. ففي الحركة الشعبوية التي يقودها، القاعدة الشعبية تعارض إرسال حتى دولار واحد لدولة أجنبية. وعندما لمح نتنياهو للفكرة، كان في الحقيقة يحاول استباق ضربة لسمعته. كانت المؤشرات واضحة. ومع ذلك، من المهم معرفة أن إنهاء إرسال السلاح بالمجان ليس نهاية المطاف. ربما تكون أولى خطوات واشنطن.
من المهم معرفة أن إنهاء إرسال السلاح بالمجان ليس نهاية المطاف، ربما تكون أولى خطوات واشنطن
“صوت المواطنون الأمريكيون أمس في انتخابات التجديد النصفي. سينتخبون الـ 435 عضواً في مجلس النواب، إضافة إلى 35 عضواً من أصل 100 عضو في مجلس الشيوخ. في العادة، يخسر الحزب الحاكم في البيت الأبيض في انتخابات التجديد النصفي، التي تعتبر بمثابة استفتاء على أداء الرئيس. في 3 كانون الثاني، سيؤدي الكونغرس الجديد اليمين بأغلبية ديمقراطية في مجلس النواب، وربما أيضاً في مجلس الشيوخ. إذا كانت الاستطلاعات صحيحة فستكون الأغلبية الديمقراطية في المجلسين كبيرة جداً، ما سيمكنها من اتخاذ قرارات حاسمة.
أظهر استطلاع أجرته “غالوب” في شباط الماضي، أن ناخبي الحزب الديمقراطي يعارضون المساعدة الأمنية لإسرائيل بنسبة ساحقة تبلغ 63 في المئة. في المقابل، أيد 71 في المئة من ناخبي الحزب الجمهوري هذه المساعدة. ومع ذلك، عند فحص الفجوة بين الأجيال يتبين أن تأييد المساعدة انخفض إلى 48 في المئة في أوساط الجمهوريين الشباب من جيل الألفية الذين تتراوح أعمارهم بين 14 – 25. هذا الرقم هو الذي يقلق نائب الرئيس جي دي فانس، الذي يعول على الشباب في ترشحه في انتخابات 2028.
وقد ازداد الوضع سوءاً منذ ذلك الحين. فبعد فترة قصيرة على نشر الاستطلاع في 28 شباط الماضي، دخلت القوات الأمريكية والقوات الإسرائيلية إلى حرب مع إيران. ورغم عدم وجود أي استطلاع جدي منذ ذلك الحين حول تأييد المساعدة الأمنية لإسرائيل، إلا أن استطلاعات كثيرة أظهرت تحولاً في الرأي العام في الحزبين فيما يتعلق بدعم إسرائيل.
لقد أصبح تشاك شومر، زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، استثناء في حزبه. فقد انتقد نتنياهو بسبب الحرب على غزة، وصرح أن “نتنياهو يفضل بقاءه السياسي على مصالح إسرائيل”. مع ذلك، في 3 كانون الثاني سيؤدي الكونغرس الجديد اليمين، ومن غير المؤكد أن يتمكن شومر من الاستمرار في منصبه ووظيفته في الوقت نفسه. يحتمل أن تكلفه إسرائيل منصبه بصفته زعيماً للحزب، وربما حتى تكلفه مقعده في مجلس الشيوخ في الانتخابات للرئاسة بعد سنتين.
يتوقع ألا يكتفي المشرعون في الحزب الديمقراطي، الذين يتوقع أن يتمتعوا بالأغلبية في مجلسي الكونغرس، بوقف المساعدة الأمنية لإسرائيل. فهم يطالبون بالفعل بفرض قيود على إرسال السلاح، وفي الضفة الغربية. ففي بداية 2024 دعت مجموعة تضم 17 سناتوراً و71 عضواً في الكونغرس إلى فرض عقوبات على وزراء في حكومة إسرائيل يدعمون العنف في الضفة الغربية، على رأسهم بن غفير وسموتريتش. واقترح آخرون رفض إعطاء تأشيرات دخول لأمريكا للمستوطنين العنيفين.
أظهر استطلاع أجرته “غالوب” في شباط الماضي، أن ناخبي الحزب الديمقراطي يعارضون المساعدة الأمنية لإسرائيل بنسبة ساحقة تبلغ 63 في المئة
في أيلول الماضي، بدأ أعضاء في الكونغرس بقيادة واكين كاسترو، التحدث عن الرغبة في تقديم اقتراحات بالكونغرس القادم، البارز منها مقاطعة الشركات الإسرائيلية التي تعمل في الضفة الغربية. وقد شارك السناتور كريس هولين شبكة “اكس” في مبادرات أوروبية لمقاطعة المستوطنات، وقال: “أخيراً، هناك دول أوروبية لا تكتفي بالإدانة، بل تطبق القانون الدولي. في حين يدين ترامب ذلك، يجب على الكونغرس التحرك”. سموتريتش وبن غفير ونتنياهو يمكن أن يتم تذكرهم كعرابي حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، (بي.دي.اس).
السباق للبيت الأبيض في 2028 يلوح في الأفق
إن قدرة الكونغرس على سن قوانين للضغط على إسرائيل، بل ومعاقبتها، محدودة عملياً ما دام ترامب في البيت الأبيض وتمتع بحق الفيتو. تعتبر انتخابات التجديد النصفي علامة فارقة، ليس بسبب الكونغرس الجديد فحسب، بل لأنها تشكل أيضاً بداية الانتخابات للرئاسة. وما دام ترامب غير شعبي، فإن الديمقراطيين يتفاءلون بالفوز في الانتخابات للرئاسة في 2028.
مع أنه يمكن التكهن، باحتمالية كبيرة، بمن سيمثل الديمقراطيين في أول مناظرة تلفزيونية في الانتخابات التمهيدية في الصيف القادم، فمن الخطأ التكهن بالفائز أو الخاسر في هذه المرحلة. فقبل انتخابات 2016 بسنتين، كان ترامب ما زال يقدم برنامج “المتدرب”، ومن شاهده وهو يقيل دنيس رودمان أو بوي جورج، ربما لم يكن يراهن على فوزه بالرئاسة.
مع ذلك، من المؤكد أن المرشحين سيتنافسون فيما بينهم حول من يملك القدرة على الضغط على حكومة إسرائيل لمنع المزيد من الحروب، والترويج لاتفاق مع الفلسطينيين. دائماً، قدم التقدميون مثل ساندرز والكسندريا أوكاسو – كورتيز وعبدول السيد، موقفاً واضحاً ومتسقاً لسنوات، لكنهم في الانتخابات القادمة سيتفقون مع معظم مرشحي الوسط – يسار.
يعتبر جون أوسوف، السناتور اليهودي عن ولاية جورجيا، النجم الأبرز في انتخابات أمس، وهو يصنف نفسه في تيار الوسط – يسار، بما يتناسب مع كونه ممثلاً لولاية متأرجحة تتطلب التحالف مع اليمين المعتدل. وقد وقع أيضاً على اقتراحات ساندرز في نيسان الماضي، لكنه في الوقت نفسه، أيد تمويل منظومات أمنية لإسرائيل. ويراهن أوسوف على أن هذا الموقف سيحصل على شعبية كبيرة إذا تحققت التوقعات وترشح للرئاسة في 2028.
ويوضح أوسوف أيضاً معارضته لبيع السلاح لإسرائيل، بالقول: “حماس، المنظمة الإرهابية الحقيرة، هي التي بدأت هذه الدوامة الفظيعة. لا أعتقد أن على مجلس الشيوخ الأمريكي قبول وضع المدنيين في غزة، بما في ذلك جوع الأطفال. هذا بسبب سياسة حكومة نتنياهو. إضافة إلى ذلك، سيجد هذا السلاح طريقه للشرطة التي تخضع لسيطرة بن غفير. ورغم معارضتي لنتنياهو وحربه على غزة، أعتقد أن على الولايات المتحدة دعم الشعب الإسرائيلي الذي يواجه تهديد الصواريخ”.
نتنئيل شلوموبيتس
هآرتس 4/11/2026