أهم موعد ثقافي سنوي في الجزائر… سياسيون يبحثون عن منافذ للتعبير في معرض الكتاب


الجزائرـ “القدس العربي”: بدا معرض الكتاب في الجزائر هذا العام مختلفا في الشكل والنبرة، فلم تقتصر أروقته على عرض الإصدارات الجديدة واستقطاب القراء، بل تحولت إلى فضاءات لعودة وجوه سياسية غابت عن المشهد العام، واختارت الكتاب مجددا منفذا للتواصل والتعبير عن أفكارها.

بين أجنحة دور النشر في قصر المعارض بالصنوبر البحري في الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، لا يقتصر المشهد على طوابير الزوار الباحثين عن الروايات والكتب التاريخية، أو العائلات التي تتنقل بين الرفوف بحثا عن عناوين لأبنائها تعينهم على الدراسة، فثمة أسماء حتما ستستوقف المارة حتى وإن لم يأتوا من أجلها، فهي توقظ فيهم الرغبة لاستئناف نقاشات سياسية وفكرية لم تغب تماما عن الحياة العامة.

ولعل من بين أبرز الأسماء التي استقطبت الانتباه في هذه الطبعة التاسعة والعشرين، الرئيس السابق للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية سعيد سعدي، الذي عاد إلى لقاء القراء من بوابة منشورات “فرانز فانون”، من خلال جلسة توقيع امتدت خمس ساعات ونصف، وشهدت إقبالا على الأجزاء الخمسة من مذكراته، سواء من قراء اقتنوا المجموعة كاملة أو ممن استغلوا المناسبة لاستكمال ما ينقص مكتباتهم منها.

ولم يكن حضور سعدي الذي اختار مغادرة الجزائر لنحو 7 سنوات قبل أن يقرر العودة هذا العام، مقتصرا على توقيع الكتب وتسليم النسخ، فقد تحولت اللقاءات القصيرة مع القراء إلى فرصة لطرح الأسئلة وإبداء الملاحظات والتعبير عن الانشغالات. وهي أحاديث وصفها بأنها كانت قصيرة، لكنها ثمينة، لأنها عكست، بحسبه، بعض ملامح المرحلة التي تعيشها البلاد.

وكان لافتا أن جلسة التوقيع لم تقتصر على القراء الذين جاؤوا خصيصا لاقتناء المذكرات، بل أتاحت لسعدي وهو أبرز المنظرين السياسيين للعلمانية، لقاء وجوه من الوسط الثقافي والإعلامي والنضالي، من بينهم الصحافي سعد بوعقبة، كما سمحت له بإجراء لقاءات تلفزيونية على قنوات محلية جزائرية بعد فترة انقطاع استمرت سنوات طويلة.

وعلى مقربة من هذه الأجواء، سجّل محسن بلعباس وهو خليفة سعيد سعدي على رأس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية حضوره بكتاب “الجزائر متعددة المعتقدات” عن منشورات “كوكو”، الذي اختار أن يطرح من خلاله سؤالا يتصل بأسس بناء الأمة الجزائرية، وكيفية التوفيق بين تعدد الذاكرة والقناعات والمرجعيات التي تتقاسم المجتمع.

ويضع بلعباس الذي لا يزال يواجه متاعب قضائية تحد من حركته، في مؤلفه مسألة تعدد مصادر الشرعية في صلب النقاش، من الثورة والدولة والدين والاقتراع الشعبي إلى الذاكرة المختلفة للتاريخ الوطني، معتبرا أن أيا من هذه المرجعيات يمكن أن يسهم في بناء الجماعة الوطنية، لكنه يتحول إلى مصدر انقسام عندما يدعي احتكار حق الحكم أو تحديد هوية البلاد وإقصاء الأصوات الأخرى.

أما الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري، فقد اختار بدوره المعرض للقاء القراء والتعريف بإصداراته، بعد فترة اقتصر فيها نشاطه على مواقع التواصل.

وتناول مقري وهو من أبرز الشخصيات الإسلامية في الجزائر وأكثر تأليفا، خلال هذه اللقاءات مؤلفاته التي تتوزع على قضايا الحضارة وشروط النهضة، من خلال سلسلة “عن الحضارة وتحدي العبور”، التي تضم “الحضارة في الفكر الإسلامي والفكر الغربي”، و”تأملات في شروط النهضة: مع مالك بن نبي”، و”شروط النهضة الخمسة”، إلى جانب مؤلفات أخرى ضمن سلسلة “مقال المقام”.

وبدا حضور مقري، الذي اختار أجنحة دور نشر مختلفة لعرض كتبه، امتدادا لنشاط فكري ظل يرافق تجربته السياسية، حيث أتاح له المعرض لقاء القراء والاستماع إلى آرائهم وتبادل الأفكار حول القضايا المعرفية التي تتناولها مؤلفاته.

ولا تعني هذه العودة المتزامنة لوجوه سياسية معروفة بالضرورة استئناف نشاط سياسي بالمعنى الحزبي، لكنها تكشف عن اختيار الكتاب بوصفه مساحة بديلة للتعبير واللقاء، خصوصا بالنسبة إلى شخصيات ابتعدت عن الظهور المنتظم في المشهد العام. فالكتاب هنا لا يكتفي بتوثيق تجربة أو تقديم أفكار، بل يصبح مناسبة لاستعادة صلة مباشرة مع الجمهور، بعيدا عن المنابر التقليدية.

عودة دور نشر بعد سنوات من المنع

ومن بين أكثر ما يستوقف المتجول في المعرض، عودة منشورات كوكو التي يقودها أرزقي آيت العربي إلى أروقة الصالون، بعد غياب فرض عليها منذ سنة 2023، شمل المعرض الدولي للكتاب والمعارض الجهوية. ويكتسب هذا الحضور دلالة خاصة بالنظر إلى الجدل الذي رافق إقصاء دار النشر خلال السنوات الثلاث الماضية، قبل أن تعلن إعادة إدماجها والمشاركة في الطبعة الحالية.

وبينما عادت الدار إلى جناحها، عادت معها عناوين تفتح ملفات التاريخ والسياسة والذاكرة، من بينها كتاب الباحثة في الأنثروبولوجيا تاسعديت ياسين “الوجه الخفي لجان الموهوب عمروش”، الذي يقدم مراسلات ووثائق غير منشورة تعود إلى الفترة بين 1943 و1962، وتجمع الشاعر والمثقف الجزائري جان الموهوب عمروش بشخصيات من بينها الجنرال شارل ديغول وفرحات عباس وكريم بلقاسم والكاتب فرانسوا مورياك.

كما احتضن جناح كوكو الباحث رؤوف فراح، المتخصص في القضايا الجيوسياسية ومنطقة الساحل والجريمة المنظمة، الذي عاد إلى التواصل مع القراء بعد محنة السجن التي تعرض لها قبل نحو سنتين، من خلال مشاركته في الكتاب الجماعي “الجزائر، المستقبل على المحك”، إلى جانب مؤلفين آخرين. واختار الباحث أن يلتقي القراء في الفاتح من نوفمبر، بالتزامن مع ذكرى اندلاع الثورة التحريرية، لمناقشة مستقبل البلاد وآفاقها.

ويرى علي بوخلاف مسؤول دار “تافات” الحاضرة بالمعرض أن عودة بعض دور النشر التي غابت عن طبعات سابقة، مثل “كوكو” و”فرانز فانون” و”تافات” تعكس رغبة السلطات في طي صفحة التضييق على الناشرين، وهو ما قد يفتح المجال أمام العديد من الكتّاب لاستئناف نشر أعمالهم.

ويقول في حديثه لـ “القدس العربي” إن عودة دور النشر الفرنسية، إلى جانب دور نشر من دول أخرى، تمثل مؤشرا إيجابيا على انفتاح القائمين على الصالون، مؤكداً أنه لا ينبغي إغلاق أبواب المعرض أمام كتاب أو لغة أو إيديولوجيا، باستثناء ما يدعو إلى العنف. ويشير كلام بوخلاف إلى دار غاليمار الفرنسية التي كانت قد منعت من الحضور العام الماضي بسبب تداعيات أزمة رواية “حوريات” للكاتب كمال داود وما أثارته من جدل وصل لأروقة القضاء.

 ذاكرة الثورة وفترة العشرية السوداء

وفي أروقة أخرى داخل مبنى “فلسطين” المدشن حديثا، تتقاطع السياسة مع التاريخ والذاكرة من زوايا مختلفة. ففي جناح دار الأمة، جلس الكاتب والوالي السابق بشير فريك مقدما الرئيس الراحل اليامين زروال، بعنوان “مسيرة وقدوة”، وهو كتاب يستعيد فيه محطات من حياة الرجل، بدءا من مشاركته في الثورة التحريرية، مرورا بمختلف المراحل السياسية التي عاشتها الجزائر بعد الاستقلال، وصولا إلى توليه رئاسة الدولة ثم رئاسة الجمهورية، واستقالته سنة 1998، قبل أن يتوقف عند الحراك الشعبي سنة 2019 ووفاته في 28 مارس 2026.

