هل بقي شيء لم يفعلوه؟


يبدو حي الجلدة في الخليل في صباح اليوم التالي لانسحاب الجيش، أقرب إلى منطقة تحاول التعافي من آثار الحرب. في كل شارع تقريباً تعمل فرق على إزالة الأنقاض والدمار الذي خلفته المركبات الإسرائيلية. يقوم العمال بتنظيف الطرق من التراب، في حين يعتني آخرون بالحدائق المتضررة ويقوم السكان بإخراج الأثاث والأجهزة والمعدات التالفة من بيوتهم. يعود أصحاب المحلات التجارية إلى محلاتهم ومكاتبهم التي أغلقت لمدة 11 يوماً، ويحاولون تقييم الأضرار.

تتجول فرق أعلام أجنبية بين العمال والسكان لتوثيق ما تبقى، تكاد كل الأحاديث تعود إلى الأيام التي أصبح فيها الحي منطقة عسكرية مغلقة.

تسبب طول الإغلاق أيضاً بخسارة الدخل وتعطيل النشاط المهني وتلف المعدات التي يصعب استبدالها دائماً

على مدى 11 يوماً، سيطرت قوات الجيش على أجزاء من حي الجلدة والمناطق المحيطة به، بما في ذلك المباني السكنية والمراكز التجارية والمكاتب والمحلات التجارية. بدأ النشاط العسكري قبل حوالي أربعة أيام من الانتخابات بعد قتل جنديين وإصابة ثلاثة آخرين بإطلاق نار في منطقة الخليل. عقب الحادث، شن الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية في الأحياء التي كان يعيش فيها الإرهابيون – الجلدة ودير باحا – وهي من المناطق المكتظة بالسكان في الخليل. وقال السكان إنهم أجبروا على ترك بيوتهم بسرعة، وأحياناً دون أخذ الملابس أو الأدوية أو الوثائق الشخصية. تمركزت قوات الجيش الإسرائيلي داخل المباني السكنية والتجارية، واستخدمت بعض الشقق، حسب أقوال السكان، كنقاط مراقبة. أغلقت الشوارع أمام حركة السير، وتوقفت النشاطات التجارية، ووجدت عائلات بأكملها نفسها خارج بيوتها، لا تعرف متى ستتمكن من العودة إليها أو كيف ستجدها.

لكن حتى بعد انسحاب القوات، ما زال هذا الحادث بعيداً عن الانتهاء كما يرى كثير من السكان. في محادثات مع “هآرتس”، وصف أصحاب البيوت والشركات أضراراً كبيرة لحقت بممتلكاتهم، وتخريباً للأثاث والمعدات، واختفاء أجهزة الحواسيب والكاميرات والأجهزة الإلكترونية الثمينة. وأفاد كثير من السكان بشهادات قالوا فيها إنهم وجدوا آثار استخدام لممتلكاتهم الشخصية، بما في ذلك ملابس تم إخراجها من الخزائن، وفي بعض الحالات حتى ملابس داخلية نسائية.

وقال آخرون إنهم عثروا على بول في الخزائن وكمية كبيرة من الأوساخ وأشياء مرمية في البيت. وقال أحد السكان إنه عند عودته، عثر أيضاً على واقيات ذكرية في بيته. هذه الادعاءات الموجهة ضد الجنود الذين كانوا في المباني تضاف إلى شهادات الأضرار الاقتصادية الكبيرة التي لحقت بالشركات، حيث فقد بعضها معدات مهنية تقدر بعشرات آلاف الشواكل. ولم يصدر عن الجيش الإسرائيلي أي رد.

أضرار ثانوية

حسب شهادات السكان، من الواضح أن الأضرار لم تقتصر على الأضرار المادية. بالنسبة للعائلات التي أجبرت على ترك بيوتها، كانت هذه الأيام الـ 11 فترة عدم يقين، حيث توقف روتين حياتهم فجأة، تفرق بعض السكان في بيوت الأقارب والمعارف، في حين عجز أصحاب الأعمال عن الوصول إلى مكاتبهم. في حي تكثر فيه المكاتب والمحلات التجارية ومراكز الخدمات، تسبب طول الإغلاق أيضاً بخسارة الدخل وتعطيل النشاط المهني وتلف المعدات التي يصعب استبدالها دائماً. والآن، بعد فتح الشوارع، يحاول السكان استعادة الشعور بالأمان الذي فقدوه.

من بين هؤلاء السكان منذر مجاهد. في بداية العملية العسكرية، أجبر مجاهد على توديع زوجته وأولاده الصغار، بنت عمرها سنتان ورضيع عمره شهر. وحسب قوله، عندما وصل الجنود إلى المنطقة كان في مكان قريب ولم يتمكن من العودة إلى بيته. حاول الوصول إليهم من المدخل الخلفي، لكن الشوارع كانت مغلقة. اضطرت زوجته وأولاده إلى الإخلاء وحدهم دون أن يتوفر لهم الوقت لجمع المؤن الأساسية. لثلاث ساعات، لم يكن يعرف أين هم وماذا حدث لهم.

