لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تحقيقا شاركت في إعداده أنيكا أرورا سيث وجون ويست وشيلبي هوليدي ولارا سيغلمان وكارل تشرتشل وكاثرين تشوي، كشفوا فيه عن الطريقة التي دمرت فيها إيران القواعد الأمريكية في الخليج ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام وتسببت بخسائر وأضرار تقدر بمليارات الدولارات.
وقالت إن الهجوم الذي استهدف قاعدة موفق السلطي في الأردن وقتل ثلاثة من العناصر العسكريين الأمريكيين في 17 تموز/يوليو كان الهجوم الأكثر دموية، مع أن صور الأقمار الاصطناعية تظهر أن الصواريخ والمسيرات الإيرانية أصابت 19 بناية حيث كان الجنود نائمين. وفي نفس الأسبوع هاجمت مهاجع أخرى في منشآت أمريكية بالمنطقة.
وتضيف الصحيفة أن ضربات تموز/يوليو مثلت تحولا مقلقا في تكتيكات إيران، وكشفت عن تحسن في قدرة النظام الإيراني على تنظيم الهجمات وضرب الأهداف بدقة. ووفقا لتحليل أجرته “وول ستريت جورنال” لبيانات الأقمار الاصطناعية، وتصريحات الجيش الإيراني ومقابلات مع مسؤولين أمريكيين، فقد باتت إيران تستهدف بشكل مباشر المباني التي تضم قوات أمريكية. ويقدم تحليل الصحيفة أشمل تحليل علني لأضرار الحرب التي لحقت بالمنشآت الأمريكية حتى الآن.
فقد أدت الضربات الإيرانية لإلحاق أضرار بالغة بالمنشآت الأمريكية.
والآن، مع تفكير الرئيس دونالد ترامب لموجة جديدة من الهجمات على إيران، سحب الجيش الأمريكي بعض أفراده من عدد من تلك المواقع تحسبا لرد محتمل، بحسب ما أفادت به الصحيفة. ويأتي هذا في وقت يخشى فيه مسؤولو البنتاغون من أن النظام قد احتفظ ببعض صواريخه الأكثر تطورا، وقد يحسن من هجماته في الجولة القادمة من القتال.
وحسبما أفادت بيانات وزارة الدفاع، فقد لقي أكثر من 20 جنديا أمريكيا حتفهم في عمليات مرتبطة بالحرب مع إيران منذ بدايتها في 28 شباط/فبراير، أُصيب أكثر من 400 شخص قبل انهيار وقف إطلاق النار المؤقت في تموز/يوليو، وبعدها توقفت الحكومة عن نشر أرقام الخسائر المتعلقة بالحرب.
ووصلت أحدث تقديرات لتكلفة الحرب مع إيران 47.1 مليار دولار أمريكي حتى 16 تشرين الأول/أكتوبر، وذلك حسب وثيقة اطلعت عليها “وول ستريت جورنال”. ولا يشمل هذا الرقم الأضرار التي لحقت بالقواعد العسكرية، والتي قدر البنتاغون تكلفتها بحد أدنى 5 مليارات دولار، بحسب مسؤولين أمريكيين مطلعين على الأمر. وقد يصل هذا الرقم إلى 15 مليار دولار، وفقا لمصدر آخر مطلع على التقديرات.
وقد شاركت الصحيفة نتائج تحقيقها المتعلق بالمباني المتضررة مع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، الذي قدر أن تكلفة إعادة الإعمار وحدها، وبدون استبدال المعدات والأنظمة داخل تلك المباني ستتجاوز 4 مليارات دولار. وتحدث مسؤولون بأن الولايات المتحدة تجري محادثات مع دول حليفة لتمويل بعض أعمال الإصلاح، ما قد يسهم في خفض التكاليف على الولايات المتحدة.
تجدر الإشارة إلى أن العديد من هذه المنشآت مشتركة مع الحلفاء أو مملوكة لهم، لذا فإن المباني المتضررة ليست بالضرورة أمريكية أو مخصصة للاستخدام من قبل القوات الأمريكية فقط.
ومع ذلك، قد لا يعاد بناء بعض هذه البنية التحتية أبدا، فقد ذكرت “وول ستريت جورنال” أن البنتاغون يدرس نقل القواعد العسكرية إلى مناطق أبعد عن متناول إيران، والانسحاب من منشآته في الكويت والسعودية.
