صحافي آخر في السجون التونسية


في تدوينة ساخرة ومريرة، توجّهت إيثار ابنة الصحافي التونسي زياد الهاني، المحكوم عليه مؤخرا بالسجن، بجزيل الشكر إلى كل القضاة الذين تولوا مختلف مراحل التحقيق مع والدها “على اتقانهم للقانون ولمهنتهم الشريفة وعلى حمايتهم للمجتمع من إرهابيين خطيرين” مثل زياد الهاني والطبيب البروفيسور منذر الونيسي (المحكوم عليه في نفس القضية)، كما توجهت بالشكر إلى القضاة الذين أصدروا الحكم “في إطار حرب التحرير من الخونة والعملاء والإرهابيين” في البلاد. لم تنس البنت الشابة كذلك التقدم بجزيل الشكر إلى رئيس الدولة ووزيرة العدل على ما وصفته “العدل الذي ترفل فيه البلاد”.
هذه السخرية السوداء جاءت بعد أن حكم على والدها بأربع سنوات بتهم من بينها “تكوين وفاق إرهابي” و”عدم الإشعار بجريمة إرهابية” وكلها تتعلق بتسجيلات صوتية مسرَّبة نُسبت إلى الرئيس السابق بالنيابة لحركة النهضة، منذر الونيسي. استُدعي الصحافي في البداية بصفته شاهداً للتحقيق معه، بعدما تطرق إلى تلك التسجيلات خلال برنامج إذاعي ثم تحوّل إلى متهم. وكان الهاني، قد أوقف في قضية أخرى في إبريل/ نيسان الماضي، بعد تصريحات وجّه خلالها انتقادات لقضاة أدانوا “ظلماً”، وفق تعبيره، عدداً من الصحافيين، كما ثبّتت محكمة الاستئناف في يونيو/ حزيران عقوبة سجن لمدة سنة بحقه، إلى جانب الحكم الذي صدر ضده عام 2024 بالسجن مع وقف التنفيذ لمدة ستّة أشهر بعد دعوته إلى إقالة وزير التجارة السابق في برنامج إذاعي.
الحكم على الهاني، الذي يعاني من وضع صحي خطير، يأتي في وقت يقبع فيه ثلاثة من زملائه في السجن هم مراد الزغيدي وبرهان بسيّس ومحمد اليوسفي بتهم مختلفة، يراد لها أن تقدّم على أنها غير ذات علاقة لها بعملهم الصحافي، فيما يتّضح أن التهم الموجّهة إلى الهاني هي ذات صلة مباشرة بصميم عمله الصحافي.
في إحدى مقالاتي عن تونس وصفت الهاني بـ”الصحافي المعارض” فأرسل إليّ بكل لطف ليقول إنه صحافي فقط ليس أكثر، وإن المهنة بطبعها تقتضي التحري والسؤال والملاحظة والنقد وهذا كله يجب ألاّ يصنّف معارضة، بالمعنى السياسي المتداول، لأن بدونه تفقد المهنة جوهرها وقيمتها، وقد أصاب في ما ذهب إليه.

إذا‭ ‬كان‭ ‬الشعار‭ ‬المحبّب‭ ‬لدى‭ ‬الصحافيين‭ ‬ومنظماتهم‭ ‬هو‭ ‬أن‭ “‬الصحافة‭ ‬ليست‭ ‬جريمة‭”‬،‭ ‬فإنها‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬تتحوّل‭ ‬تدريجيا‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬وإن‭ ‬جاءت‭ ‬المحاكمات‭ ‬بلبوس‭ ‬آخر‭ ‬غير‭ ‬ممارستهم‭ ‬لعملهم‭ ‬الصحافي

وإذا كان الشعار المحبّب لدى الصحافيين ومنظماتهم هو أن “الصحافة ليست جريمة”، فإنها في تونس تتحوّل تدريجيا إلى ذلك، وإن جاءت المحاكمات بلبوس آخر غير ممارستهم لعملهم الصحافي. حوكم وسجن الهاني بسبب عمله الصحافي تحديدا وبلا مواربة، مع إلصاق تهمة “الإرهاب” به، وهو ما يذكّرنا بما تعرّض له مراسل قناة “الجزيرة” الشهير في كابول تيسير علّوني حين اعتبر مجرد اتصاله بشخصيات توصف بـ”الإرهابية” للحصول على معلومة أو مقابلة “تواطؤا مع الإرهاب وانخراطا فيه”.
وفي الوقت الذي أدانت فيه نقابة الصحافيين التونسيين الحكم الصادر بحق الهاني، ورأت فيه “تصعيداً جديداً” ضدّ الصحافيين وحرية الصحافة، وما وصفته بـ”المسار الكيدي” للقضية، وحذّرت من “توظيف القضاء للضغط على الصحافيين، وإسكات الأصوات الناقدة، وترهيب بقية الجسم الصحافي، فإن منظمات صحافية دولية عديدة من بينها “الاتحاد الدولي للصحافيين” في بروكسيل و”لجنة حماية الصحيين” في نيويورك و”مراسلون بلا حدود” في باريس أدانوا بدورهم هذا الحكم، فضلا عن منظمات دولية مرموقة مدافعة عن حقوق الإنسان مثل “منظمة العفو الدولية” في لندن.
عام 2011 احتلت تونس المرتبة 134 عالمياً في مؤشر حرية الصحافة لعام 2011–2012 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، محققة وقتها تقدماً بـ 30 مرتبة مقارنة بالعام الذي سبقه عقب ثورة 2011، لكنها اليوم تتراجع بسبب ما يجري فيها من تضييق وأحكام بالسجن. ومع ذلك، فإن ما كان يثار من ضجة دولية عن تونس بسبب تعاملها مع الصحافيين لم يعد بنفس الزخم السابق في سنوات سابقة، ففي عهد الرئيس الراحل زين العابدين بن علي سجن الصحافي توفيق بن بريك فأثار الحدث وقتها من التنديد والتعبئة ما يتجاوز تقريبا ما يجري الآن مع ثلاثة صحافيين نالوا أحكاما ثقيلة، فيما ينتظر رابعهم محمد اليوسفي ما يمكن أن تصدره المحكمة في شأنه وقد مر شهران على اعتقاله بتهمة “الإثراء غير المشروع” التي لم تقنع أحدا.
في عهد بن علي، الذي كان يوصف بالبوليسي، لم يكن الصحافي يخشى سجنه كما بات يخشاه اليوم. صحيح أن أغلب الصحافيين كانوا يعرفون جيدا وقتها الخطوط الحمر التي يجب التوقف عندها، لكن الخوف لم يكن قد تمكّن من مجمل الصحافيين تقريبا كما هو الحال هذه الأعوام القليلة الماضية بعد انتكاس التجربة الديمقراطية في البلاد. لقد وصلت الأمور الآن إلى حد محاولة الاطمئنان الدائم أن هذا الصحافي غادر البلاد دون التعرض إلى المنع في المطار، أو أنه عاد إلى البلاد في إجازة من إقامته في الخارج ولم يقع إيقافه، فيما فضّل آخرون عدم المجازفة أصلا بزيارة بلدهم وأهلهم لسنوات، حتى دون أن تكون ضدهم أحكام أو ملاحقات، لأن كل شيء بات ممكنا. هكذا…دون عقل ولا منطق ولا قانون!

 كاتب وإعلامي تونسي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *