الجزائر ـ “القدس العربي”: يفتح فشل مجلس الأمن الدولي في تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية “مينورسو”، مرحلة جديدة من التعقيد في مسار القضية الصحراوية، وسط خلاف بشأن مستقبل البعثة وحدود استمرار تدخل المنظمة الأممية في النزاع.
وفي قراءتين للتطورات الأخيرة، قدم الدبلوماسيان الجزائريان المطلعان على ملف الصحراء الغربية، عمار بلاني، الأمين العام السابق لوزارة الشؤون الخارجية، وعبد العزيز رحابي، السفير الجزائري السابق في إسبانيا، مقاربتين لمآلات الوضع القانوني والسياسي للقضية الصحراوية، ركزتا على تداعيات إخفاق التمديد، وموقف القوى الكبرى، ومستقبل دور “المينورسو” ومجلس الأمن في النزاع.
ويرى عمار بلاني في مقال له على صفحته الرسمية على فيسبوك، أن إخفاق مشروعي القرارين لا يمكن اعتباره قرارا صادرا عن مجلس الأمن بإنهاء انخراطه في ملف الصحراء الغربية، رغم ما ترتب عنه من انتهاء الولاية التشغيلية للمينورسو. ويضع الدبلوماسي الجزائري النقاش في إطار النطاق القانوني للقرار 2797 الصادر سنة 2025، باعتباره آخر قرار جوهري اعتمده مجلس الأمن بشأن القضية.
وفي هذا السياق، يلفت بلاني إلى أن القرار المذكور أبقى على ضمانات أساسية للشعب الصحراوي، من خلال إعادة التأكيد صراحة على حقه في تقرير المصير، والدعوة إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي مقبول من الطرفين، إلى جانب مطالبة الطرفين بالمشاركة في المفاوضات دون شروط مسبقة، دون إلزام جبهة البوليساريو بقبول نتائجها مسبقا.
كما يشير إلى أن القرار أبقى جبهة البوليساريو طرفا مشاركا في العملية السياسية، وأعاد التأكيد على قرارات مجلس الأمن السابقة، بما يحافظ على الإطار الأممي القائم بشأن قضية الصحراء الغربية. ويؤكد أن هذه الأحكام لا تتضمن أي بند يتعلق بانتهاء صلاحيتها، وبالتالي لا يمكن اعتبار تطبيقها منتهيا تلقائيا بسبب عدم تجديد ولاية المينورسو، خاصة أن الفقرة السادسة تنص على احتفاظ مجلس الأمن بنظر القضية.
ويُبرز هذا التمييز، بحسب بلاني، حدود التأويل المغربي لقرار عدم التمديد، خاصة ما ورد في بيان الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر، الذي اعتبر أن عدم تجديد ولاية المينورسو ينبغي أن يقود إلى إنهاء نظر مجلس الأمن في القضية وسحب الملف من جدول أعماله، وأن العملية السياسية الأممية تتوقف. ويؤكد الدبلوماسي أن المغرب لا يملك صلاحية إنهاء نظر مجلس الأمن في القضية من جانب واحد، ولا يستطيع إلغاء أحكام قرار صادر عن المجلس، باعتبار أن أي تطور من هذا النوع يخضع للإجراءات والقرارات الخاصة بأجهزة الأمم المتحدة المختصة.
ويفصل بلاني بين مستقبل البعثة الأممية واستمرار الأساس القانوني لعملية تصفية الاستعمار، مذكرا بأن الصحراء الغربية مدرجة منذ عام 1963 ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وأن وضعها يستند إلى الفصل الحادي عشر من ميثاق الأمم المتحدة، ومبادئ قراري الجمعية العامة 1514 و1541، فضلا عن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 16 أكتوبر 1975.
ويشدد في هذا الإطار على أن المحكمة لم تقرر وجود أي رابطة سيادة إقليمية بين المغرب والصحراء الغربية من شأنها أن تحول دون تطبيق مبدأ تقرير المصير، معتبرا أن انتهاء ولاية المينورسو وإخفاق مشروعي القرار لا يغيران هذه الأسس القانونية، وأن مسؤولية الأمم المتحدة عن عملية تصفية الاستعمار لا تزال كاملة ولا تتوقف على وجود البعثة ميدانيا.
ويستند بلاني في هذا الموقف أيضا إلى بيان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الصادر في الأول من نوفمبر الجاري، والذي أكد فيه أن انتهاء ولاية المينورسو لا يلغي الحق غير القابل للتصرف للشعب الصحراوي في تقرير المصير.
قراءة رحابي
من جانبه، يشدد عبد العزيز رحابي على أن عدم تجديد ولاية المينورسو في الظروف التي شهدها مجلس الأمن لا يمثل نتيجة لعملية إنهاء الاستعمار، بل هو، على العكس من ذلك، فشل للمجلس في مهام حفظ السلام التي أوكلت إليه.
وبشأن مستقبل البعثة، يرفض رحابي في تدوينة له على صفحته الرسمية، اختزال دورها في هيئة مؤقتة أو جهة تشرف على نقل السيادة من الشعب الصحراوي إلى القوة المحتلة، مؤكدا أنها لن تغادر الصحراء الغربية ولن يتم طردها منها من قبل المغرب، الذي يقول إنه لا يملك أي سيادة على تلك الأراضي. كما يدعو إلى مواصلة إشرافها على احترام وقف إطلاق النار لعام 1991 وحماية المدنيين الصحراويين.
وفي ما يتعلق بالمسار الأممي المقبل، يرجح رحابي أن تشهد الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تتساوى فيها الدول الأعضاء، نقاشا بشأن القضية الصحراوية عقب استخدام روسيا حق النقض، معتبرا أن ذلك من شأنه أن يمنحها بعدا أكثر توافقا مع تمسك المجتمع الدولي بقيم السلام والعدالة.
دلالات التصويت
وفي جزء آخر من تحليله، ركز وزير الإعلام والثقافة الجزائري السابق على دلالات الموقف الروسي، الذي استخدم حق النقض ضد مشروع القرار، بعد امتناع عن التصويت خلال السنوات الثماني الماضية، معتبرا أن ذلك يوضح حدود صبر موسكو إزاء استمرار الانفرادية الأمريكية ومحاولة فرض الإرادة بالقوة، فضلا عن رفضها تحويل دور الدولة حاملة القلم في مجلس الأمن إلى امتياز دون مسؤولية.
ويرى رحابي أن مسؤولية صياغة مشاريع القرارات تستوجب كسب ثقة الطرف الآخر، أي جبهة البوليساريو، والدولتين الجارتين المراقبتين، الجزائر وموريتانيا، مستحضرا في هذا السياق ما أشار إليه السفير الجزائري عمار بن جامع.
ويعتبر الدبلوماسي الجزائري السابق أن الموقف الروسي يرتبط أيضا بتاريخ موسكو في دعم النضالات ضد الاستعمار في إفريقيا، وبامتلاكها رؤية استراتيجية تتجاوز الإطار الضيق لمجلس الأمن، مشيرا إلى أن العقيدة الدبلوماسية تستمد قوتها من تاريخ الدول، وليس فقط من مصالحها المادية الحالية.
حذف حرف “R”
وفي قراءته لمضمون مشاريع القرارات الغربية، يلخص رحابي المطالب الرئيسية في ثلاثة محاور، تتمثل في اعتبار الحكم الذاتي المغربي الأساس الوحيد للتفاوض، وحذف حرف “R” الذي يشير إلى الاستفتاء من اختصار المينورسو (MINURSO)، وعدم اعتبار الصحراويين شعبا، بل لاجئين يتعين إيواؤهم.
ويعتبر أن هذه التوجهات كانت تهدف إلى تحويل مجلس الأمن إلى هيئة لإقرار الصفة القانونية الدولية للصحراء الغربية كجزء لا يتجزأ من المغرب، وإخراج القضية من عزلتها، ضمن تصور لمنطقة نفوذ غربية تمتد من الحدود بين ليبيا والنيجر إلى الساحل الأطلسي للصحراء الغربية.
وضمن هذه القراءة، قال إن “الولايات المتحدة تتولى استخدام مجلس الأمن كأداة، بينما ترسم إسرائيل البنية الأمنية المستقبلية لمنطقتنا، وتقوم الإمارات العربية المتحدة بتمويل العملية لأن الدولتين الأخيرتين لا تستطيعان القيام بذلك بسبب الرقابة الشعبية المفروضة في بلديهما على الخزينة العامة”. وانتهى إلى أنه “يمكن قراءة الإطار الجديد للتعاون العسكري بين الجزائر والنيجر على أنه إجراء وقائي أولي في مواجهة هذه الاستراتيجية التي تمثل تهديدًا مباشرًا للاستمرارية البشرية والعمق الاستراتيجي لبلدنا”.