اجتمعت العائلة بعد ثلاث ساعات، ولكن مر 11 يوماً آخر حتى سمح لها بالعودة إلى بيتها. وحسب مجاهد، لم يتمكن أبناء العائلة من العودة إلى بيتهم طوال أسبوعين لأخذ الملابس والأدوية وبطاقات الهوية والأغراض الضرورية. واضطروا إلى الاعتماد على مساعدات الأقارب والجيران الذين وفروا لهم مكاناً للنوم وأغراضاً أساسية.

أخيراً، عندما عادوا إلى الجلدة، اكتشفوا التغيير الذي حدث في الحي أثناء غيابهم. قال مجاهد: “أصبت بالصدمة مما شاهدت. كنت أعرف عن وجود بعض الأضرار، لكني لم أتوقع حجمها، أصبت بالصدمة مما تركوه خلفهم. دمروا الأثاث والأغراض الشخصية واستخدموا أدواتنا أيضاً”.

كانت الأضرار التي لحقت بالممتلكات والتي شهد مجاهد على وجودها في بيته، واضحة أيضاً في المجمعات التجارية داخل الحي. وأفاد عبيدة مجاهد، وهو صاحب شركة إعلام تعمل في المنطقة، في شهادته وقال إن القوات استولت أيضاً على مبان تجارية مثل التي تستخدم كمكاتب للمحاماة وشركات إنتاج، التي كانت فيها معدات ثمينة. وحسب قوله، لم يتبين إلا بعد انسحاب الجنود أن الأضرار، إضافة إلى الأضرار الناتجة عن الإغلاق الطويل للنشاطات، لحقت أيضاً بالمعدات.

وأوضح عبيدة مجاهد، أن من بين الأغراض التي فقدت أجهزة حاسوب وكاميرات وأقراص أفلام فيديو وأجهزة إلكترونية، وأن التقدير الأولي للأضرار يقدر بعشرات آلاف الشواكل. وقال إن الخسائر في بعض الشركات قدرت بين 60 – 100 ألف شيكل. وإلى جانب تكلفة المعدات التقنية الثمينة التي فقدت، يواجه أصحاب الشركات الآن توقف المشاريع وتأخير العمل، فضلاً عن الحاجة إلى الاستثمار في الأجهزة التي كانت نشاطاتهم تعتمد عليها. لذلك، يقولون إن هذه الاضرار تتجاوز بكثير فترة الإغلاق التي استمرت 11 يوماً.

قال عبيدة مجاهد: “كان الحي كله محاصراً، لكنهم ركزوا على هذا المبنى”. وحسب قوله، حولت قوات الأمن المبنى الذي تقع فيه شركته إلى ثكنة عسكرية. “اقتحموا المبنى ودمروا ونهبوا الكثير من المعدات. طوقوا المنطقة المحيطة به لمسافة 2 كم تقريباً، ولم يخرج منها أو يدخل إليها أحد”. وأضاف “كل ذلك، إضافة إلى هدم مبان في الحي، كان فظيعاً، أنا مصدوم ولا أستوعب حتى الآن ما حدث”.

حتى عندما عاد سامر ناصر الدين، المصور وصاحب شركة إنتاج، إلى شركته بعد انسحاب القوات، وجدها مدمرة. إضافة إلى ذلك، اختفى أو تضرر الكثير من المعدات التي كانت لديه – كاميرات ثمينة وعدسات وبطاريات ومصابيح يدوية وغيرها من معدات الإضاءة. وقال إن المواد الخام والأرشيفات تضررت أيضاً. ولكن بالنسبة له، مثلما لكثيرين، لا تقتصر الأضرار على الجانب المادي فقط. “لسنوات، وقفت وراء الكاميرا ووثقت قصص الآخرين. أجبرتُ الآن على توثيق الدمار الذي لحق بي، في المكان الذي بنيته بنفسي”. ولكن رغم الضرر الكبير الذي ما زال حجمه قيد التقييم، فإن ناصر الدين ما زال مصمماً على إعادة بناء العمل واستئنافه. “هذه ضربة شديدة جداً، لكننا لم ننكسر، هم يريدون كسرنا نفسياً، لكن هذا غير ممكن”.

أما عائلة عدوان التي تقيم في الجلدة وفي دير باحا، فعادت إلى بيوتها واكتشفت الأضرار التي لم تقتصر على تحطيم الأبواب أو تخريب الأثاث. قال أحد أبناء العائلة إن أولاده الأربعة الذين أجبروا على ترك بيوتهم أثناء العملية العسكرية، وجدوا أن معظم محتويات البيوت قد تضررت. وقال أيضاً إن ممتلكات شخصية ثمينة تضررت أو فقدت. “ألعاب الأطفال، العطور، النقود، أبواب الشقق كانت محطمة ومحتوياتها مبعثرة، كل شيء تم تدميره”، قال.

إضافة إلى تدمير الممتلكات وسرقتها شهدت العائلة أن هناك سبباً آخر لعدم شعورها بالراحة عند العودة إلى بيتها. فقد أبلغ سكان المنطقة عن وجود أجسام مشبوهة، مثل مواد يشتبه بأنها مواد متفجرة في بعض البيوت. ويفسر هذا القلق الأمني في نهاية المطاف سبب اضطرار العائلات، حتى بعد انسحاب قوات الجيش، إلى التعامل مع ما خلفته وراءها.

ضياء حاج يحيى

هآرتس 4/11/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *