صدر عن دار هايماركت كتاب «اثنا عشر يوماً هزّت الشرق الأوسط» للكاتب والأكاديمي الفلسطيني مروان بشارة، في 424 صفحة، بعنوان فرعي هو «جذور إبادة جماعية». يتناول الكتاب الخلفيات التاريخية والسياسية لأحداث السابع من أكتوبر 2023، ويربطها بمسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على مدى عقود، وصولاً إلى الحرب على غزة وتداعياتها الإقليمية.
يستهلّ بشارة كتابه بشهادات مراسلين غطّوا حروباً في أفغانستان والعراق وليبيا واليمن والبلقان وأوكرانيا، وينقل عن زملائه في قناة الجزيرة أنهم لم يشهدوا في تلك الحروب دماراً مماثلاً لما عاينوه في غزة. ويستند إلى تقرير لوكالة أسوشيتد برس يقارن حجم الدمار في القطاع، بعد شهرين من اندلاع الحرب، بما شهدته مدينتا حلب وماريوبول، وإلى دراسة ينسبها إلى جامعة براون تتناول أعداد الصحافيين الذين قُتلوا في غزة مقارنة بحروب سابقة. ويضيف إلى هذه المصادر ملاحظاته بوصفه متابعاً لتطورات الحرب منذ بدايتها.
ويتناول الكاتب تشبيهاً استخدمه بنيامين نتنياهو بعد أسابيع من هجوم السابع من أكتوبر لتبرير العمليات العسكرية الإسرائيلية، مستحضراً عملية «قرطاج» التي نفذتها القوات البريطانية في كوبنهاغن خلال الحرب العالمية الثانية، وأصابت خلالها مدرسة، ما أدى إلى مقتل 86 طفلاً. ويناقش بشارة دلالات المقارنة بين ألمانيا النازية وغزة، التي يصفها بأنها أكبر سجن مفتوح في العالم. كما يتوقف عند مقاطع مصورة نشرها جنود إسرائيليون تظهر عمليات قتل ونهب منازل، ويرى فيها تحولاً عن الصورة التي ارتبطت سابقاً بالجندي الإسرائيلي في مقولة «يطلق النار ويبكي»، ملخّصاً هذا التحول بعبارة: «قسوة صارت استعراضاً».
وفي الفصل الأول يعود إلى غزة عام 1994، في أيام أوسلو، حين كان يتردد في الأوساط الرسمية، أن فلسطين ستكون «سنغافورة على المتوسط». سفير المنظمة في واشنطن كان يقولها له بالعربية نصف مازح ونصف جاد، وشفيق الحوت، الذي استقال من اللجنة التنفيذية، قال لصحافي بريطاني إن عرفات ترك واشنطن وسط جماعة من المنافقين سيبنون له هونغ كونغ وسنغافورة على رمال غزة وتلال الضفة. وكان الواقع مختلفا: مستوطنات قليلة بحدائقها وبرك سباحتها على أخصب أرض غزة، وأكثر من مليون فلسطيني فقير في مخيمات هي الأكثر ازدحاما في العالم. ويعلق بجملة واحدة: «وسموا هذا سلاما!». ويرى أن الوساطة الأمريكية المنحازة أطلقت يد إسرائيل في التوسع حتى انتهى الفلسطينيون إلى جيوب معزولة تشبه بانتوستانات جنوب افريقيا، وهذا معنى عنوان القسم الأول: الكذبة الجميلة والحقيقة القبيحة. ومن هنا نصل إلى صباح السابع من أكتوبر.
في الفصل الثالث تنهار الجبهة الجنوبية قبل الظهر، وتخطئ الاستخبارات الإسرائيلية الإشارات، أو تسيء قراءتها. ويكتب بحذر أن هذا ربما كان ما تمنته حماس، لكنه ليس ما توقعته، وبهذه السهولة. ويضع الحدث في سياقه: فاعل غير دولة وجّه إلى إسرائيل ضربة لم تستطعها جيوش عربية نظامية منذ حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، حين عبر المصريون القناة وتجاوزوا خط بارليف. ويذكر أن رئيس الأركان السابق أفيف كوخافي قال قبل خمسة أشهر، إن ألوية الجيش صارت تعمل بجهاز استخبارات يشبه ما في فيلم «ماتريكس»، ثم يصف ما جرى بأنه إذلال لم يعرفه الإسرائيليون من قبل.
أما الأيام الاثنى عشر فيشرحها في المقدمة: هي المسافة بين خطاب نتنياهو الحربي في السابع من أكتوبر وخطاب بايدن من المكتب البيضاوي في التاسع عشر منه. في هذه الأيام تحددت وجهة إسرائيل والولايات المتحدة، وتشكلت لغة التبرير قبل أن تمتد الحرب إلى لبنان وإيران وسوريا.
الرقم عنده بلا دلالة رمزية، والكتاب تحقيق في الجذور، أما اليوميات فيكتبها غيره. وقد وزّع مادته على سبعة أقسام، من الاحتلال والفصل العنصري إلى حروب «الاثني عشر يوما» الثلاث في لبنان وسوريا وإيران، ومرّ في طريقه بالرد الإسرائيلي ودور واشنطن وكلفة الحرب الإنسانية. يصف بشارة هجوم حماس في السابع من أكتوبر بالوحشي، ثم يتوقف أكثر عند ردّ إسرائيل الذي يراه خارج أي تناسب معه. فبحلول مارس/آذار 2024، كما ينقل، كان تسعون في المئة من سكان غزة قد نزحوا، وأكثر من اثنين وتسعين في المئة من بيوتها قد تضرر، أو دُمّر، وسُوّيت أحياء كاملة بالأرض، ومعها المدارس والمخابز والعيادات والبنية المدنية كلها. ويكتب أن نتنياهو رفض ما عُرض عليه من تسوية، وأصرّ على حرب طويلة تنتهي بنصر حاسم على حماس، وبغزة غير صالحة للسكن. وفي وصفه لم تكن غزة ساحة قتال، بل منطقة إبادة، اختُزلت إلى رماد والعالم يشاهد.
يرتب بشارة الوقائع على خط زمني متصل، فيرى القارئ الصلة بين الأمس واليوم، ويقرأ السابع من أكتوبر نتيجة لمسار طويل بلغ ذروته. وتصف المقدمة ما جرى بعد ذلك، بأنه ثمرة مخطط مسبق، وتسنده شواهد معروفة: قرارات محكمة العدل الدولية، وتقرير لجنة التحقيق الأممية، ومذكرات المحكمة الجنائية الدولية، وكلام مسؤول أوروبي رفيع عن التجويع سلاحا.
يكتب مروان بشارة من موقع المتابع الفلسطيني للصراع، مستنداً إلى شهادات ووثائق يتيح للقارئ الرجوع إلى مصادرها عبر هوامش الكتاب. كما يستعين بتصريحات مسؤولين إسرائيليين وشهادات صحافيين، من بينهم رافيف دروكر، لتقديم زوايا متعددة لفهم الحرب. وفي الأقسام الأخيرة، يتناول تداعيات حرب غزة على جبهات لبنان وإيران وسوريا، رابطاً بينها وبين التحولات الإقليمية التي أعقبت السابع من أكتوبر. ويتوقف في مقدمته عند تصورين متقابلين: ثقة إسرائيل والولايات المتحدة بقدرتهما العسكرية على حسم الصراع، ورهان حماس على التضحية وسيلةً لتحقيق أهدافها. ومن خلال استحضار تجارب تاريخية سابقة، يخلص بشارة إلى أن التفوق العسكري لا يضمن حسم الصراعات الممتدة، خصوصاً حين ترتبط بقضايا الأرض والهوية وتقرير المصير.
تتجلى أهمية الكتاب في محاولته ربط وقائع الحرب بسياقها التاريخي والسياسي، وفي توجهه إلى القارئ الناطق بالإنكليزية، فخاطب القارئ الذي لا تصله الرواية من هذا الموقع، ولا يكتفي بترتيب أيام الحرب الأولى، وإنما يتتبع جذورها من أوسلو إلى حروب الإقليم فيقدم مادة توثيقية وتحليلية تساعد القارئ على فهم جذور الحرب وتداعياتها.
ومن باب القراءة البنّاءة، تبدو بعض المساحات جديرة بمزيد من البسط. تجمع الأقسام الأخيرة جبهات لبنان وإيران وسوريا في تحول واحد، ولكل منها تاريخها وأسبابها، وسوريا تحمل من أسباب انهيارها ما يسبق أكتوبر بسنوات، وقارئ يتمنى لو أُفرد لها حيزا أوسع. وما تطرحه المقدمة عن المخطط المسبق حكم على النوايا، وتتضاعف قيمته كلما أسند الكتاب بوثائق وتصريحات تتتبعها الفصول، ويتتبعها القارئ بنفسه، ولعل هذا ما يجعل الكتاب بداية نقاش أكثر منه كلمة أخيرة.
يقدم كتاب «اثنا عشر يوماً هزّت الشرق الأوسط» قراءة توثيقية وتحليلية لأحداث السابع من أكتوبر والحرب التي أعقبتها، واضعاً إياها في سياق تاريخي يمتد من اتفاقيات أوسلو إلى التحولات الإقليمية الأخيرة. ولا تكمن أهميته في استعادة الوقائع وحدها، بل في محاولة الربط بينها والكشف عن المسارات السياسية التي أسهمت في تشكيلها. ومع ما تثيره بعض استنتاجات المؤلف من أسئلة تستحق مزيداً من النقاش والتوثيق، يفتح الكتاب مجالاً لإعادة النظر في جذور الصراع وتداعياته، وفي مستقبل منطقة لا تزال تعيش آثار هذه الحرب.
كاتب يمني