ألف توفيق الحكيم مسرحية «السلطان الحائر» عام 1960، ولكي يستطيع أن يقول ما يود قوله، أخذ قلمه وأوراقه وارتحل بخياله إلى الماضي، واستقر في العصر المملوكي الذي كان ملاذاً آمناً للكتابة في تلك الفترة، ومن حسن الحظ أن الكاتب المصري عموماً يجد في تاريخ مصر متسعاً يتحرك فيه القلم، ويمّكنه من أن ينقل رسائل الحاضر ويبعثها عبر الماضي. تعد هذه المسرحية من أشهر مؤلفات توفيق الحكيم، والحق أن الغالبية العظمى من أعماله تحظى بشهرة واسعة، وبالقراءة المستمرة أيضاً على مر الأجيال المتعاقبة.
كان توفيق الحكيم يؤلف مسرحياته ويعدها للقراءة، التي كانت تأتي في المرتبة الأولى ثم يأتي التمثيل والتلقي من خلال الفرجة ثانياً، بالطبع لم يكن يرفض أن يرى مسرحياته مجسدة أمام الجمهور تنبض شخصياتها بالحياة، لكنه كان حريصاً على أن تصل كلماته كما كتبها إلى القارئ مباشرة، من دون أي تدخل أو تأثير آخر، وأن تكون محفوظة ومتاحة للجميع في كل زمان ومكان، بعيداً عن تقلبات التمثيل واضطراب أحوال المسرح وأطوار ضعفه وقوته، كما كان يهدف إلى أن يجعل المسرحية مقروءة كالقصة، وأن يجعل الجمهور المصري يطالع المسرحية مكتوبة مطبوعة على الورق، كما رأى الجمهور الفرنسي يفعل ذلك أثناء وجوده في فرنسا، وألا تظل علاقة المصري بالمسرح مقتصرة على فعل المشاهدة فقط، وهو الأمر الذي لا يتوفر للجميع بطبيعة الحال ولأسباب متعددة. ولعل مؤلفات توفيق الحكيم هي النصوص المسرحية الأولى، التي طالعها المصريون قديماً باللغة العربية، وتذوقوا من خلالها جماليات الدراما المكتوبة، وجاذبية الحوار الشيّق، المليء بالمعاني والأفكار التي تمتع العقول وتنشط الأذهان.
في قاهرة المماليك
منذ البداية يأخذنا توفيق الحكيم مباشرة إلى أحداث مسرحيته التي تقع في قلب القاهرة المملوكية، ونجد أنفسنا أمام العقدة الدرامية الأولى التي تؤدي إلى عقدة أخرى، بل إننا نكون أمام اللحظات الأخيرة من تلك العقدة، التي توشك على الحل المحزن بالضرورة، المفرح إن حدثت معجزة. في ساحة من ساحات القاهرة، عند تلك الحلكة الأشد ظلاماً التي تسبق الفجر، يدور الحوار بين الجلاد والمحكوم عليه الذي ينتظر تنفيذ حكم الإعدام وقطع رأسه عند أذان الفجر. تتضح أجواء المسرحية بشكل أكبر وتزداد خطورة، عندما نعرف أن جريمة المحكوم عليه كانت مجرد «كلمة» نطق بها، وأنه لم يحاكم ولم يمثل أمام قاضي القضاة، ولم تصل مظلمته إلى السلطان، وهل كانت تلك الكلمة كذباً؟ لا، كانت حقاً، لكنها ذاعت وانتشرت حتى وصلت إلى أسماع أهل الحكم.
ينتظر الجلاد المخمور سماع أذان الفجر ليؤدي مهمته، بينما يتمنى المحكوم عليه ألا يأتي الفجر أبداً، ويغلب الكثير من العبث على هذا الحوار، عبث يزيد من سوداوية الموقف وواقع الحال، فالجلاد المخمور يطلب من المحكوم عليه أن يرفع معنوياته: «إنه من اللازم لك أن تهيئ لي الراحة، وأن تدخل على قلبي البهجة، وأن ترفع من روحي المعنوية». ويحاول هذا الجلاد أن يقنع المحكوم عليه بأن ذلك يصب في مصلحته، لأنه عندئذ سيقطع رأسه سريعاً بشكل أفضل، وستكون لحظة الموت سهلة يسيرة، أما إذا كان متعباً متوتر الأعصاب، فلن يقطع رقبته قطعاً حسناً. يمضي المحكوم عليه هذا الوقت العصيب في صحبة الجلاد المخمور الباحث عن البهجة، إلى أن تظهر الخادمة ثم سيدتها الغانية التي تنقذ المحكوم عليه من الموت.
