بعد شغب فرانكفورت… تلويح بمنع احتجاجات “جيل زد” المقبلة وخلاف حكومي حول اتهام المهاجرين


برلين- “القدس العربي”: دخلت الاحتجاجات الشبابية في ألمانيا مرحلة جديدة، الإثنين، بعدما لوّحت السلطات في ولاية هيسن بإمكانية منع المظاهرات المقررة في 20 نوفمبر/تشرين الثاني، على خلفية أعمال العنف التي شهدتها فرانكفورت نهاية الأسبوع. وفي الوقت نفسه، اتسع الخلاف داخل الحكومة الاتحادية بشأن تحميل مجموعات من أصول مهاجرة مسؤولية الشغب، بينما كشفت التحقيقات الأولية للشرطة أن غالبية الموقوفين يحملون الجنسية الألمانية، وأن بعض المتورطين في النهب لا تربطهم، وفق التقديرات الأمنية، دوافع سياسية واضحة بالاحتجاجات.

ويضع هذا التطور الحكومة الألمانية أمام اختبار يتجاوز ملاحقة المسؤولين عن الاعتداءات على الشرطة وتخريب الممتلكات، ليشمل حدود الحق في التظاهر، ومسؤولية منظمي الاحتجاجات، وطريقة التعامل مع شباب من أصول مهاجرة يجدون أنفسهم مجدداً في قلب النقاش السياسي.

علم القراصنة.. لغة احتجاج جديدة؟

وبينما انشغل السياسيون الألمان بتحديد المسؤولين عن أعمال العنف وخلفياتهم، لفت رمز غير مألوف الأنظار وسط احتجاجات فرانكفورت: علم أسود يحمل جمجمة مبتسمة ترتدي قبعة من القش. ووفقاً لمجلة “دير شبيغل” الألمانية، فإن العلم مستوحى من سلسلة الرسوم اليابانية الشهيرة “ون بيس”، التي تحوّلت من مغامرات قراصنة يبحثون عن كنز أسطوري إلى قصة تتناول مواجهة الفساد والاستبداد والدفاع عن الحرية والمظلومين. ولم يظهر هذا العلم في ألمانيا وحدها، بل رفعه محتجون شباب في نيبال وإندونيسيا والفلبين وفرنسا، حتى بات أحد رموز الاحتجاج العابرة للحدود.

ولا يعني رفعه أن جميع المتظاهرين يتبنون المطالب نفسها، أو أن له صلة بأعمال الشغب، لكنه يكشف جانباً من التحول في الثقافة السياسية للأجيال الجديدة، التي باتت تستعير رموزها من عالم الرسوم المتحركة والمنصات الرقمية بدلاً من الاكتفاء بالشعارات الحزبية التقليدية. والمفارقة أن هذا الجيل الذي يبحث عن لغة جديدة للتعبير عن مطالبه، وجد نفسه بعد احتجاجات ألمانيا أمام نقاش سياسي تقليدي أعاد قضايا الهجرة والأمن إلى صدارة المشهد.

هل تُمنع المظاهرات المقبلة؟

أثار وزير داخلية ولاية هيسن، رومان بوزيك، جدلاً جديداً بعدما شكك في إمكانية السماح بتنظيم الاحتجاجات المقبلة بالشكل المعلن عنه، قائلاً إنه يتعين أولاً النظر فيما إذا كان من الممكن تنظيم المظاهرات المقررة في 20 نوفمبر أصلاً.

واتهم الوزير منظمي احتجاجات فرانكفورت بعدم القدرة على السيطرة على الأحداث، معتبراً أن الاعتداءات التي وقعت خلال المظاهرة وما أعقبها من أعمال شغب تستدعي إعادة تقييم التعامل الأمني مع مثل هذه التجمعات.

ورغم إقراره بأن حرية التجمع والتظاهر حق أساسي، شدد بوزيك على أن سلمية الاحتجاجات شرط جوهري لممارسته، وأن السلطات لا يمكنها تجاهل المخاطر التي قد تهدد المشاركين ورجال الشرطة والممتلكات العامة.

لكن الحديث عن منع مظاهرات مقبلة لا يعني صدور قرار رسمي بذلك. فالمادة الثامنة من الدستور الألماني تكفل حرية التجمع السلمي، ولا يمكن تقييد المظاهرات في الأماكن العامة إلا ضمن الضوابط القانونية، وبالاستناد إلى تقييم محدد للمخاطر الأمنية، وليس لمجرد وقوع أعمال عنف خلال احتجاج سابق.

ويفتح موقف بوزيك نقاشاً حول الجهة التي ينبغي أن تتحمل مسؤولية ما جرى: هل المنظمون الذين دعوا إلى مظاهرات سلمية، أم المجموعات التي استغلت التجمعات وارتكبت أعمال عنف وجرائم منفصلة؟

وفي رد على هذا التوجه، اعتبر حزب اليسار في ولاية هيسن أن التلويح بتقييد المظاهرات يمثل إشارة خطيرة تمس حرية الاحتجاج، بينما دعا الحزب الاشتراكي الديمقراطي والخضر إلى الفصل بين المطالب المشروعة للشباب وأعمال العنف.

وتكتسب هذه المواجهة السياسية أهمية إضافية مع بدء أسبوع من الأنشطة التي دعت إليها المبادرة الشبابية في المدارس والجامعات، اعتباراً من الإثنين، استعداداً للمشاركة في يوم احتجاج شبابي دولي في 20 نوفمبر.

خلاف بين وزيرَي الداخلية والدفاع

بالتوازي مع النقاش حول مستقبل المظاهرات، انتقل الجدل إلى داخل الحكومة الاتحادية نفسها، بعد اعتراض وزير الدفاع بوريس بيستوريوس، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، على تصريحات وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت، المنتمي إلى الحزب الاجتماعي المسيحي البافاري.