كما يلفت كتاب “اليوم الأربعون” للصحافي مراد شبين الانتباه إلى زاوية أخرى من الذاكرة الوطنية، من خلال استعادة الأيام الأخيرة من حياة الصحافي إسماعيل يفصح، الذي اغتيل في أكتوبر 1993. ولا يقدم المؤلف عمله باعتباره رواية أو مذكرات تقليدية، بل سردا شخصيا لأربعين يوما تداخلت فيها أحداث خاصة، بينها ولادة ابنته، مع اغتيال صديقه، واستحضار أجواء الصحافة والسياسة والعنف خلال تلك المرحلة.

ويستعيد الكتاب المنشور عن دار “خيال”، الفترة الممتدة من زفاف إسماعيل يفصح في 9 سبتمبر 1993 إلى اغتياله في 18 أكتوبر من السنة نفسها، مستندا إلى الذاكرة والتفاصيل الشخصية، وإلى أشياء ظلت حاضرة بعد عقود، من بينها قدّاحة الراحل التي احتفظ بها الكاتب وأصبحت مدخلا لاستعادة الحكاية.

وفي جناح منشورات الشهاب، يحضر أستاذ علم الاجتماع ناصر جابي بكتابه “حفريات في سوسيولوجيا النخب الوزارية الجزائرية”، الذي يطرح من خلاله رؤية تتجاوز السير الذاتية للوزراء إلى البحث في الأصول الاجتماعية والثقافية للنخب التي تعاقبت على الحكم منذ الاستقلال. ويستند العمل إلى 150 مقابلة مباشرة تغطي ثلاثة أجيال، بهدف الكشف عن آليات إعادة إنتاج النخب داخل السلطة، والطبقات الاجتماعية التي تمكن أبناؤها من الوصول إلى مواقع القرار.

أما الباحث محمد سعيد بوسعدية، الكاتب والعسكري السابق، فيقدم مؤلفه “المقدس في الدساتير العربية”، الذي يتناول حضور المرجعيات الدينية والهوياتية في النصوص الدستورية، وما تكشفه عن طبيعة الدولة ومصادر شرعيتها، من خلال مقاربة مقارنة تشمل دساتير دول عربية وإسلامية ونماذج من مناطق أخرى في العالم. وقد احتضن جناح أوكسجين للثقافة والفنون لقاء حول الكتاب، في إطار جلسات النقاش والتوقيع التي ترافق المعرض.

لكن الحضور الذي حمل بعدا خاصا من حيث الذاكرة والعاطفة، كان للمؤرخ الفرنسي المولود في الجزائر بنجامين ستورا، الذي استقطب اهتماما لافتا خلال مشاركته في هذه الطبعة. ولم يكن حضوره مقتصرا على تقديم مؤلف أو توقيع نسخ للقراء، بل ارتبط أيضا بمحطة تاريخية وإنسانية جمعت بينه وبين المجاهدة لويزة إيغيل أحريز والمجاهد رزقي، خلال تكريم احتضنته دار الحكمة، تقديرا لإسهاماتهم في حفظ الذاكرة التاريخية والنضال من أجل الجزائر.

وكانت لحظة تكريم المجاهدة خلال الثورة التحريرية لويزة إيغيل أحريز إلى جانب ستورا من المشاهد المؤثرة التي ميزت المعرض، بالنظر إلى ما تحمله من التقاء بين ذاكرة الثورة وشهادات من عايشوها، وبين مؤرخ كرس جزءا مهما من أعماله لدراسة الاستعمار الفرنسي وحرب التحرير الجزائرية.

وحضر ستورا أيضا بكتاب يستعيد من خلاله صورا ولقطات عالقة من الثورة الجزائرية، إلى جانب تقديم محاضرة تناولت مئوية تأسيس نجم شمال إفريقيا، التنظيم الذي ارتبط ببدايات تشكل الحركة الوطنية الجزائرية الحديثة. وقد أتاح هذا الحضور للزوار فرصة الاقتراب من أحد أبرز الباحثين الذين اشتغلوا على التاريخ الجزائري، وطرح أسئلة تتصل بمسارات الحركة الوطنية والثورة وعلاقة الذاكرة بالتاريخ.

وفي مشهد آخر، كان تجوال الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون بين أجنحة المعرض من اللقطات التي لفتت انتباه الزوار، لتتداخل بذلك الوجوه السياسية والثقافية في فضاء لا تحكمه المنابر الرسمية، بل حركة القراء والناشرين والكتاب. ولعل أبرز ما تكشفه هذه الطبعة هو أن الكتاب لا يزال قادرا على توفير مساحة للظهور والتواصل، فقد تحول المعرض لنافذة واسعة ومفتوحة لممارسة حرية التعبير التي قد لا يجدها السياسيون بهذا الاتساع في قنوات تقليدية أخرى.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *