اليمن – «القدس العربي»: تواصلت الاشتباكات الميدانية في عدة جبهات يمنية، اليوم الجمعة، وفي مقدمتها مواجهات عنيفة شهدتها جبهات غرب تعز بالتوازي مع معارك طاحنة في مديرية المقاطرة بمحافظة لحج (جنوب) بالإضافة إلى محافظة الجوف (شمال شرق)، تزامنًا مع غارات جوية وسجال إعلامي ودبلوماسي حاد وتحذيرات أممية متزايدة من تفاقم الأزمة الإنسانية.
معارك وغارات وتصعيد
ميدانيًا وعلى الأرض، شهدت تعز (جنوب غرب)، وبخاصة في محيط المدينة، اشتباكات بمختلف أنواع الأسلحة بين قوات الحكومة المعترف بها دوليًا وقوات جماعة “أنصار الله” (الحوثيون)، وتحديدًا في الجبهات الغربية حسب محور تعز العسكري، وامتدت المواجهات، وفق مصادر ميدانية، لتشمل محيط جبل هان ومنطقة مـدارات، وصولًا إلى محيط معسكر المطار القديم، في حين ساد هدوء محدود جبهات الأقروض وكحلان ضحيح والشقب جنوب شرقي تعز.
واستجابة لهجمات الأطراف وتحركاتها الميدانية، كثّف الطيران الحربي غاراته الجوية، وحسب وسائل إعلام الجماعة فقد شن غارتين على مديرية حيفان، واستهدف الإصلاحية المركزية لقطاع أمن الساحل الغربي في مديرية المخا، مما أدى إلى إصابة نزيلين، أحدهما في حالة حرجة. وفي المقابل، أكدت وسائل إعلام موالية للحكومة أن الطيران الحربي قصف مواقع وتعزيزات للحوثيين في مديرية المسراخ.
وفي سياق الحصيلة الميدانية ذاتها، أفادت وزارة الصحة بصنعاء بمقتل مواطنين اثنين أحدهما طفلة وإصابة أربعة آخرين بقذائف هاون أطلقها الطرف الآخر على منطقة الأعمور بعزلة الأعروق في مديرية حيفان. كما أفادت بإصابة مواطن بجروح خطرة جراء غارة للطيران السعودي استهدفت قرية الرامة في عزلة مسفر بمديرية المسراخ. فيما ذكرت قناة “المسيرة” الفضائية التابعة للجماعة أن مواطناً قُتل وأصيب خمسة آخرون، بينهم طفل وامرأة في قصف للطيران السعودي استهدف شبكة اتصالات في منطقة المجاشة بمديرية مقبنة بمحافظة تعز.
كما أعلن الدكتور أنيس الأصبحي، المتحدث باسم وزارة الصحة في صنعاء، إصابة ثلاثة مواطنين إثر قصف الطيران السعودي منطقة العمود الصغرى بجوار مبنى التونة في مديرية المخا غربي تعز.
وفي امتداد للتوتر الميداني ذاته، لم تقتصر المواجهات على محيط مدينة تعز، بل اتسعت رقعتها جنوبًا، ففي جبهة المضاربة ورأس العارة في محافظة لحج، شهدت الجبهة اشتباكات، مع استمرار تدفق التعزيزات للطرفين.
وقالت مصادر محلية إن القوات الحكومية صدّت هجمات قوات الجماعة على مناطق المجزاع وعدة مناطق في أطراف مديرية المضاربة مع استمرار المواجهات وسط سقوط قتلى وجرحى من الطرفين.
وفي مديرية المقاطرة، أفادت قناة “الجمهورية” الفضائية التابعة لقوات المقاومة الوطنية بأن جماعة الحوثي شنت هجومًا عنيفًا على المديرية من جهتي هيجة العبد وطريق الصُحي، وسط معارك عنيفة مستمرة هناك.
وفيما قالت وسائل إعلام موالية للحكومة إن قوات الجيش كبّدت الجماعة خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، قال عضو المكتب السياسي للجماعة، حزام الأسد، إن قواتهم تمكنت اليوم من “تأمين ما تبقّى من جبهة حيفان، وإسقاط ثلاثة ألوية عسكرية للعدو في محافظة لحج، وضرب تحشيداته، وتحرير مديرية المقاطرة، وتأمين مركزها في سوق الربوع وقلعتها الشامخة”.
في المقابل، نفت وسائل إعلام موالية للحكومة سيطرة الجماعة لسوق الربوع وقلعة المقاطرة ونقيل نجد كربة. وتكمن أهمية هذا النقيل في أن السيطرة عليه تضع المناطق الممتدة من مديرية المقاطرة، وصولًا إلى الطريق الرابط بين عدن ولحج، تحت السيطرة الكاملة.
تزامنت المعارك هناك مع قطع شبكة الاتصالات بشكل كامل عن مديريتي طور الباحة والمقاطرة والمناطق المجاورة، مع استمرار قصف مدفعي مكثف. وفي محافظة إب، أعلنت وسائل إعلام تابعة للجماعة أن الطيران السعودي نفذ عدة غارات على مديرية يريم.
وعلى الرغم من الهدوء النسبي الذي ساد جبهات جنوب مأرب (وسط)، أفادت وسائل إعلام الجماعة بأن الطيران السعودي استهدف مواشي المواطنين في مديرية ماهلية.
أما في محافظة الجوف (شمال شرق)، فقد ذكرت وسائل إعلام موالية للحكومة أن القوات الحكومية استعادت السيطرة على أجزاء من جبال حويشان خلال هجوم شنته شرق مدينة الحزم، فيما أفادت وسائل إعلام الجماعة بأن الطيران السعودي نفذ غارتين على المنطقة نفسها.
ولا تقتصر المواجهات على الجبهات الداخلية، بل تمتد لتشمل تصعيدًا عابرًا للحدود وما يرتبط به من تبادل اتهامات، إذ أعلن المتحدث باسم التحالف، اللواء تركي المالكي، أن الدفاع المدني السعودي اعترض ودمر طائرة مسيّرة في منطقة مكة المكرمة، بالإضافة إلى صاروخ كروز كان متجهًا إلى المنطقة الغربية.
وفي المقابل، جاء البيان العسكري للجماعة ناقضًا لرواية التحالف، حيث نفى المتحدث العسكري لجماعة “أنصار الله” (الحوثيون) تنفيذ أي عملية عسكرية باتجاه العمق السعودي يوم الجمعة. وقال في بيان إن قواتهم تؤكد عدم تنفيذ أي هجوم خلال اليوم ذاته، واصفًا ادعاءات السعودية حول اعتراض الطائرة المسيّرة في أجواء مكة بالمزاعم الكاذبة والباطلة، مشددًا على أن عملياتهم تستهدف المنشآت النفطية والقواعد العسكرية السعودية، وأن العالم لم يعد يصدق هذه الادعاءات المفبركة، وفقًا لتعبيره.
وكان هذا التصعيد الميداني يوم الجمعة قد سبقه تمهيد ناري في وقت متأخر من ليل الخميس، إذ أفادت سلطات الدفاع المدني السعودي بسقوط شظايا ناجمة عن اعتراض صاروخين باليستيين في مدينة الرياض، مما أدى إلى إصابة مواطن بجروح طفيفة وأضرار مادية في منزل ومركبة. وفي السياق أطلق الدفاع المدني السعودي، الجمعة، انذار بالخطر في منطقة جازان ومحافظة خميس مشيط قبل أن يُعلن لاحقا زوال الخطر
سجال الاتهامات وحرب التصريحات
ولم ينفصل التصعيد العسكري على الأرض عن التراشق السياسي المحموم بين الطرفين، إذ وجهت الدبلوماسية الحكومية اتهامات مباشرة للجماعة بالتوازي مع تعليقات حادة من القيادة السياسية للحوثيين، حيث اتهمت وزارة الخارجية في الحكومة المعترف بها دوليًا جماعة “أنصار الله” بمواصلة زرع الألغام المضادة للأفراد. ودعت الوزارة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمنظمات الدولية المختصة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف عمليات زراعة الألغام في عدة محافظات، وتوسيع برامج مسح الألغام وتطهير المناطق الملوثة بها، وتقديم المساعدة للضحايا، محذرةً من تداعيات إنسانية كارثية طويلة الأمد تهدد حياة المدنيين. وقد أدانت الوزارة بأشد العبارات، في مذكرة أرسلتها إلى الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن، ما اعتبرته استمرار الجماعة في زراعة الألغام بشكل كثيف وعشوائي.
وعلى الجانب الآخر من السجال السياسي، طعنت الجماعة في شرعية الحكومة المعترف بها دوليًا، حيث قال عضو المكتب السياسي للجماعة، محمد الفرح: “شغلونا بذريعة وهمية تُدعى الشرعية. لو كانت الشرعية التي تصفها السعودية بهذه الصفة تحظى بقبول الشعب اليمني، ولها قاعدة شعبية ومؤيدون على الأرض، لكانت اثنتا عشرة سنة كافية لتوحيد الناس حولها، والوقوف إلى جانبها، والقتال معها دون حاجة إلى دعم السعودية أو غيرها. كما أن هذه السنوات كانت كفيلة بإثبات حضورها وقدرتها، لا سيما مع ما تلقته من دعم عسكري وإعلامي وسياسي ومالي من السعودية، إلى جانب الدعم الأمريكي والغربي والعربي”.
وعلى صعيد الرد على اتهامات الرياض بمحاولة الجماعة استهداف مكة المكرمة اليوم الجمعة، أكد ناطق حكومة الجماعة، عمر البخيتي، أن تكرار السعودية لما وصفه بـ “بهتانها العظيم بحق أبناء الشعب اليمني، يُعبّر عن حالة الإفلاس والعجز والفشل الذي وصلت إليه ومحاولاتها اليائسة لتوريط أنظمة وحكومات إسلامية للمشاركة في عدوانه على اليمن وشرعنة جرائمها بحق نساء وأطفال الشعب اليمني”.
وأوضح في تصريح نقلته وكالة أنباء “سبأ” التابعة للجماعة، أن تكرار الادعاء “بأن يمن الإيمان والحكمة حاول استهداف المناطق المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، يؤكد وجود نوايا مبيتة لدى الرياض لاستهداف المقدسات الإسلامية ومحاولة تلفيق التهمة بالشعب اليمني المسلم المجاهد الصابر”، وفقًا لتعبيره.
وفي ظل هذا الانسداد السياسي واستمرار المواجهات العسكرية، تستمر التبعات الإنسانية في إثقال كاهل المدنيين، إذ كشفت التقارير الأممية عن تزايد مستمر في أعداد النازحين مع وجود موجة جديدة في محافظة لحج، حيث أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في بيان له استمرار تصاعد أعداد النازحين، التي تجاوزت 281,000 شخص، مشيرًا إلى أن معظمهم نزحوا بسبب القتال في تعز وعلى امتداد الساحل الغربي. ولفت البيان إلى موجة نزوح جديدة من محافظة لحج منتصف أكتوبر/تشرين الأول، مما يدل على اتساع حجم الأزمة بدلاً من استقرارها.
ونتيجة لتدهور الأوضاع الأمنية وإغلاق المنافذ، انعكس ذلك مباشرة على المنشآت الخدمية التي باتت تعاني نقصًا حادًا في الوقود والمياه والأدوية نتيجة القيود المشددة على الوصول إلى أحياء عديدة داخل مدينة تعز. ولا تزال بعض الإمدادات الموجهة إلى المدينة قيد الانتظار، في حين أصبح خروج الأسر النازحة من المحافظة أكثر تعقيدًا.
وأضاف البيان أن المدنيين لا يزالون يتحملون العبء الأكبر من النزاع، حيث وثّقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حتى 27 أكتوبر وقوع 263 ضحية مدنية، من بينهم 67 قتيلاً. ويشكل الأطفال 97 من إجمالي الضحايا وحوالي نصف القتلى.
وأوضح أن مخاطر الحماية تتصاعد، حيث تُبلغ المنظمات الشريكة عن تزايد حالات انفصال الأسر، وارتفاع المخاطر الناتجة عن الذخائر المتفجرة، والتهديدات بالإخلاء، بالإضافة إلى تفاقم العنف القائم على النوع الاجتماعي، في ظل إغلاق خمس مساحات آمنة مخصصة للنساء والفتيات. وأشار إلى اعتراض التحركات الإنسانية قيودًا عند نقاط التفتيش رغم توافر التصاريح، كما تؤدي الطرق المتضررة إلى إبطاء وصول المساعدات بين تعز والمناطق الجنوبية.
بالتوازي مع أزمة النزوح الداخلي القاسية، امتدت تداعيات الصراع لتطال ملف اللاجئين القادمين من القرن الإفريقي، حيث أعربت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن بالغ قلقها إزاء التدهور المتسارع في الأزمة الإنسانية التي يعاني منها أكثر من 65 ألف لاجئ وطالب لجوء في اليمن؛ إذ أدت تصاعد حالة انعدام الأمن، والانهيار الاقتصادي، ونفاد الموارد، والإجراءات الصارمة على وصول المساعدات الإنسانية، إلى ترك عشرات الآلاف بلا ملاذ آمن.
وأضافت المفوضية في بيانها أن تصاعد الصراع يدفع آلاف الأشخاص إلى المخاطرة بعبور البحر عبر رحلات محفوفة بالمخاطر من القرن الإفريقي إلى اليمن، حيث تواجه الأوضاع الأمنية والإنسانية تدهوراً سريعاً.
وأوضحت أن الوضع يثير قلقًا خاصًا في مخيم “خراز” للاجئين بمحافظة لحج، وهي منطقة تحت سيطرة الحكومة تبعد عشرات الكيلومترات عن ساحات القتال، حيث يقيم نحو 9500 لاجئ من الصومال وإثيوبيا. ورغم عدم تسجيل إصابات بين اللاجئين، فإن القصف في المناطق المجاورة أوقف الخدمات وفرض قيودًا على التنقل، مما زاد من مشاعر الخوف واليأس لدى العائلات التي كانت قد نزحت سابقًا هربًا من صراعات أخرى.
وأضافت: “في ظل هذه الظروف، ازدادت أعداد اللاجئين الذين يلتمسون دعم المفوضية للعودة إلى أوطانهم. فمنذ أن تصاعد الصراع في أغسطس/آب، نظمت المفوضية ثلاث رحلات جوية من عدن إلى مقديشو، مكنت 607 لاجئين صوماليين من العودة الطوعية. كما عبّر أكثر من 1100 لاجئ عن رغبتهم في العودة، غير أن القصف المستمر للمطارات وتصاعد المعارك زادا من مخاطر اللاجئين والعاملين في المجال الإنساني، مما يهدد بتعطيل أي عمليات عودة مستقبلية”.
وأوضحت أنه رغم سنوات الصراع التي يعانيها اليمن، والتي تسببت في واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم، لم يتوقف تدفق الوافدين عبر البحر إلى البلاد. ففي الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، سجل وصول أكثر من 134 ألف طالب لجوء ومهاجر إلى اليمن عن طريق البحر.
وذكرت أن هؤلاء الفارّين من الصراعات والاضطهاد وانعدام الاستقرار والأمن في منطقة القرن الإفريقي، اتخذوا اليمن محطة عبور إلى بلدان أخرى، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف في بلد تسود فيه حالة عدم الأمن وعدم اليقين في الحياة اليومية.