وكان دوبريندت قد اتهم مجموعات يسارية مستعدة لاستخدام العنف وأشخاصاً وصفهم بأنهم من “الأوساط المهاجرة” باستغلال الاحتجاجات السلمية وتحويلها إلى مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب ونهب.

لكن بيستوريوس شكك في دقة هذا التوصيف، قائلاً في مقابلة مع القناة الألمانية الثانية “تسيت دي إف” إنه لا يملك ما يكفي من المعلومات لتأكيد أن تلك المجموعات كانت بالفعل المحرك الأساسي لأعمال العنف.

وطرح الوزير سؤالاً يتجاوز أحداث فرانكفورت، عندما تساءل عن المقصود أصلاً بوصف “مجموعات مهاجرة”، وما إذا كان يشمل أشخاصاً يعيشون في ألمانيا منذ ثلاثة أجيال ويحملون جنسيتها.

ورأى بيستوريوس أن هذا النوع من التصنيف يقود النقاش في اتجاه خاطئ، لكنه رفض في الوقت نفسه التقليل من خطورة الاعتداءات، مؤكداً أن المسؤولين عنها مجرمون يجب محاسبتهم، أياً كانت أصولهم.

ولم يقف الخلاف عند هذين الموقفين. فقد دخلت وزيرة التعليم والأسرة، كارين برين، المنتمية إلى الحزب المسيحي الديمقراطي، على خط الجدل الإثنين، معتبرة أن أعمال العنف تستدعي أيضاً طرح أسئلة تتعلق بالاندماج، والبحث في الأسباب التي تجعل بعض المجموعات أكثر انخراطاً في مثل هذه السلوكيات.

وقالت برين لإذاعة ألمانيا إن المسألة لا تتعلق بإثارة الأحكام المسبقة ضد المهاجرين، بل بفهم أسباب اللجوء إلى العنف، مشددة في الوقت نفسه على ضرورة الاستماع إلى الشباب الذين شاركوا سلمياً في الاحتجاجات، وعدم تجاهل مطالبهم الاجتماعية والتعليمية.

غالبية الموقوفين ألمان

أضافت المعلومات التي كشفت عنها شرطة فرانكفورت بعد الأحداث بُعداً جديداً للجدل، إذ أوضحت أن التحقيقات الأولية تميز بين مجموعتين مختلفتين شاركتا في أعمال العنف.

فبحسب الشرطة، تورطت مجموعة محدودة في اعتداءات قرب نهاية المظاهرة، بينما نُسبت أعمال النهب والتخريب اللاحقة في شارع التسوق الرئيسي ومناطق أخرى من وسط المدينة إلى مجموعات مختلفة، بعضها معروف مسبقاً لدى الأجهزة الأمنية.

وقال قائد شرطة فرانكفورت، شتيفان مولر، إن بعض هؤلاء الشبان اعتادوا التجمع في وسط المدينة خلال عطلات نهاية الأسبوع، وإن الأجهزة الأمنية كانت تصنفهم سابقاً ضمن مجموعات تبحث عن الإثارة والمغامرة، قبل أن تكشف الأحداث الأخيرة استعداد بعضهم لاستخدام العنف.

وتشير هذه المعطيات إلى احتمال أن تكون أحداث فرانكفورت قد جمعت بين أشخاص انخرطوا في مواجهات خلال الاحتجاج السياسي، وآخرين استغلوا ظروف الاضطراب لتنفيذ اعتداءات وسرقات، دون أن تجمعهم بالضرورة أهداف الحركة الشبابية.

ووفق الحصيلة التي أعلنتها الشرطة، جرى توقيف 54 شخصاً تتراوح أعمارهم بين 13 و29 عاماً، معظمهم يحمل الجنسية الألمانية، فيما تحدثت السلطات عن إصابة نحو مئة شرطي ونهب خمسة متاجر.

المهاجرون يعودون إلى قلب السجال السياسي

سرعان ما تجاوز النقاش الوقائع الأمنية، ليعيد إحدى أكثر القضايا إثارة للانقسام في ألمانيا إلى الواجهة، وهي العلاقة بين الهجرة والاندماج والجريمة.

فحزب البديل من أجل ألمانيا، اليميني، اعتبر أحداث فرانكفورت دليلاً على ضرورة تشديد التعامل مع ما يصفه بعنف المجموعات المهاجرة واليسارية المتطرفة، وأعلن عزمه إثارة الملف داخل برلمان ولاية هيسن.

في المقابل، اتهمت النائبة عن حزب اليسار، كلارا بونغر، وزير الداخلية الاتحادي بتغذية الأحكام المسبقة ضد المهاجرين من خلال التركيز على أصول المشتبه بهم، معتبرة أن تفسير الجريمة على أساس الخلفية العائلية يتجاهل عوامل اجتماعية وفردية أكثر تعقيداً.

أما الحزب الديمقراطي الحر في الولاية، فحذر من وضع جميع الشباب من أصول مهاجرة تحت الشبهة، مؤكداً أن المسؤولية عن الأفعال الجنائية تتحدد بالسلوك، لا بالأصل.

في خضم هذا الجدل، حذرت الناشطة المناخية لويزا نويباور من أن التركيز على أعمال العنف قد يحجب المطالب الأساسية للشباب، معتبرة أن طريقة التعامل السياسي مع الاحتجاجات تعكس جانباً من الفجوة بين الأجيال.

كما أبدى مسؤولون في الحزب الاشتراكي الديمقراطي والخضر مخاوف من أن تصبح المجموعات العنيفة هي التي تحدد صورة الاحتجاجات، رغم أن غالبية المشاركين خرجوا بصورة سلمية.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *