لم يعد الاستعمار بحاجة إلى أساطيل حربية أو جيوش تعبر الحدود. يكفي أن تسيطر قوة أجنبية على الخوادم والخوارزميات والأنظمة الإلكترونية التي تدير اقتصاد دولة ومطاراتها ومصارفها ومستشفياتها. هنا يبدأ أخطر أشكال التبعية في القرن الحادي والعشرين، حين ترفع الدولة علم الاستقلال فوق مؤسساتها، بينما يحتفظ الآخرون بمفاتيح تشغيلها وإيقافها.
يحذر المؤرخ يوفال نوح هراري من عالم تفقد فيه البشرية القدرة على فهم الأنظمة الذكية التي تعتمد عليها والتحكم فيها. لكن الخطر يتجاوز الإنسان الفرد إلى سيادة الدول نفسها. تخيل دولة تعتمد كلياً على بنية تحتية رقمية تديرها شركات أجنبية، ثم تنشب أزمة سياسية بين حكومتها والدولة التي تحتضن تلك الشركات. ماذا يحدث إذا قرر الطرف الأقوى تقييد الخدمات أو قطع التحديثات أو تعطيل الوصول إلى الأنظمة الحيوية؟
هذه ليست نبوءة خيالية، فالتاريخ الحديث يقدم إنذارات واضحة. في مارس 2022، أعلنت مايكروسوفت وقف مبيعات منتجاتها وخدماتها الجديدة في روسيا، وقيّدت جوانب من أعمالها امتثالاً للعقوبات الغربية. لم تطفئ الشركة روسيا بضغطة زر، لكنها كشفت حقيقة صادمة: تستطيع القرارات السياسية خارج حدود الدولة التأثير في وصول مؤسساتها إلى التكنولوجيا التي تعتمد عليها. وعندما ترتبط الخدمات الأساسية بمورد أجنبي واحد، تتحول العلاقة التجارية إلى نقطة ضعف استراتيجية.
وفي يوليو 2024، شهد العالم بروفة مرعبة لهذا الخطر. أرسلت شركة كراودسترايك تحديثاً برمجياً معيباً، فتعطل نحو 8.5 مليون جهاز يعمل بنظام ويندوز. اضطربت حركة الطيران، وتعطلت خدمات مصرفية وصحية ومؤسسات حيوية. لم يشن أحد حرباً، ولم ينفذ أحد هجوماً إلكترونياً، ومع ذلك تسبب خطأ تقني واحد في أزمة عالمية. فماذا لو امتلك طرف معادٍ القدرة على إحداث اضطراب مماثل عمداً؟
ثم تأملوا حرب الرقائق الإلكترونية بين الولايات المتحدة والصين. فرضت واشنطن عام 2022 قيوداً على تصدير شرائح الحوسبة المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات إلى الصين، وأعلنت أن حماية أمنها القومي تمثل أحد دوافع القرار. تكشف هذه المواجهة أن التكنولوجيا لم تعد مجرد سلعة تتبادلها الأسواق، بل أصبحت أداة استراتيجية تستطيع الدول استخدامها لتقييد قدرات منافسيها الصناعية والعسكرية.
هذه الأمثلة لا تثبت وجود مؤامرة عالمية موحدة، لكنها تثبت أن الاعتماد التقني يحمل مخاطر سياسية وتشغيلية حقيقية. والخطأ القاتل أن تتعامل الحكومات مع تلك المخاطر باعتبارها تفاصيل فنية يتركها الوزراء للمهندسين. فالقرار المتعلق بمكان تخزين البيانات، وهوية مشغل السحابة، وملكية البرمجيات، قد يحدد قدرة الدولة على الصمود أثناء أزمة دولية.
الأخطر أن الذكاء الاصطناعي يضاعف حجم المشكلة. تخيل أن حكومة تسند تحليل معلوماتها الأمنية، وإدارة شبكات الطاقة، وتخطيط اقتصادها، وتشغيل مرافقها إلى أنظمة لا تعرف أسرارها ولا تملك شيفراتها ولا تستطيع صيانتها باستقلال. عندها لن تحتاج القوة المسيطرة على تلك الأنظمة إلى احتلال العاصمة، فقد يكفي أن تمنع التحديثات أو تقيد الوصول أو ترفع تكاليف التشغيل حتى تضع الحكومة أمام خيارات قاسية.