وقد يعرّض الانسحاب حلفاء الولايات المتحدة لمزيد من المخاطر. إلا أن وزارة الدفاع الأمريكية والقيادة المركزية المسؤولة عن العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، امتنعتا عن التعليق.
ويظهر تحليل الصحيفة لصور الأقمار الاصطناعية المنشورة من وكالة الفضاء الأوروبية، وهي إحدى المصادر القليلة الموثوقة للصور المتاحة للجمهور طوال فترة الحرب، كيفية تنفيذ الضربات.
بعد اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير، قصفت الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية قواعد عسكرية في أنحاء الخليج العربي. وخلال الأسبوعين الأولين، تسببت هذه الضربات بأضرار في ما لا يقل من 119 مبنى في 13 منشأة، معظمها في الكويت المجاورة، وهو عدد يفوق أي فترة أخرى من الحرب.
وتعرض مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، لقصف مكثف خلال هذين الأسبوعين، وهو ما دفع القيادة المركزية الأمريكية إلى إجلاء معظم أفرادها من القاعدة.
وفي 13 آذار/مارس، أعلن وزير الدفاع بيت هيغسيث أن برنامج الصواريخ الإيراني قد توقف فعلياً. وقال في مؤتمر صحافي بالبنتاغون: “لقد تم تدمير كامل قدرة إيران على إنتاج الصواريخ الباليستية، وكل شركة قامت بتصنيع كل مكون من مكونات هذه الصواريخ”، إلا أن إيران واصلت هجماتها. وخلال ما تبقى من الشهر، ظهرت أضرار في ست منشآت أخرى، وفقا لتحليل “وول ستريت جورنال”.
وقال الرئيس ترامب في الأول من نيسان/أبريل بأن الجيش الإيراني على وشك الانهيار. وقال في خطاب متلفز: “بحريتهم انتهت وقواتهم الجوية انتهت وصواريخهم على وشك النفاد أو التدمير”. وبحلول ذلك الوقت، بدا أن أكثر من 15 مكونا في البنية التحتية التي تحمي القواعد، مثل أنظمة الرادار والدفاع الصاروخي والاتصالات، قد تضررت، وفقا لتحليل “وول ستريت جورنال”.
وبعد أن استقر وقف إطلاق النار في أوائل نيسان/أبريل، أظهرت صور الأقمار الاصطناعية أضرارا طفيفة في القواعد. فيما أكد مسؤولون في الإدارة الأمريكية على الضرر الذي ألحقته الولايات المتحدة بإيران. وقال هيغسيث مخاطبا القادة الإيرانيين في مؤتمر صحافي عقد في 16 نيسان/أبريل: “يمكنكم التعافي مؤقتا، لكن لا يمكنكم إعادة بناء قواتكم”. وفي أوائل حزيران/يونيو، قال وزير الخارجية ماركو روبيو في شهادة أمام أعضاء مجلس الشيوخ: “حسنا، لقد انتهت الحرب الآن”.
وبعيدا عن الاعتقاد السائد، كان الجيش الأمريكي يخرج قواته من القواعد. حتى قبل بدء الحملة، كان البنتاغون قد نقل قواته بالفعل بعيدا عن مناطق الخطر. وأبلغ هيغسيث الكونغرس في 29 نيسان/أبريل أن الولايات المتحدة سحبت 7500 جندي “من المنطقة” أي بعيدا عن القواعد المعروفة مع بداية الحملة.
وأفاد مسؤولون أمريكيون أن الهجمات الإيرانية أجبرت الولايات المتحدة على سحب المزيد من القوات من منطقة الخطر، بما في ذلك إجلاء عدد كبير من الجنود من معسكري بوهرينغ وعريفجان في الكويت.
وعندما انهار وقف إطلاق النار في 7 تموز/يوليو، ركزت إيران نيرانها غربا، على قواعد تبعد مئات الأميال عن حدودها. وبعد مرور ستة أشهر على الحرب، رصدت “وول ستريت جورنال أضرارا ناجمة عن 11 هجوما منفصلا على الأقل، خمسة منها في الأردن. أما المنشآت الخليجية المجاورة لإيران، والتي كانت قد تحملت وطأة الضربات السابقة، فقد شهدت الآن أضرارا متفرقة فقط. وفي غضون أيام من الهجوم الدامي الذي وقع في 17 تموز/يوليو على قاعدة موفق السلطي رصدت الصحيفة أضرارا في ثلاث منشآت أخرى، شملت مباني قال جنود أمريكيون حاليون وسابقون إنها مساكن مماثلة في القواعد العسكرية. وفي الأسبوع نفسه، أعرب مسؤولون أمريكيون، في أحاديث خاصة، عن قلقهم من استهداف إيران للقوات في أماكن نومها.