أما الجريمة التي استوجبت عقوبة الإعدام، فكانت أن المحكوم عليه قال، إن السلطان عبد شركسي لم يعتق، وإنه هو النخاس الذي باعه للسلطان السابق عندما كان طفلاً، وقبض ثمنه ألف دينار، ولأنه كان يتمتع بالذكاء الشديد حظي بالاهتمام وحسن التنشئة في قصر السلطان حتى بات رجله الأول. وكان لا بد أن يعتق قبل جلوسه على العرش، لكن السلطان السابق مات قبل أن يحرر وثيقة العتق، لم يقصد النخاس أن يسيء إلى السلطان، فالسلطان السابق كان عبداً هو الآخر، وكل السلاطين المماليك كانوا كذلك، لكن السلطان المملوك كان يعتق عادة قبل أن يتولى حكم البلاد. هكذا تنتقل المسرحية إلى معضلة قانونية وشرعية، يتفنن الحكيم في وصف دقائقها وبيروقراطيتها وتعقيداتها الإدارية بشكل متقن، يذكرنا بخلفيته القانونية وعمله في النيابة، فالسلطان لم يعتق حتى الآن، ولا يجوز للعبد أن يحكم شعباً حراً، لا يصدق السلطان أنه لم يعتق بعد، وأنه لا يزال عبداً، ويظن أن السلطان السابق وقع وثيقة عتقه، ويأمر قاضي القضاة بالبحث عنها، فيخبره بأنه لا وجود لوثيقة كهذه، أما الوزير فيقول: «ليس من الضروري لمن يحكم أن يحمل في يديه الوثائق والحجج، لدينا أروع مثل وأقواه في الأسرة الفاطمية، وكلنا يذكر ما فعل المعز لدين الله الفاطمي، يوم جاء يزعم أنه من نسل رسول الله، وأنه بهذا النسب له حق الحكم في أرض مصر، فلما لم يصدقه الناس، قام فيهم شاهراً سيفه».
يتباحث السلطان والقاضي والوزير تلك المعضلة ومسألة شرعية الحكم، ويقرر القاضي أن السلطان الحالي يعد من متاع السلطان الراحل، الذي توفي عن غير وريث، لذا يجب أن يباع في المزاد وأن يذهب ثمنه إلى بيت المال، وعلى من يشتريه أن يوقع وثيقة العتق مع وثيقة الشراء، ويكون بذلك قد أدى خدمة للوطن، فالمشتري لن يحتفظ بما اشتراه ولن ينتفع به. يضع القاضي القانون أمام السلطان ويتشبث به، أما الوزير فيضع أمامه السيف ويعلن عن استعداده لإنهاء الأمر فوراً، ثم ينتهي الفصل الأول وقد حسم السلطان قراره واختار القانون.
يبدأ الفصل الثاني بحوار بين الخمار والإسكافي، فيه الكثير من السخرية حول بيع السلطان في المزاد وجدوى شرائه، حيث يراه الإسكافي صفقة خاسرة لا فائدة منها ولا مكسب. يقام المزاد ويقال للناس: «إنكم تحضرون اليوم حدثاً فذاً ضخماً، من أخطر الأحداث في تاريخنا، سلطان مجيد يطلب حريته، فيلجأ إلى شعبه، بدلاً من أن يلجأ إلى سيفه». يوقع المشتري الذي دفع ثلاثين ألف دينار وثيقة الشراء، لكنه يرفض أن يوقع وثيقة العتق، لأنه وكيل عن شخص آخر موكل بالشراء فقط، نكتشف بعد ذلك أن الغانية هي من قامت بشراء السلطان، وتشترط أن يقضي ليلة في بيتها وتعد بأن تعتقه عند سماع أذان الفجر. أخذ الناس ينتظرون مصير السلطان، ويتراهنون في ما بينهم، هل ستفي الغانية بالوعد أم ستخلفه، أما الوزير فأمر الجلاد بأن يقطع رأس الغانية على الفور إن لم تعتق السلطان عند أذان الفجر، ويرى أن يلفق لها جريمة كبرى تجلب السخط العام من الشعب كله، ليبارك الجميع عملية إعدامها، سيقول إنها جاسوسة تعمل لحساب المغول، وسيأمر الجلاد بالبدء في إعداد الشهود.
في بيت الغانية يجلس السلطان منتظراً الفجر، تعتني به الغانية وترفه عنه وتروي له حكايتها وأنها ليست غانية بالمفهوم السائد وكما يشاع عنها، وإنما هي جارية محررة اعتادت مجالس الفن والأدب، وأنها تفتح بيتها للرجال لهذا الغرض لا لشيء آخر. ثم تطلب منه أن يحكي لها حكايته أيضاً، وكل ما لديه من قصص رائعة ممتعة، فيرى أنها تحوله إلى شهرزاد، التي كان عليها أن تحكي القصص طوال الليل، بينما تنتظر الفجر الذي سيقرر مصيرها، فتطمئنه الغانية بأنه السلطان دائماً، وأنها هي شهرزاد الجالسة عند قدميه، وعليها أن تدخل الانشراح في صدره، والفرح والبهجة في قلبه، وأن تعالج قلقه ومخاوفه، فترقص له رقصة جميلة لم ترقص مثلها من قبل.