تحتاج الدول إلى استراتيجية مختلفة، تبدأ بتدريب الكفاءات الوطنية، وتنويع الموردين، وحماية البيانات الحساسة، وتطوير قدرات الحوسبة والأمن السيبراني
ولنتصور دولة تستورد منظومة ذكية لإدارة الكهرباء. تربط الحكومة المحطات وشبكات التوزيع بمنصة أجنبية، ثم تتخلى تدريجياً عن الخبرات المحلية. بعد سنوات، تنشأ أزمة سياسية مع الدولة المصدرة. حتى دون تخريب متعمد، تستطيع القيود على الدعم والصيانة أن تهدد استمرارية الخدمة. وإذا افتقرت الدولة إلى بدائل مستقلة، فقد تواجه اضطرابات اقتصادية واجتماعية خطيرة.
هنا يظهر الوجه الجديد لما يمكن تسميته بالاستعمار الصناعي الرقمي. لا يفرض الطرف الأقوى حاكماً أجنبياً، لكنه قد يمتلك أدوات تؤثر في خيارات الحاكم الوطني. لا يسيطر على الموانئ بالسفن الحربية، لكنه قد يتحكم في البرمجيات التي تنظم حركتها. ولا يحتاج إلى مصادرة الثروات، فقد يحصل على نفوذ هائل عبر احتكار المعالجة والبيانات والبنية التحتية.
لكن يجب ألا نخلط بين التعاون التقني والاستعمار. ليست كل شركة أجنبية أداة للهيمنة، ولا يستطيع أي بلد تصنيع جميع تقنياته منفرداً. تكمن المشكلة في التبعية التي تمنع الدولة من تغيير المورد أو تشغيل أنظمتها عند انقطاع العلاقة معه. الاستقلال الحقيقي لا يعني إغلاق الأسواق، بل امتلاك القدرة العملية والقانونية على الاستمرار والاختيار.
وهنا يبرز سؤال يجب أن تواجهه الحكومات العربية بشجاعة: ماذا تملك فعلياً من ثورتها الرقمية؟ هل تملك مراكز البيانات وحدها، أم تملك أيضاً البرمجيات والمعرفة والقدرة على تطوير الأنظمة وتشغيلها؟ وهل تستطيع مؤسساتها الاستمرار شهوراً إذا فقدت خدمات المورد الرئيسي؟ إن شراء أحدث التقنيات لا يصنع سيادة رقمية إذا ظل المشتري عاجزاً عن فهمها وصيانتها واستبدالها.
تحتاج الدول إلى استراتيجية مختلفة، تبدأ بتدريب الكفاءات الوطنية، وتنويع الموردين، وحماية البيانات الحساسة، وتطوير قدرات الحوسبة والأمن السيبراني. وتحتاج أيضاً إلى عقود تضمن نقل المعرفة وإمكانية نقل الأنظمة إلى منصات بديلة، وخطط طوارئ تختبر استمرار الخدمات عند انقطاع المورد الأجنبي. لا تكفي الشعارات الوطنية، فالسيادة الرقمية تتطلب استثمارات طويلة ومؤسسات قادرة على المحاسبة والتنفيذ.
أما الدول التي تنفق المليارات على المباني الذكية والمشروعات الدعائية، بينما تهمل البحث العلمي والصناعة التقنية والتعليم الهندسي، فإنها تخاطر بشراء مظهر القوة دون امتلاك أسبابها. تستطيع الأموال شراء الخوادم، لكنها لا تشتري تلقائياً المعرفة المتراكمة ولا القدرة المستقلة على اتخاذ القرار.
التحذير الأخير واضح: قد تدخل بعض الدول عصر الذكاء الاصطناعي وهي تتباهى بسرعة تحولها الرقمي، ثم تكتشف عند أول مواجهة كبرى أن خصومها يمتلكون مفاتيح أنظمتها الحيوية.
إن أخطر احتلال محتمل في المستقبل ليس الذي يرفع علمه فوق أرضك، بل الذي يمنحك وهم الاستقلال بينما يحتفظ بالقدرة على تعطيل حياتك. ومن لا يستثمر اليوم في استقلال قراره التقني، قد يضطر غداً إلى دفع ثمن باهظ لاستعادته.
٭ كاتب واعلامي سوري
[email protected]