وأضافت الصحيفة أن إيران كانت تستهدف أيضا مباني أصغر حجما، ما يعد مؤشرا على الدقة التي أثارت قلقا متزايدا لدى المسؤولين الأمريكيين. ووجدت “وول ستريت جورنال” أن المباني التي تضررت بعد انهيار وقف إطلاق النار كانت أقل من نصف حجم المباني التي استُهدفت سابقا. وأشار بعض العسكريين الحاليين والسابقين إلى أن مساكن القواعد العسكرية، والتي غالبا ما تكون حاويات شحن معدلة أو حتى خيام صغيرة الحجم.
وعكست التصريحات الإيرانية العلنية هذا التحوّل. ففي الفترة من 7 تموز/يوليو إلى 28 آب/أغسطس زعمت إيران أنها شنت أكثر من 40 غارة على منشآت أمريكية، وفقا لتحليل أجرته الصحيفة لأربع وسائل إعلام إيرانية تابعة للدولة. ووصفت أكثر من ثلاثة أرباع هذه المزاعم أنواعا محددة من المباني في منشآت محددة، مقارنةً بأقل من النصف في بداية الحرب، كما تضاعفت المزاعم باستهداف المساكن.
وعلق برايان كارتر، محلل الشؤون الدفاعية المختص في الشأن الإيراني في معهد “أمريكان إنتربرايز” المحافظ قائلا: “هناك بالتأكيد جهد تبذله إيران لإلحاق خسائر في صفوف القوات الأمريكية”.
وبعد أيام من الضربة التي أسفرت عن مقتل ثلاثة عسكريين في قاعدة موفق السلطي، استمر هيغسيث في وصف الحرب بأنها ناجحة. وقال في 21 تموز/يوليو إنه “تم التفوق وسحق” إيران كليا وكانت “غير فعالة قتاليا”.
وبالمحصلة، لم يكشف البنتاغون إلا عن القليل بشأن الأضرار. ففي وقت سابق من هذا الشهر، حث خمسة ديمقراطيين في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، وزارة الدفاع على الكشف علنا عن التكلفة التقديرية للأضرار التي لحقت بالمنشآت الأمريكية، والتي تمت مشاركتها في إحاطة سرية.
وخلال رحلة إلى الشرق الأوسط هذا الشهر، منع السناتور الديمقراطي عن كونيتكت كريس ميرفي وعضو لجنة العلاقات الخارجية واللجنة الفرعية للدفاع التابعة للجنة الاعتمادات بمجلس الشيوخ، من زيارة قاعدة العديد الجوية في قطر. ووجد تحليل أجرته “وول ستريت جورنال” أن ما لا يقل عن اثني عشر مبنى في القاعدة ظهرت عليها علامات الضرر.
وقال ميرفي إن القادة العسكريين الأمريكيين في المنطقة رفضوا أيضا إطلاعه على الوضع. وأفادت وزارة الدفاع بأن ميرفي أُبلغ قبل الرحلة بأنه لن يسمح له بدخول القاعدة بسبب قيود السفر المفروضة في المنطقة. مع أن السناتور أبلغ الصحيفة بأن الإدارة “تحجب معلومات عن الأضرار من أجل إخفاء التكاليف الحقيقية للحرب”.
وعلقت إيلين مكوسكر، الباحثة في معهد “أمريكان إنتربرايز” والقائمة بأعمال مدير عام البنتاغون سابقا في إدارة ترامب الأولى، قائلة إن أنماط الضربات الإيرانية قد تساعد البنتاغون في تحديد ما يجب الاحتفاظ به في المنطقة ومكان وجوده. فهي تكشف عن عدد الصواريخ والطائرات المسيّرة المتبقية لدى إيران وسرعة قدرتها على إنتاج المزيد. وأضافت: “يحمل نوع الضربات وعددها بمرور الوقت مؤشرات على سعة مخزونها”.
وفي الوقت نفسه، تعمل إيران بسرعة على إعادة بناء بنيتها التحتية المتضررة، بما في ذلك قواعد الصواريخ ومرافق الإنتاج واستخراج ترسانتها الصاروخية المدفونة في حين استنزفت الولايات المتحدة مخزونها من الصواريخ الاعتراضية.