حيرة لا تطول
السلطان الوديع الحالم المنحاز للقانون الخاضع للديمقراطية، هو أضعف الشخصيات في المسرحية من الناحية الدرامية، لكن القارئ يدرك جيداً أن هذه كتابة تسير في مساحة ضيقة بين خطين من النيران، وفي تلك المساحة الضيقة يتحرك القلم بحذر شديد، متوخياً الحفاظ على الأعناق والرؤوس، وهي رغم ذلك كتابة تقول الكثير ونفهم منها الكثير. لا يبدو السلطان حائراً أو لا يحار طويلاً، فهو ينحاز للديمقراطية في أسرع وقت، من دون منطق أو توجه فكري واضح، لذا لا يرتبط القارئ بشخصية السلطان، وربما لا يتوقف أمامها متأملاً. فالشخصية باهتة إلى حد كبير، مثالية بشكل مصطنع أو بقرار من الكاتب لم يهيئ له الأسباب، لا تعرف تردداً أو أي معاناة فكرية ونفسية، ولا نعرف لها طابعاً يميزها وإطاراً يحدد ملامحها، فالقاضي على سبيل المثال، يتمسك بالقانون في أغلب الأحيان، لكنه يتخلى عنه في الوقت المناسب، بينما يبدو الوزير أكثر تمسكاً بأفكاره وأشد تشبثاً بمبادئه، حيث يؤمن بالقوة على طول الخط، ويراها الحل الأمثل لجميع المشكلات، للقاضي منطقه إذن، وللوزير منطقه، أما السلطان فلا منطق له. ولا نتحدث هنا عن الارتباط أو التأثر العاطفي بالشخصية، الذي لم يكن الحكيم يسعى إليه عادة، وإنما نتحدث عن التأثير الفكري لتلك الشخصية، كما لو أن الحكيم وضع متعمداً حاجزاً زجاجياً يفصل بين القارئ وشخصية السلطان. حتى الكلمات المؤثرة الموحية، والعبارات المليئة بالأفكار والدلالات، نجدها تأتي على لسان الوزير والقاضي، وكذلك الجلاد والمحكوم عليه أو النخاس.
على مدى فصول المسرحية يناقش توفيق الحكيم بشكل أو بآخر مسألة الحكم وشرعيته، وفي النهاية يجعل السلطان يستمد شرعيته من فرد من أفراد الشعب، أو فرد يمثل الشعب بأكمله، وإن كان هذا الفرد امرأة غانية. يتحقق شرط العتق ويصير السلطان حراً صالحاً للحكم، لكن تلك الشرعية التي يحصل عليها أراد لها الحكيم أن تظل معيبة منقوصة، لأنها تمت عن طريق الخديعة والإجبار أو التنازل عن الحق. وذلك عندما أمر القاضي المؤذن بأن يؤذن لصلاة الفجر عند منتصف الليل، وقرر ألا يترك مصير السلطان وحكم البلاد معلقاً في يد غانية قد تفي بعهدها وقد تنقضه، فأنهى تلك اللعبة التي بدأها هو، وأصر عليها، لعبة الديمقراطية والشرعية والقانون. في البداية اعترضت الغانية وقالت إن الفجر لم يأت بعد وإن الليل لا يزال في منتصفه، فسألها القاضي إن كانت سمعت الأذان أم لا، وقال إن شرط العتق هو سماع أذان الفجر لا مجيء الفجر. يعترض السلطان وينحاز إلى القانون كالعادة، ويعيب على القاضي هذا التحايل، ثم تدافع الغانية عن القاضي وتبرر فعله وتقول إنه يريد أن ينقذ السلطان، وعليها أن تنقذ السلطان أيضاً وألا تكون أقل وطنية من القاضي، فترضخ الغانية وتشارك في انهاء لعبة الديمقراطية والقانون، ويكون ذلك تضحية وفداء، وعملاً جليلاً تؤديه للوطن، ويهديها السلطان ياقوتة عمامته.
الفجر عنصر يتم توظيفه أكثر من مرة في فصول هذه المسرحية، والحق أنه من أكثر عناصر المسرحية إثارة، عنده تتحدد المصائر ويتم التلاعب به وفق الأهواء والسلطات، إلى درجة أن يصير شيئاً لا يمكن الوثوق به أو التيقن منه، فقد يسمع الناس أذان الفجر بينما هم في منتصف الليل، وربما يأتي الفجر من دون أن يؤذن للصلاة، والمؤذن مغلوب على أمره دائماً حتى همس لنفسه قائلاً: «لقد احترت مع هذا الفجر، مرة يطلب مني تأخيره، ومرة يطلب مني تقديمه». فالفجر لا يأتي طبيعياً، كمستقبل متلاعب به مشكوك في أمره، فجر يتعرض للعبث والاستباحة طوال الوقت، فجر كاذب يأتي بالزيف أو بالمزيد من الظلمة.
مروة صلاح متولي
كاتبة مصرية